عن أي تعديل حكومي يتحدثون ؟!    قضية بيجاسوس.. الزمن يفضح ما يخفيه المتربصون.. بقلم / / يونس التايب    موعد مباراة ريال مدريد وسيلتا فيجو في الدوري الإسباني والقناة الناقلة    أسعار النفط تواصل تراجعها مع استمرار ضعف توقعات الطلب    رئيس كينيا الجديد صديق المغرب و لايعترف بالبوليساريو    لأول مرة.. سفينة محمَّلة بالحبوب تغادر أوكرانيا نحو إفريقيا..    بوتين: أمريكا تريد إثارة الفوضى في العالم    مطالب للميراوي بمراجعة مرسوم النظام الأساسي للأساتذة الباحثين    تحديد 19 غشت الجاري موعدا لسحب قرعة البطولة الاحترافية بقسميها الأول والثاني    حرائق "كدية الطيفور" بالمضيق.. النيران تأتي على 90 هكتار والأمن يعتقل 4 متورطين    ترويج الكوكايين يطيح ببزناس في تمارة    المضيق.. توقيف أربعة أشخاص للاشتباه في تورطهم في إضرام النار عمدا في ملك غابوي تابع للدولة    مصرع 3 عمال اختناقا داخل منجم بجرادة    عضو الجمعية المهنية للكتبيين ل"رسالة24″… اللوازم المدرسية ستعرف إرتفاعا صاروخيا    قروي يستفيد من دعم المتضررين من حرائق الغابات رغم عدم تضرره.. والنيابة العامة تدخل على الخط..    حول أدوار المثقفين    شريط "ستة أشهر ويوم" فصاحة الصورة وبلاغة التقنية    الشّعرية ‬العربية    متحف "عملة باريس" يفتح أبوابه مجاناً للزائرين    عادل رمزي: نعم رقم زياش معي وسيلعب المونديال    موعد نزال جمال بن صديق وبنجامين أديغبويي    الخطاط : ساكنة وادي الذهب ضحت بالغالي والنفيس من أجل الوحدة الترابية    الترتيبات جارية لإطلاق أشغال إعادة تهيئة مطار مراكش المنارة بتكلفة 13,92 مليون درهم    انخفاض ملموس في درجات الحرارة بمختلف مناطق المملكة    مصرع 3 عناصر من الوقاية المدنية في حريق غابة "كدية الطيفور" بالمضيق    في قضية تايوان.. الصين تخاطب أمريكا من جديد..    أحزاب جزائرية تهاجم الريسوني و اتحاد علماء المسلمين يوضح    تقرير صادم.. التغيرات المناخية تهدد شواطئ المغرب ومئات الآلاف يفقدون أعمالهم    عامل سيدي إفني للباشوات: لا تتدخلوا في شؤون أئمة المساجد    دعوة للمشاركة في كتاب حول سعاد خيي بمناسبة ملتقى سينما المجتمع    متحف مدينة Angoulême الفرنسية يحتضن لمدة ستة أشهر فعاليات التعريف بفن الطرز المغربي    إصابة مدير شركة "فايزر" بفيروس "كورونا"    في الذكرى السنوية الأولى لرحيل المناضل الاتحادي الكبير محمد الملاحي    قيادي في البوليزاريو يكشف درجة التفكك والهوان الذي وصلته … البشير السيد: الجزائر هي من قرر الانسحاب من وقف إطلاق النار وقرار الحرب قرارها!!    الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب تنوه بخطاب العرش .. منعطف تاريخي كبير غير مسبوق في تاريخ الأمة الإسلامية    أسعار المواد الاساسية باسواق جهة مراكش يومه الثلاثاء    بنك المغرب: أسعار صرف العملات اليوم الثلاثاء 16غشت 2022، في المغرب بالدرهم (MAD)    الجامعة السينمائية تفتح باب المشاركة في مسابقة دورتها الجديدة    التطمينات المتكررة للحكومة لن تجدي في إخفاء مشكلة الحبوب والاحتياطي الغذائي : هامش المناورة يضيق أمامها مع استمرار الجفاف والحرب الاوكرانية    مدير شركة "فايزر" يتعرض للإصابة بفيروس كورونا المستجد    41 قتيلا في حريق كبير بكنيسة غرب القاهرة    هذا تاريخ إفلاس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي    لأول مرة.. جورج وسوف كشف على بنتو "عيون" – تصويرة وفيديو    من بعد 8 سنين على الفاجعة.. هولندا حددات موعد الحكم فقضية الطيارة الماليزية اللي طاحت فأوكرانيا    الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يدخل على خط تصريحات الريسوني الأخيرة حول الصحراء ..    