النفط يقترب من أعلى مستوياته في 6 أشهر    534 عاماً مرّت على سقوط آخر معاقل الإسلام فى الأندلس    بورصة البيضاء .. أهم نقاط ملخص الأداء الشهري    النمسا.. توقيف مشتبه فيه متورط في التخطيط لاعتداءات إرهابية بالتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني    "عصبة الكرة النسوية" تصدر عقوبات    سرقة مغربي تدين "موظفة بنكية" في روسيا    بنكيران يدعو أعضاء "البيجيدي" إلى التزام الصمت بعد إدانة بلقايد في ملف "صفقات كوب 22"    من طنجة إلى جبال الأنديز.. الدور المغربي في دعم حركات التحرر بأمريكا اللاتينية خلال القرن التاسع عشر    القمع يمتد إلى المستشفيات في إيران    نقابيون ينتقدون وزارة الأسرة والتضامن    تعاون نمساوي مغربي يطيح بإرهابي    توقعات أحوال الطقس لليوم السبت    بسبب الفيضانات.. تعليق الدراسة بمدينة القصر الكبير لمدة أسبوع    إطلاق أول خدمات للجراحة الروبوتية بمستشفى جامعي عمومي في أكادير    السياحة المغربية تسجل عائدات قياسية بلغت 138 مليار درهم في 2025    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    غوتيريش يحذر من "انهيار مالي وشيك" للأمم المتحدة    الجديدة تحتضن فعاليات الدورة الأولى للمهرجان الوطني لفنون السيرك    صناعة الشك والحرب النفسية الرقمية في كأس إفريقيا بالمغرب    عملاق الطرب المغربي الفنان عبد الهادي بلخياط في ذمة الله    هل تحتاج خوارزميات الذكاء الصناعي إلى شيء من "الهشاشة الإنسانية"؟    "قطار الحياة" يتوقف.. عميد الأغنية المغربية عبد الهادي بلخياط في ذمة الله عن 86 عاما    بنكيران يفرض الصمت على البيجيدي بعد إدانة العربي بلقايد في ملف "كوب 22"    عاجل: وفاة الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط عن 85 عاما    طنجة.. فرق أمانديس مجندة على مدار الساعة لضمان استمرارية الخدمات خلال الفترة الممطرة    تفكيك شبكة للتهريب الدولي للمخدرات بطنجة وتوقيف ستة أشخاص وحجز 75 كلغ من الشيرا    الإسمنت.. ارتفاع المبيعات بنسبة 8,2 في المائة سنة 2025    سوء الأحوال الجوية .. بتعليمات سامية من جلالة الملك، القوات المسلحة الملكية تنشر وحدات للتدخل معززة بالمعدات والتجهيزات والآليات اللازمة لنقل المتضررين وإيوائهم    إثر الحكم الذي ساوى بين المغرب والسنغال.. موتسيبي: الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ملتزم بالمحافظة على نزاهة وسمعة والتنافسية العالمية لكرة القدم الإفريقية    "تداولات حمراء" لبورصة الدار البيضاء    إشادة وطنية بتدخل القوات المسلحة الملكية في مواجهة آثار الفيضانات    زخات وأمطار قوية ورياح عاصفية بعدد من مناطق المملكة    آبل تعلن عن إيرادات قياسية مع ارتفاع مبيعات هاتف آيفون في الصين    «ألفاجينوم»: ذكاء اصطناعي لتحديد العوامل الجينية المسبّبة للأمراض    قرعة الثمن النهائي لأبطال أوروبا تضع ريال مدريد في مواجهة بنفيكا    مجلس الشيوخ الفرنسي يمرّر قانوناً لتسهيل إعادة الآثار المنهوبة إلى بلدانها    إلى غاية نهاية الموسم.. الرجاء يعير بلال ولد الشيخ إلى فوليندام الهولندي    مشاركة المغرب في معرض "ريتروموبيل باريس" لتسليط الضوء على الصناعة التقليدية الخدماتية المغربية        رايموند