اليزيد الراضي سليل تارودانت، أميناً عاماً للمجلس العلمي الأعلى    أخنوش يترأس اجتماع المنظومة الصحية    42 قتيلا و3087 جريحا حصيلة حوادث السير بالمناطق الحضرية خلال الأسبوع المنصرم    من الرباط.. الغابون تؤكد دعمها لمغربية الصحراء وتعتبر الحكم الذاتي الحل الأكثر جدية ومصداقية    مدرب المنتخب النرويجي: يثمن مواجهة "أسود الأطلس" ويصفها بالاختبار المثالي لمونديال 2026    من مراكش إلى العالم.. المغرب يقود مرحلة التحول في الطيران المدني الدولي    أمريكا: أكثر من 10000 عسكري وسفن وطائرات يشاركون في الحصار البحري لإيران                "الأحرار" يؤكد دعم الأغلبية الحكومية    معرض الكتاب يحتفي بابن بطوطة وفرنسا ويستضيف متوجة ب"نوبل للآداب"    أزولاي يعتني بتطوير متحف الصويرة    توقيفات جديدة في صفوف طلبة القنيطرة    تفجير انتحاري مزدوج في الجزائر خلال زيارة بابا الفاتيكان    باريس ولندن تنظمان الجمعة مؤتمرا عن مضيق هرمز للدول غير المنخرطة في حرب الشرق الأوسط    جمال: المغرب يصدر كفاءات تدريبية إلى الخارج.. وكشافة ينقبون عن المواهب    من 3 أشهر إلى سنة نافذة.. استئنافية الرباط تؤيد عقوبات شغب نهائي كأس إفريقيا    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    "أبي لم يمت" يحصد الجائزة الكبرى في المهرجان الدولي للسينما والهجرة بأوتريخت    "قمة الميتروبوليتانو": هل يحقق برشلونة "الريمونتادا" أمام أتلتيكو؟    ارتفاع أسعار الطماطم يدفع المغرب إلى إيقاف التصدير نحو أوروبا وإفريقيا    رشيد الوالي يرد على إشاعة وفاته.. الموت حق والمتاجرة به انحدار خطير    الجيش الملكي يواصل استعداداته تأهبا لإياب نصف نهائي عصبة الأبطال قبل التوجه لبركان بعد غد الخميس    "ماركا": نائل العيناوي على رادار ريال مدريد وبرشلونة    بركة يدفع بعلاكوش لخلافة النعم ميارة            حكيمي يرد على قضية الاغتصاب: "أعلم أنها اتهامات كاذبة وأنا مرتاح"    في ‬استطلاع ‬دولي ‬شمل ‬38 ‬دولة: ‬المغرب ‬يتصدر ‬البلدان ‬الإفريقية ‬في ‬توفير ‬الماء ‬وخدمات ‬الصرف ‬الصحي ‬    إيطاليا تعلن تعليق اتفاقية التعاون العسكري مع إسرائيل    19 سنة سجناً نافذاً لثلاثة مروجين للمخدرات الصلبة بالحسيمة        تصعيد نقابي في التعليم العالي.. دعوة لبرنامج احتجاجي مفتوح وتحذير من "انفجار اجتماعي"        بورصة البيضاء تفتتح على وقع الارتفاع    إيران تطالب دول الخليج بتعويضات عن أضرار الحرب    توقيف شخص بالدار البيضاء بعد تهديد مستعملي الطريق بسلاح أبيض وتوثيق أفعاله في فيديو    نقابة المراقبين الجويين بالمغرب تنتقد تدبير الحوار الاجتماعي وتطالب بتنفيذ الالتزامات    إنريكي مدرب سان جيرمان: مواجهة ليفربول خادعة وعلينا الحذر منهم    انتخاب روموالد واداغني رئيسا جديدا لبنين ب 94.05 في المائة من الأصوات (نتائج أولية)v    إعلام أمريكي يتوقع عقد مفاوضات جديدة بين واشنطن وطهران الخميس    العيون تستضيف المحطة الخامسة من قافلة اللقاءات الجهوية للتجارة الخارجية    مصادر: عودة الحوار الإيراني الأمريكي            دراسة تحذر من مخاطر المنظفات على الأطفال دون الخامسة    محاكمة "قتل بدر" تشهد سحب أقوال    وزارة الأوقاف