التامني تسائل الداخلية عن استمرار الأعطاب التقنية التي تعيق التسجيل في اللوائح الانتخابية    نشرة إنذارية.. موجة حر من الجمعة إلى الأحد بعدد من مناطق المملكة    مندوبية التخطيط تتوقع نموا اقتصاديا بنسبة 4.7% في الفصل الثاني من 2026    الحائز على "نوبل" جوزيف ستيغليتز يقود دعوات دولية لفرض ضريبة على أرباح شركات الطاقة الاستثنائية        مجلس المنافسة: لم نرصد أي سلوك مناف للمنافسة في سوق المحروقات    انطلاق قافلة طبية متعددة التخصصات بالحسيمة لفائدة أزيد من 1000 مستفيد    ردود ‬فعل ‬غاضبة ‬في ‬مخيمات ‬تندوف ‬وفي ‬أوساط ‬المعارضين    الأخضر يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    قفزة جديدة في أسعار الغازوال ابتداءً من اليوم تفاقم أزمة القدرة الشرائية    البعد ‬الاستراتيجي ‬لبرنامج ‬التنمية ‬الترابية ‬المندمجة ‬يرسم ‬آفاق ‬الغد    أربيلوا يتهم الحكم بإفساد مباراة بايرن ميونخ وريال مدريد    بنسعيد يكرم محمد العزيزي أشهر بائع كتب في مدينة الرباط    الصين تدشن أكبر سفينة حاويات كهربائية ذكية في العالم    تفاؤل أمريكي بشأن اتفاق مع إيران        وزيرة إسرائيلية تقول إن نتنياهو سيجري الخميس محادثة هاتفية مع الرئيس اللبناني    دعوى قضائية ضد ميسي في ميامي    النفط يرتفع 1.7 بالمئة ويصل 96.5 دولارا للبرميل    ارتفاع أصول هيئات التوظيف الجماعي العقاري بنهاية 2025    تأجيل محاكمة فاروق المهداوي إلى يونيو المقبل بعد تسجيل أزيد من 50 مؤازرة    تألق الخنوس يقنع شتوتغارت بحسم الصفقة نهائياً واستمراره حتى 2030    أرتيتا مدرب أرسنال: نخطو خطوات لم يشهدها النادي منذ 140 عاما    فاجعة فاس... حين تتحول خروقات التعمير إلى جريمة جماعية    وزير التربية الوطنية يقاضي الناشط التربوي السحيمي بسبب انتقاده "مدارس الريادة"    أزيد من 653 ألف مستفيد من برامج محاربة الأمية خلال الموسم 2024-2025    الحسيمة.. يقظة أمنية تُسقط مشتبهًا بها في جناية اقتحام شقة وتُعزز الحرب على المخدرات    صدمة فواتير الكهرباء تشعل غضب المواطنين...    بسبب الحرب.. أمريكا مُصدر صاف تقريبا للنفط لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية    النقابة الوطنية لأطر وموظفي التعاون الوطني تصعّد.. إخراج النظام الأساسي "هنا والآن"    ترامب يؤكد أن لبنان وإسرائيل سيجريان محادثات الخميس    تركيا تأمر باعتقال 83 شخصًا بعد منشورات تمجّد هجمات دامية بمدارس    كيم جونغ يشرف على مناورات مدفعية        الحصيلة الحكومية ...أخنوش: نجحنا في تبسيط 22 مسطرة إدارية بما ساهم في تقليص نحو 45% من مسار معالجة الملفات الاستثمارية    كتل ضبابية مرفوقة بأمطار في توقعات اليوم الخميس بالمغرب    صيف 2026.. إطلاق خط بحري جديد يربط طنجة المتوسط بإيطاليا مروراً ببرشلونة    بايرن يقصي الريال من دوري الأبطال    سيدي يحيى الغرب تحتفي بالشاعر محمد بلمو والحروفي مصطفى أجماع    تَرِّقُ موالاة ُوأنت تعارض    إشبيلية تُكرّم مركز الذاكرة المشتركة بجائزة إيميليو كاستلار لحقوق الإنسان    ترامب: النظام الجديد بإيران "عقلاني" ولا اتفاق معهم حاليا    الإعلان عن نتائج الجائزة الوطنية للقراءة بالمغرب    هجوم رافينيا على التحكيم يضعه في مرمى عقوبات "اليويفا" حسب "موندو ديبورتيفو"    مؤسسة "الرسالة التربوية" في سلا تنبض بألوان الحياة    من يعيد للوداد البيضاوي توهجه؟!    