تلقيت من سماحته هذه الفتوى: (بسمه تعالى.. لا ما نع منه إذا كان الإخراج عن المنابع الوثيقة مع الإحتفاظ على قدسية الموضوع ومراعاة الإحترام بالنسبة للإمام وأصحابه وأهل بيته الكرام سلام الله عليهم أجمعين، ولكن بقداسة الموضوع كما ينبغي وبحرمة الإمام الشهيد وأصحابه. في هذا المجال فلابد من الإحتفاظ جدا والإحتياط .. ختم سماحة الإمام الخامنئي. فتوى الإمام علي خامنئي وكان إنتاج الفيلم قد توقف برحيل سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان "قدس سره الشريف" الذي بادر لتحمل مسؤولية الجانب الإقتصادي من أصحاب المال .. ولكن برحيله المفاجيء توقف إنتاج الفيلم. وبسقوط النظام الدكتاتوري في العراق أعدت المحاولة عراقيا في وطني، لكنني إنسحبت حفاظا على قدسية المشروع وعدم السماح لتشويه التاريخ ناصع النقاء للإمام الحسين عليه السلام عبر الفساد المالي الذي كان يشوب الإنتاج!! وكنت قد كتبت في بداية السيناريو "أن أجور السيناريو واخراج فيلم الإمام الحسين عليه السلام وكل واردات الفيلم تدفع لأبناء الشهداء وبناء المدارس لتعليمهم وسوى ذلك" وبعد سنوات اليأس الثقافية قررت التوقف عن إنتاج الفيلم وإيداع السيناريو الأصلي لدى عائلة الإمام الراحل محمد حسين فضل الله، بعد أن إستغرقت سبع سنوات في البحث وكتابة السيناريو، رافضا أن يطلع على السيناريو أحد سوى سماحة المشرف على المشروع سماحة شمس الدين والمتخصص بتاريخ وثقافة الإمام الحسين، وذلك لما يحتويه السيناريو من أسرار في معالجة ملحمة الطف وشخوصها .. ومن جملة شروطي فإن الفيلم في حال حصول الجانب الإيراني على نسخة منه وإمتلاك حقوق العرض في إيران أن يعرض الفيلم مترجما للفارسية وليس مدبلجا صوتيا باللغة الفارسية ليبقى الفيلم دائما ينطق باللغة العربية ولا يسمح بدبلجته إلى لغات ثانية متذكرا أن سماحة المرشد الخامنئي عندما شاهد مسلسل الإمام علي "عليه السلام" "لا يمكنني أن أتصور الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يتحدث الفارسية"!! كان سماحة الإمام محمد حسين فضل الله، وبعد أن علم بالجهد الثقافي لإنتاج الفيلم قد كتب دراسة متفائلة بثقافة متنورة ستسود المجتمع الإسلامي المعاصر". وأنشر هنا اللقاء الذي حصل بين سماحة المرشد الخامنئي مع المثقفين الإيرانيين وبينهم محترفي السينما في جمهورية إيران الإسلامية، لنتعرف على الذهنية المتحضرة والمتحررة لرجال الدين ورؤيتهم المتسمة بالوعي لإنعاش ثقافة السينما وعلاقتها بالواقع التاريخي والواقع المعاصر ورؤية المستقبل وهو المثقف الذي يقرأ ويشاهد رغم إنشغالاته السياسية والروحية لكي يرى أهل الدين في العراق عظمة القيادة الواعية. الخامنئي والثقافة السينمائية..! ألقى سماحة الإمام آية الله الخامنئي في جمع من الأدباء والكتاب المشاركين في ملتقى دراسة الرواية الحربية في إيران والعالم في العام 1996 كلمة إحتفظت بها مترجمة في ملف فيلم الحسين عليه السلام، وجدت ضرورة نشرها بعد إستشهاد المرشد علي خامنئي قدس سره. (... هناك فنون دائرة إنتشارها واسعة جدا، بحيث لا يعرف لها حدود، إلا أنها قليلة جدا فيما يبدو .. وربما هناك بعض الفنون تتصف بقدرة واسعة على الإنتشار، إلا أن قدرتها على التعبير ، ضعيفة. فلو نظرت إلى فن الشعر على سبيل المثال الذي تقيده الحدود إلى حد ما، فإن بإستطاعته أن يعبر عن أشياء كثيرة غير قادرة لا الصورة ولا الرسم على التعبير عنها. وفي هذا المجال أنا أتصور أن الرواية من بين أساليب التعبير الفني، تتمتع بشمولية أكبر من التعبير في مختلف الظروف حتى أشمل من السينما رغم إنتشارها الواسع جدا .. صحيح أن السينما ليس لها حد، والناس بإستمرار