تطلق تطبيق "المصحف المحمدي الرقمي" بخدمات علمية وتقنية شاملة        مسرح رياض السلطان: عمي ادريس في عرض تربوي والنكادي يقدم جديده الموسيقي    «بيوبيكس» عين اصطناعية بذاكرة أيونية تحاكي الشبكية    مشروبات الطاقة تحت المجهر: دعوات عاجلة لحماية القاصرين من "إدمان مقنّع"    الإدمان على المشروبات الطاقية يهدد صحة الشباب المراهق    رائد العلاج الجيني.. البروفيسور ميمون عزوز يتسلم أرفع جائزة بريطانية في تخصص الخلايا    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سِتّ ملاحظات في الكتابة النقدية الزرقاء
نشر في هسبريس يوم 26 - 10 - 2019

1. في غير وِصاية، وفي سياق متحول وإشكالي، تطفو على السطح مجموعة من الكتابات النقدية المهتمة بشعر الزجل والنظم العامّي المغربي، تنشر ذاتها على أديم الفضاء الأزرق، وتروم إضاءته بما أوتيت من قوة في الرؤية النقدية وفي التبني المنهجي وفي التأصيل وفي المثاقفة النوعية الماتحة مادتها من نظريات غربية أثبتت جدارتها المنهجية في التناول النصي بلا منازع... كما أنها كتابات تحاول في تواضع شديد الابتعاد عمّا يسمونه "القراءة العاشقة"، وهي القراءات التي يجب إعادة النظر في آلياتها الهاربة من مسؤولية التقعيد والانضباط المنهجي، والتي إن استسلمنا لغوايتها سنسقط في إنشائيات عائمة تمارس ما يسمى ب "الاستمناء الثقافي" ليس إلا.
أقول هذا الكلام وأنا معجب بمحاولات كثيرة لنقاد كثيرين في الساحة الثقافية الزرقاء، لا أذكر أسماءهم لا حصرا ولا تمثيلا، فالراغب في المتابعة والاهتمام ما عليه إلا أن ينخرط بكل تجريد في هذا المسلسل الهادف والباني لنسق نقدي متميز يرسم لحد الآن حدوده الممكنة في انتظار بلورة مشروع نقدي جمعي قوي.
وعلى كثرتهم، فهم لا يمثلون ذلك الثقل المنهجي المرغوب فيه أمام زحف الكتابات النقدية المهتمة بالشعر المُعْرَب. ومن ثمة وجب الاهتمام بهذا النحو المميز والقارئ في اجتهاد، لمتون الزجل اهتماما نوعيا يتغيّا في برنامجه بعيد المدى تحقيق مجموعة من الرهانات، منها رهان الاختيار الموضوعي للمتون الزجلية القابلة للمقاربة والحاملة لشروط الإبداع حتى لا نحسب كل كلام دارج "مموسق" على الزجل والزجل منه بريء. ذلك أن مجموعة من المتون الشعرية مازالت تبحث لذاتها عن نسق، أي مازالت تقبع في ممكن المعنى، ومع ذلك فهي تطلب لذاتها متابعات نقدية قوية، وبالتالي سنجد أنفسنا أمام أردية فضفاضة على أجساد نحيلة. من هنا تطفو على السطح أنواع الإساءة، إساءة للنص الممكن وإساءة للمقاربات الممكنة. وفي عبارات واضحة، فالدعوة هنا مرسلة إلى كل غيور على سمو الحرف أن يتحلى بأقل شرط من الروح النقدية الذاتية في قبول النصيحة الإبداعية بصدر رحب، ينتصر للإبداع ولا ينتصر للمبدع.
2. وأنا هُنا لستُ أصرّ على هذا التسطير في مجانية مخفقة، فالأمر إذا تعلق بمتون الزجل في مغربنا السعيد ينبغي أن نتجيش لدرء ما ليس فنّا عن فنّه، وما ليس إبداعا عن إبداعه، دون أن ندّعي في الأمر امتلاكا لناصية القول أو النظم... والمسألةُ شديدة الحساسية بحجم حساسية الجمالية الشعرية العاميّة التي تأخذ في آخر التحليل نصيب الضعيف من كائنات الغاب المجازية، في رؤية نقدية تميل مع الأكثر طنينا في حين تغيّب الأكثر رنينا.