هذه هي المنتخبات المرشحة للفوز بكأس العالم 2022 في قطر        الرجاء يفسخ عقده مع المهاجم الكونغولي كبانغو بالتراضي    رحيمي ضمن القائمة النهائية لجائزة "الكرة الذهبية" بالدوري الإماراتي    الدولي المغربي تاعرابت يقترب من مغادرة بنفيكا نحو الدوري الإسباني    البنك الدولي: الكوارث الطبيعية تكلّف المغرب 575 مليون دولار سنويا    الأمثال العامية بتطوان.. (210)    المرابط: احتمال تسجيل موجة أخرى من كوفيد 19 خلال فصل الشتاء    قصة واقعية وقوله تعالى: "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون"    كوفيد- 19.. وتيرة عملية التلقيح الوطنية جد ضعيفة وعدد الملقحين بالجرعة الأولى لم يتعد 51 شخص    حصيلة كورونا.. 38 إصابة جديدة و"صفر" حالة وفاة بسبب الفيروس خلال ال24 ساعة الماضية    إيقاف إمام مسجد تلا آيات قرآنية أزعجت مسؤول وزاري    بولوز: ما نشاهده في الشواطئ المغربية من مخدرات وفساد وانحلال نتحمل مسؤوليته جميعا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اختصاصات السرديات ما بعد الكلاسيكية
نشر في لكم يوم 27 - 06 - 2022

تعامل النقد الأدبي العربي مع البنيوية ليس على أساس أنها إبدال معرفي جديد، يطرح رؤية جديدة حول الأدب، ولكن باعتبارها «منهجا» نقديا يركز على «النص من الداخل» عكس المناهج التي كانت تهتم به من الخارج. نجم عن هذا التعامل عدم التمييز بين علمي السرد اللذين ظهرا إبان البنيوية (السيميائيات والسرديات)، وبين النظريات السردية المختلفة. وما إن ساد الحديث عن «ما بعد البنيوية»، حتى نفض النقد العربي يده منها، وصار ينادي بأن الأدب هو الحياة، وأن الدراسات «الشكلية» لا قيمة لها، وما شاكل هذا من الادعاءات التي ترمى بالحق والباطل. ووجد الكثيرون من «البنيويين» القدامى ضالتهم في النقد الثقافي الذي أعادهم إلى تحليل النص من الخارج، ولكن بأسماء ومصطلحات جديدة. وما إن انتشر الحديث عندنا عن الدراسات «البينية» حتى فتح المجال واسعا بلا حسيب ولا رقيب، أي خارج تسمية الأشياء بمسمياتها، أي الاختصاصات وتداخلها.
انتهت السكرة، وجاءت الفكرة لما بدأنا نتلقف الحديث عن «السرديات ما بعد الكلاسيكية» من الكتابات الأنجلو أمريكية، ونسعى إلى «الانخراط» فيها، والكتابة عنها. وأتساءل هنا: أعْلنا موت «السرديات»، و«البنيوية»، وها نحن ندعي الحديث عن «السرديات ما بعد الكلاسيكية» على الطريقة الأمريكية التي اكتشفت السرديات مؤخرا، والتي باتت تتحدث عن إمكانية «تطويرها»؟ لكن هناك فرقا بين تعاملهم وتعاملنا مع هذه السرديات وغيرها من النظريات. وما أخشاه أن نشتغل، مع هذه السرديات الجديدة، بالطريقة نفسها التي مارسناها مع البنيوية والنقد الثقافي. وبذلك سنظل نتلقف ما «يأفك» الآخرون بلا روية ولا تفكير.
