الأحرار يطمئنون المغاربة من العيون بنجاح الحكومة في تنزيل جميع إلتزاماتها    نهاية مأساوية لقاتل الطالبة إيمان داخل الجامعة.    منتخب "أقل من 18 سنة" ينهزم أمام فرنسا    المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تطالب السلطات العمومية باعتماد المقاربة الحقوقية في التعامل مع ملف المهاجرين    امتحانات الباكالوريا.. ضبط 573 مشتبها في تورطهم في ارتكاب أعمال الغش وفي قضايا أخرى    العروي.. الأمن يوقف المشتبه في تورطه في عملية سرقة من داخل وكالة لتحويل الأموال    الشبيبة التجمعية تقارب "الدولة الاجتماعية"    البطولة الاحترافية 1.. فوز مستحق للماص أمام لوصيكا    البطولة الاحترافية 1.. الجيش يكتسح شباب المحمدية بثلاثية    طنجة.. انهيار أتربة يودي بحياة عاملين في ورش إصلاح قناة مائية    البحرين تستضيف اجتماعا للدول الموقعة على "اتفاقيات أبراهام" بينها المغرب    التعادل السلبي يحسم المواجهة بين الفتح الرياضي وضيفه مولودية وجدة    مدريد تريد إقناع حلف شمال الأطلسي بإيلاء اهتمام أيضا لجناحه الجنوبي    أمن الناظور يوقف مروجا للكوكايين ويحجر أزيد من 100 غرام من المخدر    مسيرة ضد تدشين مشروع لآل زعيتر بشاطئ مارينا سمير (فيديو-صور)    سعد لمجرد يثير الجدل بإطلالته الأخيرة -صورة    الفنان مارسيل خليفة بعد استشفائه بالرباط: "الأطباء والممرضات قاموا بأكثر من واجبهم وأحاطوني بكل الحب وبأرفع مستويات الرعاية"    من الداخلة. قيادات "الأحرار" تستنكر محاولات التشويش على مجهودات المغرب في قضايا الهجرة    حيلة سهلة تتيح الاطلاع على رسائل "واتساب" المحذوفة    انتخاب لقجع رئيسا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لولاية ثالثة    البطولة الإحترافية 1.. "ريمونطادا الأمل" لسريع وادي زم أمام نهضة بركان    التوزيع الجغرافي لحالات الإصابة بكورونا المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    أكادير: وزير الفلاحة يزور بناء المركز الوطني للأركان    برنامج قولي آش نعمل؟ خبير يوضح عدد النقط الخاصة بكل جنحة (فيديو)    "البيجيدي" يُطالب بتعزيز الأمن بأسواق بيع الأضاحي    شركات أمريكية كبرى تتعهد بدفع نفقات سفر موظفيها لإجراء عمليات الإجهاض    أمن تطوان يحبط تكرار "مأساة مليلية" ويوقف 59 مرشحا للهجرة غير الشرعية    إحداث "سوق شمالي" بتطوان لدعم نساء التعاونيات والاقتصاد التضامني    منظمة الصحة العالمية : جدري القرودا ماشي حالة طوارئ عالمية    جمعيات حقوقية تناشد روسيا من أجل التدخل لوقف إعدام الطالب المغربي سعدون    المغرب يسجل 2117 إصابة جديدة و3 وفيات ب كورونا في 24 ساعة    موتسيبي: المغرب استضاف نهائي أبطال إفريقيا بدعم حكومي ولا يحظى بأفضلية داخل الكاف    بعد اجتماع مع الداخلية.. هذا ما قرره موزعو الغاز عن "إضراب البوطة"    "الكفاءات التواصلية بين الثقافات في التعليم العالي : الآفاق والتحديات" محور فعاليات المؤتمر الدولي الأول بوجدة.    