البوحِ السياسيّ بين شح الاعترافِ وبلاغةِ المسكوت عنه    "الصحة" توفد 44 إطارا لمرافقة الحجاج    استعدادا لحج 2026.. وزير الصحة يحث البعثة الصحية على تعبئة الجهود وضمان رعاية طبية متكاملة للحجاج    وزارة الثقافة تعلن فعاليات الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026 واحتضان المعرض الدولي للنشر والكتاب        دراسة تحذر من مخاطر المنظفات على الأطفال دون الخامسة    وزارة الأوقاف تطلق تطبيق "المصحف المحمدي الرقمي" بخدمات علمية وتقنية شاملة        مشروبات الطاقة تحت المجهر: دعوات عاجلة لحماية القاصرين من "إدمان مقنّع"    الإدمان على المشروبات الطاقية يهدد صحة الشباب المراهق    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجامعة بلا شرط
نشر في لكم يوم 27 - 06 - 2022

أخذتُ هذا العنوان عن كتاب جاك دريدا (L'Université sans condition, Galilée, Paris, 2011). هكذا كانت الجامعة منذ البدء، ولا بد أن تظل. بلا شرط، مُنكبَّةً على «حِرْفتها » الأصلية، الأصيلة، والنبيلة، تُكوِّن الأجيال، تصقل العقول، تُنمِّي الوعي، وتملأ الوطن بالشموع. فضاء لإنتاج المعرفة، والتمرين على الجدل، والنقد، بكل حرية، بلا قيْد. عرفَتِ الجامعة العمومية، في الماضي القريب، شروطاً صعبة، بدأت بخطاب « التبخيس» الممجوج، والمكرور إلى حد الملل، والذي نعرف أنه أمر دُبِّر بليل. الآن، وقد تفطَّن الجميع ل « دورها » الذي لا يُعوَّض، ولا يُفوَّت، ولا يُخَوْصَص، بدأت تتخطَّى مِحْنتها، وتنهض. تنهض بجنودها المنْسيِّين، الأوفياء لرسالتها، الذين ما بدَّلواْ تبديلا. أتمنى أن يُصلِح الإصلاح الذي جاء به النموذج التنموي الجديد ما أفْسدتْه، في الماضي، بعض السياسات العمومية المتهافتة، والمضطربة.
كنتُ ضيفاً، بدعوة من ترتيب الزميل الأستاذ الطيب بياض، الباحث المتميز في التاريخ الاقتصادي، على كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عين الشق في الدار البيضاء، يوم الثلاثاء 17 مايو 2022، لإلقاء «محاضرة الموسم الجامعي 2022–2021» تحت عنوان : «النموذج التنموي الجديد : الرؤية والكيفية». تُخلِّد الكلية هذه السنة الذكرى الأربعين لتأسيسها.كلية فتية، غضَّة، لكن عودَها اشْتدّ، وأتتْ أُكْلها بسخاء كما يشهد على ذلك الجهد البحثي المتواصل، والإنتاج المعرفي الغزير الذي يمكن أن يطلع عليه كل من أراد ذلك. لمستُ دينامية جديدة، مُثْمرة، أطلقها العميد الأستاذ مراد موهوب، دينامية تشمل «مهناً» غير مسبوقة في مجال التكوين والبحث، منها، على سبيل المثال لا الحصر، إحياء التراث اللامادي عن طريق الرقميات. سرَّني، سروراً بالغاً، حضور العميد مراد موهوب، ومساهمته القيِّمة في المناقشة. كما خصَّني مشكوراً، في ختام اللقاء، ب «تذكار اعتراف وتقدير» باسم الكلية. تذكار أعتزُّ به. لستُ من أصحاب الحفاوات، لم أَرُمْها يوماً، ولن أفعل. كنتُ، وسأظل، أرى أن الانتماء إلى الجامعة يكون بلا شروط، وأن العطاء والبذل، فوق الواجب، ليس بمقابل، لأنه بلا ثمن. ف «إذا غامرْتَ في شرفٍ مَرومٍ، فلا تقْنعْ بما دون النجوم» (المتنبي).