لم نفرق خلال المرحلة البنيوية بين اتجاهات السرديات الكلاسيكية فتعاملنا معها على أنها كل متكامل. فهل سنتعامل مع ما بعدها (بنيويا وسرديا) دون تمييز بين مختلف اتجاهاتها والاختصاصات التي اشتغلت بها، وهي تتفاعل مع السرديات الكلاسيكية؟
كما ميزتُ بين اتجاهات النظريات السردية في المرحلة البنيوية، يمكننا التمييز بين الاختصاصات والاتجاهات التي تشتغل بها السرديات ما بعد الكلاسيكية، والتي سنجدها تتحقق من خلال ما يلي:
1 التسميات: تتعدد الاتجاهات التي تعلن نفسها منخرطة في تطوير السرديات الكلاسيكية، من خلال الإعلان عن نفسها بأنها «سرديات» مقرونة ب«اتجاه» يميزها، مثل: سرديات معرفية، سرديات بلاغية، سرديات تلفظية...
2 الخلفيات: تحدد كل هذه السرديات مرجعيتها من إحدى النظريات السردية الجرمانية أو الأنجلو أمريكية، أو الفرنسية، وإن كانت تشترك مجتمعة في إعلان صلتها بالاجتهادات البنيوية الفرنسية، وخاصة مع ما يمكن تسميته ب«السرديات الجُنيتية».
3 الاختصاصات: كما تتباين هذه السرديات الجديدة على مستوى الاسم والخلفية، تختلف عن بعضها من جهة الاختصاص الذي جاءت منه، وهي اختصاصات لها تاريخها القديم أو الحديث. من هذه الاختصاصات ما يتصل بالعلوم الاجتماعية والإنسانية: علم الاجتماع، علم النفس، علم الأديان، واللسانيات والبلاغة، والبويطيقا، أو بالعلوم المعرفية وعلوم الأعصاب والذهن والذكاء الاصطناعي والرقميات. ولذلك نجد الاختصاص متصلا بالاسم والخلفية المعرفية المنطلق منها: سرديات اجتماعية، سرديات نفسية...
تتركز انشغالات بعض هذه الاختصاصات، من جهة، على «قضايا كبرى» معينة تستمد منها اسمها وخلفيتها، وإن لم تكن ذات اختصاص محدد، ونمثل لذلك بما يمكن إدراجه في نطاق: السرديات النسائية، والسرديات الثقافية، والسرديات البيئية. أو على فنون أو علوم التفتت إلى أهمية السرد في ممارستها، ولم تكن تعطيه كبير اهتمام، مثل «السرديات العلاجية»، أو «السرديات الموسيقية»، أو السرديات التي تهتم بالحقوق والقانون، وما شابه ذلك، من جهة ثانية. ومع ظهور الرقميات، والوسيط الجديد، ستظهر السرديات التي تهتم بالوسائط المتعددة والمتداخلة، أو ما أسميها «السرديات الوسائطية».
4 الأجناس والأنواع: ما دام السرد قد أصبح النظر إليه على أنه موجود في كل شيء، وهذا أهم تصور تجسد في المرحلة البنيوية، تشتغل هذه الاختصاصات بنصوص سردية قديمة وحديثة، شفاهية وكتابية وصورية ورقمية، وسواء انتمت هذه النصوص إلى الثقافة العالمة، أو الشعبية أو الجماهيرية أو التفاعلية. وسواء كانت أدبية أو فنية أو علمية أو يومية.
4- موضوع البحث: إذا كانت السرديات الكلاسيكية قد حددت موضوعها في «السردية» بما هي الخاصية التي يتميز بها العمل السردي، نجد مختلف اتجاهات السرديات ما بعد الكلاسيكية تتخذ «السردية» نفسها موضوعا للدراسة، وإن تعددت التصورات التي تعمل على تحديدها وفق منطلقاتها واختصاصها. ولما كانت «سردية» العمل السردي تتحدد من خلال «القصة» عند السيميائيين أو من «الخطاب» لدى السرديين، نجد السردية لدى المشتغلين بالسرديات الجديدة تتخذ أبعادا متعددة، فمنهم من يحددها في الخطاب أو القصة، متصلين أو منفصلين.