الملك يهنئ أمير قطر بذكرى توليه الحكم    بايتاس: إعادة تشغيل مصفاة سامير لن يحل مشكل إرتفاع أسعار المحروقات    الاتحاد الاشتراكي الحضن الأكبر لكل المغاربة    رغم الخسارة..ماكرون يجدد ثقته في رئيسة الوزراء إليزابيث لتشكيل حكومة عمل جديدة    الأمن يطوق مقر حزب الإستقلال لمنع تنظيم مؤتمر استثنائي لجمعية موالية لتيار ولد الرشيد    سعر صرف الدرهم يسجل تحسناً مقابل الأورو.    بنك المغرب: ميزان المخاطر يتجه نحو الانخفاض بالنسبة للنمو ونحو الارتفاع بالنسبة للتضخم    برشلونة يحدد موقفه من رحيل عبد الصمد الزلزولي    العثور على 17 جثة على الأقل في ناد ليلي بجنوب إفريقيا    مدريد تحمل "مافيات الإتجار بالبشر" مسؤولية مقتل 23 مهاجرا    إصابات الحمى النزفية والكوليرا ترتفع في العراق    الملك محمد السادس يعزي أفراد أسرة البروفيسور الراحل إيف كوبينس    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    علماء يكشفون عن تحورات سريعة لفيروس "جدري القردة"    الشاب قادر يطرح أغنيته الجديدة "داك أنا"    افتتاح الجناح المغربي بالمعرض الدولي للصناعة التقليدية بلشبونة    تزامنا مع تكريمها بحفل القفطان... لطيفة رأفت تطلق "من امتى"    بريتني سبيرز رجعات لجمهورها بعدما غبرات على غفلة – فيديوهات وتصاور    قناديل الحكم.. الفرق بين اللِّص الصَّغير واللِّص الكبير    وزارة الأوقاف تستنكر ترويج الأكاذيب وتكشف عن كيف يتم حساب مصاريف الحج    وفاة إمام المسجد النبوي و"جامع القبلتين"    د.بنكيران: هل عمل المرأة خارج البيت وإنفاقها على نفسها وعلى أسرتها يسوغ تغيير أحكام الإرث شرعا؟    بنكيران: الكذب منتشر في المجتمع ولا أتخيل عضوا في العدالة والتنمية يكذب    بن الراضي: المغاربة لهم معرفة ضعيفة بالمرجعية الدينية المنفتحة حول قواعد الإرث (فيديو)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اقرأ بتمعن.. جامعة كليات العلوم الشرعية
نشر في هوية بريس يوم 16 - 05 - 2022

لم أنتفع بشيء في تنظيم العقل والتفكير قدر هذه السنوات التي كنت أطلب فيها العلم الشرعي، ثم هذه الفترة التي درست فيها الهندسة!
لأن ديننا نصوص من القرآن والسنة، فقد تجمع حول هذه النصوص سائر العلماء، وأقاموا بنيانا علميا هائلا، ولأن دافعهم في هذا كان هو الدين، فقد بذلوا أقصى جهد يمكن أن يبذله بشر، لأنهم في بذلهم هذا يفرون من النار ويتشوقون إلى الجنة!
وهذا البنيان العلمي الهائل، يمكن تقريبه إلى العقل المعاصر بالجامعة الحافلة بالكليات، أو الكلية الحافلة بالأقسام..
فالمحدثون يتحلقون حول النص يفحصون طرقه حتى يخرجون لك النتيجة النهائية التي تقول ما رتبة هذا النص من الثبوت: صحيح أو ضعيف..
ولأن عملهم قد بلغ الغاية القصوى من الفحص، فإن النتيجة التي أخرجوها شبيهة بالدرجات التفصيلية، فهناك نص حصل على 100% من الثبوت وهو المتواتر اللفظي، وهناك ما حصل على 95% من الثبوت وهو المتواتر المعنوي، وهكذا حتى تصل إلى النص الذي حصل على 0% وهو الموضوع الذي ثبت أنه مُخترع.
