مجلس المستشارين يصادق على قانون التعليم العالي والبحث العلمي        المقاولات الصغرى تحت مجهر النجاعة: شبكة وطنية تطالب برؤية مندمجة للدعم العمومي        إيران تتعهد بمحاكمات سريعة للمعتقلين في إطار التظاهرات رغم تهديدات ترامب    صحافية تتم سنتين من الاعتقال بتونس    قبرص تنعى الرئيس الأسبق جورج فاسيليو    المغرب–نيجيريا... مباراة قرار تُحسم بالعقل قبل القدم    كأس إسبانيا : غريزمان يقود أتلتيكو مدريد لربع النهاية    "أسود التيرانغا" يتحدون خبرة "الفراعنة" في نصف نهائي كأس إفريقيا    الإشاعة تقتل المدرب المصري شحاتة    توقعات أحوال الطقس اليوم الأربعاء    إيداع جزائري سجن الأوداية بمراكش بتهم التحريض على الكراهية والقذف    الحسيمة.. حادثة سير خطيرة بالطريق الوطنية رقم 2 ببوكيدان    الدولار يستقر بالقرب من أعلى مستوى في شهر    سحر أبدوح: التأمين عن المرض يحمل طموحات وتطلعات وينطوي على رهانات وتحديات    هيئتان حقوقيتان تسجلان "انتهاكا صريحا" للدستور في ملف الأمازيغية    العدد الإجمالي المؤقت للمسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بلغ حوالي 16.5 مليون مسجل    القضاء التونسي يؤيد سجن راشد الغنوشي 22 سنة    تقرير: 9 شركات تسيطر على 70% من سوق المحروقات في المغرب            المستشارون يصادقون على مشروع القانون الخاص بالتعليم العالي    النطق ب1001 حكم يتعلق بالعقوبات البديلة منذ انطلاق العمل بها        كيوسك الأربعاء | المغرب يخرج رسميا من سنوات الجفاف        واشنطن توافق على صفقة صواريخ جو–جو متطورة لفائدة القوات الجوية المغربية بقيمة 88 مليون دولار    الحارس المطيع يلتحق بأولمبيك آسفي    نظام إيران يواصل تعطيل الإنترنت    بوفال يقترب من لوهافر    صدور عدد جديد من مجلة "تمييز"    المغرب يعزز مكانته كوجهة عالمية لتصوير الإنتاجات السينمائية الكبرى    غاني يقود مباراة المغرب ونيجيريا    لفتيت: العدد الإجمالي المؤقت للمسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بلغ حوالي 16.5 مليون مسجل    انتخاب المغرب في شخص عبد الصمد مطيع رئيساً لمنتدى شمال إفريقيا لحوكمة الإنترنت    بيانات "مجلس المنافسة" ترصد استقرار هوامش أرباح موزعي المحروقات    الولايات المتحدة تصنف جماعة الإخوان المسلمين في كل من مصر ولبنان والأردن منظمة إرهابية    مسرح رياض السلطان يوقع كتاب "أصوات خلف القضبان في المغرب وإسبانيا" – انتلجنسيا المغرب    نزار بركة يزف بشرى المغاربة: المغرب يطوي ملف سبع سنوات من الجفاف    اليوم في برنامج "مدارات" بالإذاعة الوطنية:صفحات منسية من تاريخ الأدب المغربي الحديث: تأملات في ديوان الشاعر الفقيه عبدالمجيد الفاسي .    الثلوج تنعش الفرشة المائية وتعيد جريان المياه السطحية بإقليم الحسيمة    إيض ن يناير 2976 : أكادير تحتفي بالثقافة الأمازيغية    تمارين التنفس الواعي وسيلة فعالة للحد من التوتر وتنظيم ضربات القلب (دراسة)    تأثيرات منخفض جوي تنشر البرودة والأمطار في مناطق عديدة بالمغرب    نمو اقتصادي ب4% في الفصل الثالث    "غادروا فورا".. رسالة تحذيرية من أمريكا لمواطنيها في إيران    الرضاعة تقلل احتمالات إصابة الأمهات بالاكتئاب    الاتحاد الأوروبي يجيز دواء لإبطاء السكري    الاتحاد الأوروبي يجيز دواء "تيزيلد" لإبطاء تقدم السكري من النوع الأول    فيلم "وان باتل أفتر أناذر" يفوز بالحصة الأكبر من جوائز غولدن غلوب    الشاعر والمترجم والصحافي سعيد عاهد في ذمة الله    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الرياضة تضاهي العلاج النفسي في مكافحة الاكتئاب    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حول مكانة العلوم العقلية في الحضارة الإسلامية
