قضية الصحفي حميد المهداوي اختبارٌ صادم للصحافة المغربية ولأسطورة "التنظيم الذاتي" التي يُروَّج لها. تُظهر الفيديوهات المسرَّبة من جلسة التأديب المذهلة التي استهدفت الصحافي واليوتيوبر حميد المهداوي أنها ليست مجرد حادث عابر، بل اختبار تصادمي، وقطعة إدانة، وبداية تشريح لجهاز يعمل في الظل ولا تظهر آلياته إلا في شذرات متناثرة. وهو أيضاً جرس إنذار لإنقاذ الصحافيين من سيطرة نسورٍ احترفوا إضعاف حرية الإعلام. ما بدا في تلك الغرفة البسيطة، حول طاولة عادية، وبوجود شخصيات بقدر مؤسف من الاعتيادية، هو سلطةٌ عارية لا تتردد في كشف وجهها بلا مساحيق. الإطار: هيئة مُمدَّدة بشكل غير قانوني، بلا تفويض، بلا انتخابات، تحوّلت إلى جهاز تأديبي بديل لمجلس وطني للصحافة تُرك في غيبوبة بفعل الحكومة. في هذا الفراغ، يزدهر التعسف ويتوسع، إلى حد تقرير مصير صحافي خلف أبواب مغلقة، استناداً إلى قراءة مرتبكة للقانون. إلى الجحيم بالإجراءات! إلى القمامة بالحياد! تباّ للأخلاقيات! فبعد إقصاء الصحافي من جلسة الاستماع الخاصة به، راح يُناقش بوصفه حالة مزعجة ينبغي تدبيرها، أو "إزالة" مصدر إزعاج. بعض أعضاء لجنة الأخلاقيات (أحقاً لجنة أخلاقيات؟) يتباحثون حول أقسى العقوبات بقدرٍ من الخفة المذهلة يضاهي ابتذال خطابهم: سحب بطاقة الصحافة، الحرمان من الدعم العمومي، رفع الأمر إلى النيابة العامة. سرعان ما تتحول المداولات إلى عملية انتقامية يُباح فيها كل شيء. في بلد تظل فيه العدالة الجنائية منطقة هشاشة دائمة بالنسبة للصحافيين، فإن سماع لجنة يفترض أنها لجنة أخلاقيات تفكر في كيفية دفع صحافي نحو المتابعة الجنائية يجب أن يثير قلق الجميع. النبرة والكلمات والتلميحات تكفي لفهم أن الهدف هو تحييد حميد المهداوي، بل سحقه، مع الحرص على الاستعانة بكل "الدعم من فوق"، وتدوين كل "التعليمات" بدقة. لا حاجة للمغرب إلى أورويل ليفهم ما يجري هنا؛ لكن المشهد يملك فعلاً شيئاً من "الأورويلية" في بساطته: غرفة، مسؤولون باهتون، مفردات مسطرية لتجميل عنف الفعل. في دور "وزارة الحقيقة"، لجنة مؤقتة تقوم مقامها. بدلاً من الشرطة السياسية، ظل نيابة عامة يُلوَّح بها كحدٍّ قاطع. الإحالة الأدبية الأخرى الحاضرة بقوة هنا هي كافكا: ما القواعد؟ من يطبقها؟ وبأي شرعية؟ في رواية المحاكمة، لم يفهم "جوزف ك." قط ماهية السلطة التي تزعم أنها تحاكمه. التشابه مذهل مع هذه اللجنة منتهية الصلاحية، التي تواصل رغم ذلك العمل، وأعضاؤها غير منتخبين من أحد، وهيئة تجتمع بلا أساس قانوني لكنها تقرر مصير صحافيين. من الضروري أيضاً وضع هذا المشهد في سياق إعادة هندسة المشهد الإعلامي بقبضة سلطوية، وهو مسار بدأ قبل نحو خمسة عشر عاماً. مستغلّاً أزمة كوفيد-19، رسّخ قطاع الاتصال نظام دعم عمومي يقوم على مبدأ واحد: تعزيز المجموعات الكبرى القريبة من السلطة الاقتصادية. المعايير الجديدة تستبعد فعلياً المنابر المستقلة والهشة، وهي الأكثر إزعاجاً. في المقابل، تُغدق الدولة الدعم على "المنابر المطيعة". قد لا يكون المغرب كوريا الشمالية، لكن ماذا يعني بلدٌ تُموَّل فيه أجور الصحافيين – وأحياناً حتى مساهماتهم الاجتماعية – من ميزانية الدولة؟ أي أثر تتوقعونه على حرية الإعلام؟ خلف هذه الفلسفة "العقلانية" في الدعم، يتم اليوم إجراء عملية فرز حقيقية. ولها الآن مهندس واضح: الجمعية الوطنية لناشري الصحف (ANME)، التي أصبحت لوبيًا مهيمنًا يضم تحالفاً غير متجانس من المجموعات الاقتصادية الكبرى ومنابر الابتزاز والتشهير. في هذا المشهد يصبح الحديث عن التنظيم الذاتي مجرد خيال. اللجنة المؤقتة ليست انحرافاً عن النظام؛ إنها التعبير الصافي عنه، بالشكل الذي يتخيله لنفسه: إعادة ابتكار السيطرة على الفضاء الإعلامي. لقد حان الوقت لإنهاء عبث وجود جهاز يعمل في الظلام، بلا تفويض، بلا انتخابات، بلا شفافية، ويقرر مع ذلك من يستحق أن يكون صحافياً. يقف حميد المهداوي في قلب هذا الفصل غير المسبوق. لست مضطراً لتقدير أسلوبه، لكن ما يُحسب له أنه قاوم حتى النهاية، ونشر ما كان الجميع يعرفه، لكن إثباته كان شبه مستحيل. أياً تكن نتيجة هذه المحاكمة الرمزية، فقد انتصر الصحافي بالفعل، عبر فضح هذا النظام الملتوي. التسجيل الذي نشره أصبح اليوم وثيقة إدانة في ملف أسود عن حرية الصحافة. الرقابة والسيطرة لا تعملان إلا لأنهما تتمان في الظل. والآن أُضيئت الأنوار، وعلى المهنة أن تقرر ما الذي ستفعله بهذا الضوء. النص الأصلي هنا