****‬
بني ملال المدينة التي تُطوِّق عُنقَها غابات الزيتون، تبدَّت لي هادئة في غبطة، وأنا أدخلها مع مغيب الشمس. كنتُ مدعواً للمشاركة في اليوم الدراسي (25 مايو 2022) حول «النموذج التنموي الجديد: الرهانات والآفاق» الذي نظمته كل من الكلية المتعددة التخصصات، وكلية الاقتصاد والتدبير، والمدرسة الوطنية للتجارة والتدبير، بجامعة السلطان مولاي سليمان، وبتنسيق محكم من الأستاذ عبدالواحد الصابر، الإنسان النَّابه، المُتَّقد نشاطاً وحيوية. ألقيتُ أمام الأساتذة، والطلبة محاضرة تحت عنوان: «النموذج التنموي الجديد : تجربة ذهنية مغربية ». كشفٌ ذاتي عن الأعطاب المزمنة في الاقتصاد الوطني، استشرافٌ لطموح المغرب في أفق 2035، بلورة للاختيارات الاستراتيجية، وطريقٌ للعلاج متوغل في الأسباب، حيث لم يعُدْ ينفع الوقوف عند الأعراض. قُمتُ ب «قراءة » في تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، قراءة فيها «وفاءٌ لا وَفِيّ»، و «لا وفاءٌ وَفِيّ » حسب مقولة أخرى لجاك دريدا. الجامعة تُميزُها سمتان : الدقة المنهجية، والصرامة العلمية، من جهة؛ والمسافة النقدية من جهة أخرى. حاولتُ التقيُّدَ ب«النص» عند « القراءة»، والابتعادَ عنه عند « التأويل». في الجلسة التي ترأستها الأستاذة فاطمة التهامي، نائبة العميد بكلية الاقتصاد والتدبير، تناولت مداخلات الزملاء، بدورها، الموضوع من زوايا معرفية مختلفة، لكنها متكاملة. « التعبئة الجماعاتية » (عدنان عديوي)، « سؤال العدالة الاجتماعية » (مليكة زخنيني)، «الحماية الاجتماعية» (ماء العينين الشيخ الكبير)، «الانتقال الطاقي» (محسن بخات)، «النفقات العمومية المسؤولة» (رشيد الحسناوي). انصبَّت المناقشة، التي ساهم فيها الطلبة، على جملة من «التوازنات» التي يقيمها التقرير بين التنمية والعدالة، بشقيها الاجتماعي والترابي، بين «الدولة القوية والعادلة» و«المجتمع القوي والمسؤول» ، بين «الطموحات»، و «الإمكانيات»، بين «الاختيارات»، و «الآليات». في أسئلة الطلبة قدر كبير من «حسن الظن» بالمستقبل، ومن التشوُّف للغد الأفضل، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. كتب عبدالكريم جويطي في روايته « المغاربة » (2016) : " لو حوَّل المغاربة فائض طاقة عدم الرضى عن البلد إلى طاقة تُغيُّرُه نحو الأفضل، لخلقوا منه جنَّة عوض جهنم التي يشتكون منها». من حديث جانبي مع بعض الزملاء المنظمين للندوة تولَّدتْ «فكرة»، أتمنى أن تتجسَّد: تشكيل «مجموعة بحث»، مُكوَّنة من طلبة الماستر والدكتوراه، ومُؤطَّرة من طرف الأساتذة، تبحث في شروط التطبيق الترابي للنموذج التنموي الجديد، باستلهام «عبقرية المكان»، وباعتبار حاجيات، وقدرات جهة بني ملال خنيفرة. يقول عبدالكريم اجويطي في إحدى حواراته : « العالم يوجد في عتبة الباب. بني ملال هي قدري وهي من أعرف، ومن لم يُلْهِمْه المكان الذي يعيش فيه، لن يُلْهمَه أيُّ مكان آخر في العالم ».