وهذه النتيجة النهائية قد خرج إلى جوارها نتائج أخرى تتعلق بعملية الفحص، والتي فحصت الرواة ومشايخهم وطبقاتهم، وهذه النتائج بلغت من الدقة والإتقان حدَّ أن يقال: إن الراوي الفلاني ممتاز إذا حدث عن الراوي الفلاني لكنه ضعيف إذا حدث عن الراوي العلاني.. أو إن رواة أهل هذا البلد متخصصون في الموضوع الفلاني بينما رواة أهل هذا البلد متخصصون في الموضوع العلاني.. وهكذا!!
بناء مثير للإعجاب والذهول، ويحق لكل مسلم أن يفخر به!
فإذا تركت كلية المحدثين، وذهبت إلى كلية الفقهاء.. فسترى أن النص الذي ذهب إليهم قد تعرض لتفكيك وتحليل في نفسه، حتى لن تستغرب إذا وجدت الفقيه قد استخرج من الجملة الواحدة أربعين فائدة.. ستظن في أول مرة أنه تكلف وتعسف ومبالغة، ثم سترى فيما بعد كم توغلت العقول في النص لتستكشف أعماقه وأغواره وتفتش فيه عن الفوائد.. حتى إذا طال بك الزمن مع الفقهاء شربت بعض ملكتهم، ولم تعد تستغرب منهم هذا!
ثم يتعرض النص إلى مقارنات هائلة مع النصوص الأخرى، فبعض النصوص تبدو للوهلة الأولى أنها متعارضة.. وهنا ستدخل مرة أخرى إلى عالم عبقري من التفصيل والموازنة ومحاولات الجمع أو الترجيح..
وسترى بنفسك عددا من العقول العبقرية التي تتناقش.. فهذا العالم يقول رأيا، ثم هو يعرض عليك أمرين معا: يعرض أدلته على هذا الرأي، ثم يعرض ردوده على أدلة المخالفين له!!
وليس في طلبة العلم أحدٌ إلا وقد اقتنع بالرأي، ثم اقتنع بالرأي الآخر، ثم وقف حائرا لا يعرف إلى أي الرأيين يميل، لما يراه من قوة الدليل وقوة المناقشة.. فلا يخرج من هذه الرحلة إلا وقد اعترف بقوة الرأي الآخر إن لم يكن قد توقف في المسألة إلى حين أن يهتدي فيها إلى قول!
عزيزي القارئ الصبور.. اصبر علي قليلا، فإني أريد أن أخبرك بأمر في نهاية هذا المنشور!
هل تعلم عزيزي القارئ أن كلية الفقهاء هذه، ومع النقاشات العبقرية المحتدمة قد ولدت كلية أخرى نَمَت وكبرت وتضخمت حتى صارت كلية مستقلة!
تلك هي كلية الأصول!
ففي ظل النقاشات الكثيرة، شعر الجميع بالحاجة إلى كتابة أصول التفكير ومنهج البحث العلمي في النص.. هذه الكلية صارت متخصصة في هذا الموضوع وحده، فهي تبحث كيف نصل من الأدلة إلى الأحكام، وما الشروط الواجب توفرها في الباحث الذي يقوم بهذه العملية (الذي هو: المجتهد).
لذلك، فطالب العلم، حين يتعرض لهذه النقاشات الضخمة حول النص الشرعي، فإنه يكتسب دربة ومهارة في التعمق في النصوص واستخراج دقائقها!
ويظل التحدي الكبير له هو الإحاطة بسائر النصوص الأخرى، والقدرة على الموازنة والتفسير والجمع والترجيح.. وهذه هي المقدرة التي يتفاوت فيها الطلبة والعلماء، من حيث الإحاطة والحفظ، ثم من حيث الذكاء وثقوب الذهن!
والآن: ما فائدة هذا الكلام الطويل؟
المقصود من كل ما سبق هو أن هذه المهارة التي يكتسبها طالب العلم، ويتمرس بها العالِم، تجعله حساسا جدا عند الفتوى، ثم تجعله أكثر حساسية وحذرا عند محاولة وضع قواعد، ثم تبلغ الحساسية ذروتها حين يضطر إلى بحث مسألة لا يعتمد فيها على نص بعينه أو مجموعة من النصوص، بل يعتمد على مجمل النصوص!
نضرب مثلا تطبيقيا..