هاك يهاجم قرارات «الكاف»: عقوبات لا تعكس خطورة ما وقع في نهائي المغرب 2025    انتخاب عمر هلال بالتزكية لرئاسة لجنة بناء السلام    إيكيتيكي راض عن بدايته مع ليفربول    تاريخ الزمن الراهن: الانشغالات المنهجية والانتظارات السياسية    فيفا يطلق مبادرة "كندا تحتفل" لإشعال حماس الجماهير قبل المونديال    تراجع أسعار النفط    ترامب يهدد كندا بفرض رسوم جمركية    أرقام قوية تعكس مرونة القطاع الثقافي في الصين خلال 2025    عقوبات الكاف... حين تُعاقَب الآمال وتُكافَأ الفوضى    الصين: سحب أكثر من 38 مليون سيارة خلال فترة المخطط الخماسي ال14    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عمران المليح.. ذاكرة الزمن والمكان

استعصت عملية تلخيص تجربة إدمون عمران المليح في الكتابة والحياة، حتى على أقرب المقربين إليه .. كتاب فنانون، بل حتى البسطاء من الناس الذين كان يحب أن يجالسهم بأحد مقاهي باب الأحد أو في العكاري بالرباط، إلا أن أصدقاءه خمنوا ذات يوم وهم بحضرته، فاتفقوا على "المليح الذاكرة"، إلا أن الراحل علق عليهم وأضاف "الذاكرة والزمن".
هكذا حكى الفنان التشكيلي خليل غريب، في جلسة جمعت بين محبيه وأصدقائه، الأربعاء 23 مارس 2011، احتفاء ب"المليح.. الصديق" برحاب المكتبة الوطنية التي أحبها عمران ووهب لها مجموعته الخاصة قبل وفاته.
ويصعب فعلا أن نمارس "لعبة النسيان" أمام نص إدمون عمران المليح، فهو ذاكرة، حاضر في الزمان والمكان تنمو العلاقة المعقدة والجميلة مع نصوصه، مع كل قراءة ومع كل معانقة لتفاصيلها، مما يحفز فينا فضول الاكتشاف.
وليس أبلغ من قول الروائي والناقد محمد برادة، للاستدلال به في هذا المقام، وهو يخاطب المليح "لعلك يا عمران توافقني على أننا نحكي لنضع مسافة تباعد بيننا وبين سرعة الأحداث والتحولات... نحكي لنمدد عمر الوردة التي رأيناها ذات صباح متألقة في ضوء الشمس، ونريدها مستمرة في ديمومة الذاكرة لنعصمها من الزوال ولو إلى حين".
وعندما يتذكر أصدقاء ومحبو المليح، فإنهم يتذكرون فيه صاحب "المجرى الثابت" و"أيلان" و"رسائل على نفسي"، كما يتذكرون فيه الفنان العاشق والإنسان "راعي الصداقات"، و"هو يدعوهم لقراءة أيلان بمتعة وعشق كما يدعوهم لكأس شاي"، يقول حسان بورقية.
فأعمال المليح، سرد لتجربة نضالية وذاكرة للقيم الإنسانية الأصيلة وللالتزام الحق وللأخلاق ولتفاصيل نفسية وليدة سياق تاريخي وجغرافي معين، يقول محمد برادة "... في كل نص يكتبه عمران نستشف تلك الحركة الصاعدة من الأحشاء، المترحلة بحثا عن استكشاف المجهول المستوطن للذاكرة والذات المتعددة".
ويفسر برادة، "لا تستند الكتابة، في العمق، سوى إلى علاقتها بالذاكرة والتخييل وإلى ما يلملمه الوعي من معرفة وتجارب حسية وروحية ليصوغ رؤية للعالم يتكئ عليها مؤقتا وهو يواجه عالما مفككا، فاقد المعنى، خاضعا للاستلاب والإيديولوجيا الجاهزة".
وقد يقود الحديث عن الذاكرة إلى استحضار معطيات أخرى من قبيل علاقة المليح بالمجتمع وبالسياسة، وبالكتابة في حد ذاتها، والقراءة والأمكنة واسترجاعاتها. ويحق التساؤل عن العلاقة الجدلية بين الذاكرة والسيرة الذاتية في كتابات المليح، وهل أيلان أو المجرى مثلا سيرة ذاتية، وما علاقة المليح بالزمن... وتتناسل الأسئلة.