****
جامعة محمد الخامس، وكلية الحقوق تحديداً، هي «قدري، وهي من أعرف» أكثر من غيرها. دخلتُها طالباً ذات يوم بعيد، ولم «أخْرُج » منها ليوم الناس هذا. هي «المكان الذي أعيش فيه»، ولا «يُلْهمُني أيُّ مكان آخر في العالم» سواها. هي اليوم في حُلَّة قشيبة، استعادت مِعْماريتها الأنيقة، التي طمستها السنوات الرديئة. كما استعادت، على يد العميد فريد الباشا، « الأيام » التي كانت لها، والريادة المعرفية، والبحثية التي كادت أن تضيع منها بفعل السنوات العجاف.
يوم الجمعة 27 مايو 2022، عُدتُ، « مَلْأَ صدْري حُبٌّ، وتوقٌ، وحُبور »، لإلقاء محاضرة بعنوان «بعضُ أوْجُه الاختلاف بين البحث والتقرير»، بدعوة من شعبة القانون العام والعلوم السياسية التي يرأسها الأستاذ بوجمعة البوعزاوي، أبْلغني إياها الصديق الأستاذ الهادي مقداد. نُظِّمت المحاضرة في إطار «حلقة تكوينية» لفائدة الطلبة الباحثين بسلك الدكتوراه. جاء الأحِبَّة من الأساتذة: العلاَّمة عبدالرزاق مولاي رشيد، ميلود الوكيلي، الهادي مقداد، عبدالإله العبدي، جاؤا فتدفَّق الدفءٌ والوفاء، وانثالت الذكريات العذبة. تحدَّثْتُ في العرض عن البحث، شروطه، كيفياته، آلياته، أدواته، قيوده. قلتُ : إن «البحث اعتقاد بحساب»، أي اعتقاد بحساب النَّقْد، والدَّحْض (كارل بوبر). والنقد نوعان: داخلي يتعلق بالصوابية ((Validité، وخارجي يرتبط بالملاءمة Pertinence)). يجدُر بالباحث أن يأخذ « المسافة النقدية» عند «المراجعة النظرية»، التي ليست عرضاً، طويلاً، وعريضاً، لكل الأدبيات بقدر ما هي انحياز لما منها يصُبُّ في الإشكالية بصفة خاصة، ولما هو منها متلائم مع الفرضية، ومنسجم مع المقاربة المعتمدة. بعد إخضاعها للفحص والنقد، تُصْبح الموارد النظرية هي المؤطرة للبحث في جوانبه الإمبريقية، أو التجريبية.
قلتُ أيضاً : إن «الأسلوب هو البحث ».وللبحث صفات تتعلق بالشكل عامة، وبالأسلوب خاصة. الشكل، يقول فيكتور هوجو، هو «المضمون يطفو على السطح». الأسلوب تُحدِّدُه اللغة التي هي منظومة من المفردات، والمصطلحات، والمفاهيم، ومن القواعد. لغة البحث لغات. الجداول الإحصائية، المنحنيات، المُؤطِّرات، أدوات تعبيرية مكملة، لا يجوز الإسراف فيها، وينبغي اختيارها بدقة، والاقتصار على ما فيها من قيمة مضافة. الجملة البحثية جملة مفيدة، دالة، دقيقة، خالية من المحسِّنات اللفظية، ومن صيغ المبالغة. مبتدأ وخبر. يقول أرسطو : « La première qualité du style, c'est la clarté »
وعن «أوجه الاختلاف» بين البحث والتقرير، قُلْتُ: البحث أسئلة، وخلاصات؛ التقرير أجوبة، واقتراحات. البحث تحليل، وتركيب معرفي، التقرير كشف، وتوصيات إجرائية. البحث استشكال، ونقد؛ التقرير، رصد، وإقرار. البحث سابقٌ على التقرير، يُغذِّيه معرفياً، ويمُدُّه بالنظريات، والمفاهيم، والأدوات؛ التقرير حلقة وصل بين البحث الأساسي وبين الترجمة التطبيقية لخلاصاته، وتحويلها إلى اجراءات عملية، وإلى سياسات عمومية. من ثمة، كان على البحث أن يظل وفياً لغاياته المعرفية، مُتوسِّلاً بأدواته المنهجية، مُتقيِّداً ببروتوكولاته البحثية، لكي لا يتيه، وتضطرب قواعده، وحتى لا يضيع العِلْم بين اثنين : بريق الصيغة التقريرية، وهيمنة المعرفة السهلة، والثقافة السريعة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.