ميزت السرديات الكلاسيكية بين الحصر والتوسيع. وها هو توسيع السرديات ما بعد الكلاسيكية، يجعلنا نرى «السرد» فعلا موجودا في كل شيء. لا بد إذن من تغيير نظرتنا إلى الأشياء. في محاضرة في مسقط (2013)، اقترحت تغيير أسماء «كليات الآداب» عندنا لتصبح «كلية العلوم السردية والإنسانيات الرقمية»، لتتسع لكل الاختصاصات المهتمة بالسرد، وتكون الجسور بينها للبحث العلمي الذي تكون فيه المختبرات والمراكز بنيات للعمل الجماعي، فكان الاستنكار والتعجب؟
فكيف يمكننا تجديد الدراسات السردية العربية، ووضعها على سكة البحث السردي العالمي؟ هذا هو السؤال المركزي الذي علينا أن نتصدى للجواب عنه برؤية جديدة، ووعي مغاير.
بالنسبة للمشتغلين بالسرد العربي قديمه وحديثه أمامهم خياران اثنان: تعميق ثقافتهم النظرية السردية من خلال أحد العلمين: السيميائيات أو السرديات، والاستفادة من أحد الاتجاهات ما بعد الكلاسيكية التي يرون أنفسهم قادرين على الانخراط فيها بدون التماهي معها، تاركين لأنفسهم مساحة الاستكشاف والتطوير في ضوء النصوص العربية التي يتعاملون معها. ويمكن للباحثين الشباب الانخراط في هذا الخيار. أما الخيار الثاني، فيهمُّ الباحثين المتمرسين الذين ظلوا يشتغلون بالنقد السردي، إذ عليهم تغيير طريقتهم في التعامل مع السرد، وأن يشتغلوا بالنصوص ليس بهدف تطبيق مفاهيم سردية عليها، ولكن من خلال تجديد أسئلتهم حول السرد، سواء من حيث طبيعته أو وظيفته، وألا يتقيدوا بإحدى النظريات إلا بعد مناقشتها والاقتناع بجدواها. وسيجنب هذا الخيار النقاد من الوقوع في دائرة التكرار والاجترار في الموضوعات والقضايا، كما هو سائد حاليا. وبهذا يمكن أن يتكامل عمل العالم والناقد السرديين، ويتفاعل كل منهما مع الآخر. وبذلك نفتح مسارات جديدة لتطوير الدراسات السردية العربية. وحين أتحدث عن التكامل والتفاعل بين المشتغلين بالسرد العربي، أعني بذلك تجاوز «الممارسة الفردية» المعزولة عما يقوم به غيرهم. وبذلك يمكننا أن نتوجه نحو العمل الجماعي. وفي الحالتين معا لا بد لنا من التقيد بإجراءات البحث العلمي وتقاليده المؤسسة على طرح الأسئلة، والاستفادة من التجارب السابقة بوعي إبستيمولوجي يجعلنا لا نكتفي باجترار النظريات والتحمس لها، واتخاذها فقط «علبة أدوات».
إن السرد العربي وليد قرون، والسرد الحديث متعدد الروافد والتجارب، وبدون التسلح بما يكفي من المعرفة الدقيقة بالنظريات، وبالأنواع، وبتاريخ السرد، واستكشاف النصوص، وتوسيع دائرة الاهتمام بما لم نشتغل به منها لا يمكننا تجاوز الذهنية السائدة التي تحُول دون الإبداع والابتكار. علينا الاستفادة من الآخرين في كيفيات تفكيرهم في القضايا لا استنساخ النتائج التي توصلوا إليها، وتطبيقها على إبداعنا السردي الغني والمتنوع.
كاتب من المغرب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.