ويقول الشاعر المهدي أخريف إنه، عكس المعلوم، فإن عمران المليح لم يتعاط الكتابة متأخرا، بل مارسها منذ زمن بعيد من خلال القراءات والاستيهامات وبممارسة عادة تعهد الكلمات التي كانت سلاحه في عمليات بناء عوالم الكتابة.
أما الكاتب عبد الله بايدة فذهب إلى أن قوة كتابة عمران المليح ترجع إلى هويتها المركبة، هويته المغربية العابرة لجغرافيات وأسئلة ثقافية متعددة. فالمليح يرفض الحديث عن نفسه من خلال أعماله وإنما يتوسل باب الإيحاءات ليمر منها إلى شخصيته وحياته وهو بذلك لا يكتب سيرة ذاتية بالمعنى النمطي، إنها إيحاءات صوفية فيها الظاهر والباطن.
والأمكنة بالنسبة لعمران المليح، يضيف بايدة، ليست مجرد فضاءات جامدة لا معنى لها وإنما هي إلهام للكتابة والإبداع، وروايته "المجرى الثابت"، التي عبر فيها عن تجربته الذاتية في النضال والسياسة والحياة وعن تاريخ المجتمع المغربي، جسد هذا المنحى إلى حد بعيد، فقد تحولت مدينة أصيلا من مجرد "مكان ميت إلى مكان ينبض بالحياة".
يكتب المليح عن ذاته بدون أن يقع في السيرة الذاتية، أو أنه يكتب سيرة ذاتية من نوع خاص تمتزج فيها الطفولة والتجارب الشخصية بالواقع الاجتماعي والسياسي. وللمليح علاقة غريبة مع الزمن، فهو حسب محمد برادة، "يحطم شرنقة الهوية المنغلقة وجعل الذات تتحرر من عبء الماضي لتواجه أسئلة الحاضر والمستقبل".
ويتذكر حسان بورقية أنه كانت للمليح، قيد حياته أمنية جميلة، هي أن يمنحه الزمن مهلة ليكتب عن الرباط كما كتب فيلسوفه المفضل والتر بنيامين عن باريس، وكان يفضل ارتشاف قهوته الصباحية بأحد مقاهي باب الأحد والتجول بسوق العكاري ليشم رائحة الخبز الطري والخضار الطازجة.
ويرى المهدي أخريف أن "كتابات المليح مطبوعة بطابع دينامي ولم تكن مشروعا ذهنيا مسبقا، فلدى المليح نفور من الكتابة الذهنية، فجل كتاباته تدفقات... تلج آفاقا مدهشة".
وربما كان يجالس أصحابه بباب الأحد أو بأي مكان آخر، يضيف المهدي أخريف، "لعلاقته القوية باللغة"، هذه العلاقة التي تذهب إلى الأعمق، ويتجلى ذلك في عشقه للدارجة المغربية والأمازيغية.
وسبق للفنان والكاتب بورقية أن قال في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء إن كتابات المليح تعايش فيها تاريخ وطنه وحاضره ومستقبله فقد كان مدافعا حقيقيا عن بلاده، المغرب بثقافاتها المتنوعة ولغاتها المتعددة، وتعايشت فيه وفي كتاباته ذاكرة الذين رحلوا وكأنه كان ينتظر عودتهم ذات يوم. ويلخص محمد برادة " في نزوحه من السياسة وضوضاء الإيديولوجيا إلى فساحة الكتابة ومتاهاتها" استطاع عمران المليح أن يحقق تجليات منها "إعادة تكوين الذاكرة الفردية والجماعية انطلاقا مما يسميه بول ريكور "النسيان الاحتياطي"، الذي يمتلك مشروع قوة الوجود اللاواعية المكونة من التذكر والبصمات الحية".
*و م ع
---
تعليق الصورة: إدمون عمران المليح


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.