والرنين هنا حظٌّ مسند إلى تلكم المتون التي تخرج من شرنقات المعنى الممكن إلى آفاق الخطاب الممكن، ذلك أن الأوان قد حان كي نقرأ الزجل خارج الانتقائية المتملصة من مسؤولية النقد الباني، وأن نقرأه مثل نارٍ هادئة تغازل آنيةَ "طاجين" يتكوّن في انسجام وتناغم متعدد الأبعاد النصية بما فيها أنساق التركيب اللغوي والمعنوي والدلالي والصوتي وأبعاد أخرى تجنح إلى استحضار المتلقي في جماليات التلقي كما تشرطها طبيعة الخطاب الزجلي المغربي متعدد المشارب واللهجات والأحزمة اللغوية القاضية بالثراء بدل الاختلاف المعيق...
ولست هنا مجادلا في أهمية القراءات النارية الهادئة التي لا ترى في "الطاجين" مكوناً مفردا على حساب مكون آخر، فنأكل شرائح اللحم فيما الخضر نيّئةٌ، أو نستلذ الخضر فيما قاع "الطاجين" محترق، أو نستمتع برائحته العبقة الخازنة لطبيعة النكهة المغربية فيما الآنية مكسورة لا تؤدي وظيفة الطهي أداء جيّدا... مع اعتذاري لكم عن استعارة "الطاجين".
3. تصوروا معي أيها الفاضلون وأيتها الفاضلات، ناقدا يفكك الخطاب الفني والأدبي تفكيكا آليا يعتمد فيه على مقاربة المتن من خلال عمليات إحصائية ترصد التراكمات المعجمية والصوتية في جنوح آلي يقدم في الختام جدولا مفصلا بحصيلة رقمية تفيد فقط في بيانات تميز هذا المكون عن ذاك، وفي أكثر تقدير تفيد في إبراز هيمنة حقل دلالي على آخر دون تدخل ذات الناقد المتذوقة بادعاء الموضوعية وترك النص يتكلم بما فيه، في تعييب تام لشروط الإبداع وتكوّن جينات الإبداع الداخلية في تفاعل مع الشروط الخارجية المتعددة والغنية بما فيها رؤية المقارب وكذا رؤية المتلقي...
ألا يكون هذا أشبه بإسناد الفعل النقدي إلى تطبيق أو برنامج نستنجد فيه بالتكنولوجيا الحديثة كي يعفينا من جهد مجاني لعضلات العين؟ ألا يكون هذا التطبيق التكنولوجي أكثر دقة من ملاحظاتنا التي يطالها القصور بفعل بشريتنا؟ إن كان ذلك كذلك، فعلى النقد السلام.
4. وتصوروا معي ناقدا آخر لا يبغي في نقده إلا وجه الحقيقة، فينبري إلى ممارسة النقد الفعلي كما يمارسه الصيرفي على أصالة الدرهم أو زيفه... فيبين ما في الخطاب من عيوب ومحاسن ويفضح الخطأ والخطل والعطب في التركيب وفي التصوير وفي الإيقاع... كما يبين مواطن الحسن والجمالية والقوة في كل ذلك... لا يداهن صاحبا ولا صاحبة، ولا يماري في حق الإبداع أحدا... يفكك المتون في جرأة أدبية مسؤولة في وضوح منهجي صارم لا يقهر التحليل بجفاف الرصد الآلي ولا يفتح المجال أمام فوضى ما يسمونه بالقراءة العاشقة المتسيبة خارج ضوابط العمل الفني الممكن...
أظن أن مثل هذا التبني سيخلق نوعا من الجدة في التناول كما سيخلق زوبعة في الممارسة النقدية التي إلى حد الآن مازالت تجامل وتداهن وتمدح... ولن يرضى عن هذا التوجه أو يرحب به إلا مبدع أصيل.
مع اعتذاري ثانيا عن هذه الصراحة الأدبية الواجبة، ورحم الله ناقدا أهدى إليّ عيوبي
5. أنْ تكونَ ناقِداً أدبيا ممتلكاً لمجموعة من الأدوات التي مكّنكَ تكوِينُكَ من ناصِيتها لا يُعْطِيكَ الحقّ في أنْ تتصَيّدَ زَلّاتِ الْمُبْدِعِينَ، وخَاصّةً الْمبتدِئينَ منهم، لِتركَبَ على صهواتِها وتصُولَ في غَيْرِ رادِعٍ أخْلاقِيّ، أو وازعٍ قِيمي، ثمّ تتغطْرَس وتسْتأسِد وكأنّ النّقْدَ حزَمَ متاعَهُ وحطّ الرّحالَ عندكَ وحْدك... أن تكون ناقِداً متمكّنا لا يُعْطِيكَ الحقّ في امْتِلاكِ الرّقابَةِ على الإبداع، فتحوّل يراعَكَ منْ خِدمَةِ الفنّ إلى خدمَةِ أجنداتٍ رَخِيصَة، تنقَلِبُ خلالَها إلى محطّة جمْرُكِيّة تمارِسُ الوِصايَة على مُتونِ الشّعراء، تؤشّرُ منها على ما تريدُ وتُصادرُ ما تُرِيد، تبارِك ما تُرِيد وتلْعنُ ما تريد...