هذا الذي يفتش في كتب الفقه عن قول شاذ لكي يأخذ به وينشره لأنه يوافق هواه.. هذا نفسه لا ينتبه إلى الجريمة التي يقترفها.. لأنه حين يفتح هذا الباب، فهو لن يفتح الباب فقط لما يوافق هواه من الترحم على غير المسلمين أو تجويز فوائد البنوك أو جعل حظ الذكر مثل حظ الأنثى أو إنكار الرجم أو إنكار الحجاب … إلخ!
إنه حين يفتح هذا الباب، فهو في نفس اللحظة يفتح الباب الأوسع للدواعش والتكفيريين.. لأنه طالما كل أحد يستطيع أن يأخذ بأي رأي فقهي يجده في كتاب، فسنجد بطبيعة الحال من سيفتح الكتاب ليأخذ بالرأي الذي يوافق هواه في التكفير والتفسيق والتبديع والقتل أيضا..
وفي حالتنا هذه: فمن أمسك في قول شاذ لم يقل به غير واحد أو اثنين (وهي أقوال موهمة أصلا، لكن سنفترض الآن أنها صحيحة) لكي يجيز الترحم على غير المسلم.. فسيجد من يستخرج له قولا آخر يقول بأن من يترحم عليهم كافر، ولا يعذر بجهله، ويحكم عليه بالقتل ردة!!
وحين يتصدى معاصرٌ للتفريق شرعيا بين الدلالات اللغوية ويقول بما لم يقل به الخليل وسيبويه، فسيتصدى معاصرٌ آخر ليزيل الفوارق الاصطلاحية بين ألفاظ الكفر والظلم والفسق، وينسى مراتب ذلك كله، لينطلق في طريقه يضرب رقاب المسلمين برهم وفاجرهم ولا يتحاشى من مؤمنهم!!
والذي سيرفع شعار: لا إنكار في المختلف فيه، سيجد من يخالفه في صحة هذه القاعدة ليقول: لا عذر في مسائل الإيمان والكفر!!
وبهذا يكون الأخطر من الفتوى في مسألة الترحم وفوائد البنوك وغيرها هو هدم هذا البناء العلمي الذي أنشأه علماء الإسلام، وإنما أنشؤوه ليحرسوا به الشريعة أن يدخل عليها من لم يكن أهلا.. سواء كان هذا الجاهل من المتميعين أو من الغلاة والمتشددين!
وهذه اللحظة التي نحن فيها تخبرك لماذا حاول بعض العلماء في أزمنتهم أن يقول بسد باب الاجتهاد، وبانقضاء زمن المجتهدين.. نعم، إن باب الاجتهاد لم يسد، وما يزال علماء كل جيل يجتهدون في نوازله.. لكن الفوضى التي تحدث الآن تعطي لك تفسيرا عن موقف أولئك حين حاولوا سد باب الاجتهاد!
وبمناسبة النوازل، فخذ فائدة أخيرة تنفعك في المسائل.. وهذه فائدة للقارئ الصبور الذي لا زال معي حتى الآن..
انظر في كل مسألة، فإن كانت قديمة لا يحدث فيها شيء جديد كالصلاة والصوم والحج والترحم على غير المسلم.. فلا تقبل فيها قول قائل معاصر حتى تعلم من الذين قالوا بقوله هذا من القدماء.. لأن المسألة القديمة التي لم يطرأ عليها جديد، بالتأكيد قد ناقشها الفقهاء قديما منذ زمن الصحابة حتى الآن!
وأما حين تكون المسألة جديدة، من مستجدات العصر ونوازله، فساعتها يمكن أن تقبل فيها قول الفقيه المعاصر.. مع أنك إذا سألت ذا الدين وذا العلم، فستجد أن قوله في الأغلب الأعظم حتى في النوازل المعاصرة سيكون مستندا إلى أقوال الفقهاء قبله، وسيندر جدا أن يخرج بقول لم يسبقه فيه أحد!
وشكرا عزيزي القارئ على صبرك حتى الآن!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.