نشر في هسبريس يوم 06 - 05 - 2020

من الأفكار الخاطئة التي سادت في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط لعقود طويلة، ودخلت المدرسة وانتشرت في كثير من وسائل الإعلام، فكرة أن ازدهار العلوم الدقيقة في الحضارة الإسلامية خلال القرون الأربعة الأولى من تاريخ الإسلام، كان بفضل اعتماد الدين مرجعية شاملة في الدولة والمجتمع، وأن مشاهير علماء المسلمين الذين برعوا في الرياضيات والطبيعيات والفلك إنما نجحوا بفضل انطلاقهم من الدين الإسلامي، والحقيقة أن هذه الفكرة لم تكن إلا موقفا إيديولوجيا هدفه الدعاية الدينية، ولا يطابق واقع الحال خلال الفترة التاريخية المذكورة، ولهذا لم تؤد هذه الفكرة اليوم إلى نهضة العلوم في هذه البلدان بقدر ما ضاعفت من انتشار مظاهر التدين الخارجية مصحوبة بالكثير من الأفكار الخرافية واللاعقلانية، دون ذكر الأفكار السياسية المكرسة للاستبداد التيوقراطي والمضادة للتطور. حدث هذا خلال عقود ما بعد الاستقلال إلى اليوم، وهي فترة كان فيها الغرب يحقق فتوحات مجيدة في مجالات العلوم المتخصصة، ويزداد قوة وريادة وهيمنة على العالم، بفضل تفوقه العلمي والتكنولوجي والعسكري، وبسبب قوة أنظمته السياسية والاجتماعية القائمة على الديمقراطية وتوزيع الثروة واحترام حقوق الإنسان، هذه المرتكزات التي ظلت مفتقدة بنسبة كبيرة في دول الرقعة الجغرافية التي نتواجد فيها.
أما حقيقة العلوم في القرون الأربعة الأولى من تاريخ الحضارة الإسلامية، فتتمثل باختصار شديد في المعطيات التالية:
1) أن الحضارة الإسلامية عرفت نسقين من العلوم مختلفين ومتمايزين لا علاقة بينهما، نسق "العلوم الشرعية" المتمثلة في: القراءات التفسير الحديث الفقه أصول الفقه علم الكلام وعلوم اللغة العربية، وهي علوم أصيلة نبعت من تربة المجتمع الإسلامي وتمحورت جميعها حول النص القرآني ونص الحديث باعتبارهما الأصلين المعتمدين في هذه العلوم، كما ارتبطت بتدبير شؤون المجتمع الإسلامي باعتبار دولة الخلافة دولة دينية قامت على تطبيق شرائع دينية في تدبيرها لشؤونها المختلفة، أما النسق الثاني فهو نسق "العلوم العقلية" أو "علوم الفلسفة"، ويتضمن الرياضيات والمنطق والهندسة والطبّ والطبيعيات والفلك والإلهيات أو الميتافيزيقا، وهي علوم كلها وردت على العالم الإسلامي بالترجمة عن السريانية والإغريقية واللاتينية. وقد اشتغل بالنسق الأول فقهاء الدين وتخصصوا فيه، ومنهم مالك بن أنس وأبو حنيفة وابن حنبل والشافعي ومن سار على دربهم ومذاهبهم من الفقهاء، واشتغل بالنسق الثاني الفلاسفة والمفكرون العقلانيون وعلماء العلوم الدقيقة، ومنهم الكندي وابن سينا والخوارزمي وجابر بن حيان وابن الهيثم والرازي وغيرهم. ورغم أن هذه العلوم مجتمعة كانت تدرس في كثير من الجامعات الإسلامية كالقرويين والأزهر والزيتونة، ما يفسر أن جميع الفلاسفة والعلماء كانوا على إلمام واسع بالعلوم الشرعية الآنف ذكرها، ومنهم ابن رشد (قاضي القضاة) مثلا، كما أن بعض الفقهاء اطلعوا على بعض العلوم العقلية أمثال الغزالي وإن اتخذوا منها موقفا سلبيا، إلا أن العلوم الشرعية كانت أسبق في التلقين والتحصيل إذ تبدأ منذ الطفولة بحفظ القرآن وتعلم القراءات وغيرها، بينما لا يصل الكثير من الطلاب إلى العلوم العقلية إلا بعد سنوات طويلة، وكان أغلبهم يستغنون عنها بسبب التمييز بين النسقين تمييزا معياريا أدى إلى التركيز على النسق الديني وهجران النسق العقلي، حيث اعتبر الأول "نافعا في الدنيا والآخرة"، وفيه "أجر عظيم من الله"، بينما اعتبر الثاني مجرد علوم مادية غير نافعة في الآخرة، ولا أجر فيها، بل إن بعض الفقهاء ذمها ذما شديدا وتهجم عليها بشراسة.