أن تكون ناقِدا بحقّ هو أن تؤمِنَ بأنّ النّقد كتابةٌ موازيةٌ لَها حظّها من الخَلْق كما للإبداع، ومنْ ثمّة فهِي كتابَةٌ موجِّهَةٌ في ربْتٍ جميلٍ على ظهْرِ الفنّ حتّى يصلَ إلى ممكناتِهِ من الجمال المتغيّا، في أقْصَى حدود الإمكانِ بلا سقْفٍ ولا حدّ، اللهمّ سقفُ وحدّ الجمال... واعلمْ أيّها الناقدُ أن دورَكَ لا يَعْدو أن يكون ضوءاً تستأنِسُ بهِ الأعمال الإبداعية وتسترْشِد وتسْتهدِي وكأنك المناراتُ في مدلهِمّ المحيطات الواسعَة... واعلمْ أيضاً أنكَ منوطٌ بقدْرِ من الالتزامِ، يُملِي عليكَ انْ تنفَلِتَ من قبْضَةِ المحاباةِ والمجاملَةِ والمُداهَنة والصداقاتِ المُغْرِضَة، ذاكَ أنك رسُولُ فنّ فلا تبخس رِسالتَكَ بالفلتانِ الرّخيصِ أو الرؤية الضيّقَة لمفهوم الفن والنّقد معاً...
وفي انتظارِ أن نراكَ كما يريد منطق الفن أن نراك، احرص على أن يكون يراعُكَ مع المبدِعين لا عليهم، فقد ينقلب السحرُ على الساحر في أيّ لحظة، لأن فوق كل ذِي نقد ناقد.
6. هل نحن نقاد أم متذوقون انطباعيون؟ أظن أننا إلى التصنيف الثاني أقرب ما دمنا لا نمارس علم النقد. وعلم النقد لا يخرج من دائرته فن النقد إلا بمقدار ما يكون هذا الفن إطارا يمارس الهيمنة من بوابة العجز عن تأصيل نظر ممكن ومنهجي لقراءة المتون الأدبية ولقراءة كل أشكال التعبير الفنية... وهو تأصيل له شروط عدّة ومتعددة لن أتناول منها إلا شرطا واحدا هو ضرورة تمكن الناقد من ناصية اللغة، التي هي أداة فعل الكتابة النقدية.
ومن ثمة، فلا ناقد من يعجز عن ضبط لغة كتابته ما دام يمارس نوعا من التقويم على متون الآخرين فيما لغته تفتقر إلى أبسط قواعد الكتابة، بله، تعج بالأخطاء الإملائية والتركيبية التي تشي بالنقص الذميم في آلة الناقد... وإنني لأعجب من ناقد يتطاول على متون هي قمّة في الضبط اللغوي فيمارس عليها نوعا من التجريح بمباضع صدئة غير حادّة ومنتقاة بعفوية بليدة من هنا ومن هناك، حتى لكأن صاحبنا وهو يكتب، تظن كتابته آثارَ جُعْلٍ على أديم مسطّح، لا تجد فيها إلا الشبه الذي يشبه الشبه، يغرف لكَ من انطباعاته كل صغير وكبير وكأن جوفه مصدر علم ومعرفة لا يأتيهما الباطل...
الناقد الحقّ يحترم لغة كتابته، فيهتم بها قبل أن يهتم بمنهج تقييمه، يرصد فصيحها ودخيلها ومعربها ومبنيها ومنحوتها ومقترضها ومشتقها وقياسها وهلم جرا من علومها صرفا ونحوا وبلاغة وبديعا و... وأنا هنا لا أدّعي أنه على الناقد أن يكون جهبذا في علوم اللغة، وإنما أرمي إلى أن يكون مالكا لناصيتها في حدّ طاقة لا تترك لمُشينٍ محلّ شينٍ، ولا لمُغرِض محل غرض، فينبري القارئ إلى تصحيح ما نهجه الناقد من نظر، لا إلى تصحيح ما خطّه من تركيب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.