2) هذان النسقان أفرزا منهجين في النظر مختلفين كل الاختلاف ومتباينين أشد التباين: المنهج النقلي الذي اعتمد النصوص الدينية وتفسيرها والعمل على تنزيلها في أرض الواقع، وهذا هو منهج الفقهاء، وقد اعتمد في استنباط الأحكام على "القياس الشرعي" الذي يقوم على إرجاع الفرع (النازلة) إلى الأصل (النص الديني)، ما يجعل الحقيقة دائما محدّدة سلفا. والمنهج الثاني هو المنهج العقلي الذي اعتمد طرائق البرهان والاستنتاج المنطقي والمقارنة والملاحظة والتجربة في دراسة الظواهر الطبيعية ومراقبة الظواهر الفلكية، وتناول الأفكار المجردة ومنها الميتافيزيقا ل"معرفة الصانع" على حد تعبير الفلاسفة المسلمين. وقد اعتبرت العلوم الشرعية العقل مجرّد أداة لفهم وتفسير وتطبيق النصوص الدينية، بينما اعتبره الفلاسفة والعلماء والمفكرون منهجا للسؤال والبحث واكتشاف الحقائق الخفية.
ومن أهم مظاهر الصراع بين المنهجين مفهوم "السببية"، حيث اعتبر العلماء والفلاسفة بأن الكون خاضع لنظام سببي تؤدي فيه نفس الأسباب دائما إلى نفس النتائج، مما يسمح بدراسته ومعرفته معرفة علمية دقيقة، بينما أنكر الفقهاء السببية بوصفها نظاما مستقلا وتشبثوا بالتفسير الديني القائل بالإرادة الإلهة التي تتدخل في كل جزئيات العالم.
3) إذا كان النسق الأول قد اكتسب سلطة سياسية بحُكم ارتباطه بتدابير الدولة في تسيير شؤون المجتمع الإسلامي، إلا أنّ النسق الثاني كان يُعتبر نسقا أجنبيا لم يكن يحظى بأية حماية أو شرعية سياسية، ولهذا اشتغل الفقهاء بجانب السلطان بوصفهم من "أهل الحلّ والعقد"، فتكاثر جمهورهم، بينما اشتغل الفلاسفة والعلماء على هامش المؤسسة الرسمية، فكانوا نخبة محدودة جدا، وهذا ما يفسر الاضطهاد الذي تعرض له جميع الذين اشتغلوا بنسق العلوم العقلية، كما يفسر السلطة التي كانت لدى فقهاء الدين والتي كانت تمنحهم إمكانية محاكمة الفلاسفة والمفكرين الآخرين واتهامهم بالزندقة والإلحاد والكفر وتحريض العامة و"الغوغاء" عليهم، بل واستصدار قرار إحراق كتبهم أحيانا.
خلاصة تركيبية:
نستنتج مما سلف ذكره الخلاصة التالية: إن العلوم العقلية الدقيقة لم تكن اختراعا إسلاميا ولا كان منطلقها الدين أو النصوص الدينية، وإنما تم نقلها من الحضارات السابقة على الإسلام إلى اللغة العربية ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري، فبرع فيها علماء المسلمين وأضافوا إليها اكتشافات جديدة، لكنهم ظلوا أوفياء لمعلميهم الأوائل أمثال إبقراط وجالينوس في الطب، وفيتاغورس في الرياضيات، وأقليدس في الهندسة إلخ.. ولهذا تم النظر إلى هؤلاء العلماء المسلمين دائما على أنهم منشغلون بنسق علوم أجنبية عن التربة الإسلامية، فكانت نتائج أبحاثهم تتعرض للكثير من التبخيس والتهجم من قبل الفقهاء، ما سرّع وتيرة نسيانها وإهمالها بعد القرون الأربعة الأولى، لتصير مرجعا أساسيا في أوروبا لقرون طويلة، في الوقت الذي هجرها المسلمون الذين أقبلوا على العلوم الشرعية واحتضنوها وتكاثر فقهاؤها وشاع منهجها النقلي بتقليد التقليد، وتدبيج "الحواشي" و"المتون"، ليبدأ العدّ العكسي للانحدار بسبب التقوقع على الذات والانغلاق عن العالم، إلى أن جاءت المدفعية الغربية لتوقظ المسلمين من سباتهم إبان الحملة الأمبريالية الاستعمارية.
وإذا كان المسلمون في الماضي قد ضيقوا على العلوم العقلية واعتبروها أجنبية عنهم رغم طابعها الكوني، فإنهم في عصرنا عوض القيام بالخلاصات النقدية الضرورية عادوا ليبحثوا عن النظريات العلمية التي يكتشفها الغرب في النصوص الدينية معتبرين ذلك "إعجازا علميا في القرآن"، وهكذا أخلفوا موعدهم مع التاريخ مرتين، في الماضي والحاضر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.