يشاهدون الأفلام، ولكن الفهم الحاصل من الفيلم يختلف عن الفهم الناتج عن الرواية، لأن الفيلم مقيد بحدود لا تسمح له بتناول أشياء كثيرة. أنظروا إلى رواية البؤساء" لفكتور هيجو، فكم من الأفلام التي أخذت عنها، فالتلفزيون الإيراني عرض فيلمين أو ثلاثة عنها. لقد قرأت هذه الرواية مرات عديدة وشاهدت أيضا هذه الأفلام برغبة وشوق، إلا أنني أرى الرواية غير قابلة للمقايسة بهذه الأفلام، رغم أنها كانت أفلاما جيدة. إنني أتصور أن رواية البؤساء في حدود إبداع الإنسان قمة في الإبداع الفني. وكثيرا ما أتساءل هل بالإمكان نسج الواقع والحوادث نسجا فنيا أفضل مما فعله "هيجو" في البؤساء، وهل من الممكن سبر أعماق الأرواح والأفكار والغوص في الضمائر والعلاقات الإنسانية والأحاسيس البشرية أكثر مما صورته رواية البؤساء؟ أعتقد أن ذلك غير ممكن. بطبيعة الحال أسمى من أن تحده حدود. على أية حال تتمتع الرواية بمثل هذه الخصوصية، وفضلا عن ذلك فهي قابلة للترجمة، بخلاف الشعر الذي تصعب ترجمته، فمثلا ليس بالإمكان ترجمة شعر "حافظ الشيرازي" لأنه يتصف بخصوصيات فنية تصعب ترجمتها، إلا أن الرواية ليست كذلك. من الممكن ترجمتها إلى جميع اللغات. لقد سمعت أن بعض الروايات ترجمت إلى ثلاثين لغة، وهذا يعني أن حدود الرواية أكثر إتساعا من قيود الشعر، إذ بإمكانها أن تنقل إلى أية لغة وأي مكان وزمان دون أن يضعف ذلك محتواها وجمالها الفني كثيرا، فهناك روايات كتبت قبل مائتي عام وما زلنا نقرأها حتى الآن. إن أفضل الروايات المتوفرة اليوم هي التي كتبت في القرن التاسع عشر في كل من فرنساوروسيا وإنجلترا، لم تكتب نظائرها حتى الآن. إذاً، فالرواية أكثر بقاءً وخلوداً وهي واسعة الإنتشار أيضا، وتمتلك قدرة غير عادية على الوصف الدقيق والمعبر. إن مثل هذه الخصوصية لا يمكن العثور عليها في أي تعبير فني آخر، فهي غير موجودة لا في الموسيقى ولا في السينما ولا في المسرح ولا في الشعر. أصلا لا يمكن العثور على نظير الرواية. فالرواية قابلة للترجمة والإنتقال إلى أي مكان، وبأمكانها الخلود، ولا تبلى بالقدم. تقولون أننا قمنا بجمع الروايات الحربية. هذا شيء جيد، ولكن حاولوا أن تحصوا الرويات التي تتحدث عن المعاقين وإصرارهم على الحياة والإبداع. لقد سبق لي أن تحدثت عن رواية "الإنسان الواقعي" وهي رواية روسية، فالكاتب كان مبدعا في كتابة روايته. صحيح أنها دعائية وتبلغ لروسيا، وإن هذا يولد الشكوك لدى القارئ تجاه الوقائع التي تتحدث عنها، ويشك في مصداقيتها، إلا أنها من حيث الفكرة والإسلوب الأدبي رواية جيدة، وملخص الرواية أن طيارا تسقط طائرته ويصاب فتقطع ساقه وتوضع له ساق إصطناعية، ثم يتمرن ويعود ثانية للطيران والمشاركة في الحرب. بالطبع أن مثل هذه الوقائع هي لاشيء تجاه بطولات معوقينا وتضحياتهم ، فكم لدينا من المعاقين الذين فقدوا بعض أعضاء بدنهم في ساحات القتال كأن فقدوا يدا أو رجلا أو عينا، ولم يكفوا عن الذهاب إلى الجبهات للمشاركة في القتال مرات ومرات حتى إستشهدوا. فمثل هذه الحماسة هي أسمى بكثير مما كان يفعله ذلك الإنسان الواقعي في رواية روسيا الشيوعية، فلماذا أذاً لا نتحدث عن هذه الحماسة وهذه الملاحم؟ (...) فلو نظرنا إلى "شاهنامه" الفردوسي، لرأينا حقا أنها من حيث السرد القصصي ليس لها نظير، وهذا يعني أن الفردوسي على الرغم من أنه لم يكن يفكر في مراعاة الشروط الفنية لعصر ما، وكان لا يفكر بغير نظم ملحمته، إلا أنه إستطاع أن يحقق شيئا ليس له نظير في السرد القصصي، فإذا ما كان لدينا مثل الفردوسي قبل ألف عام، فما الذي ينبغي أن نكون عليه الآن؟ لابد لنا أن نكون متقدمين على الفردوسي بألف عام، إلا أنه للأسف مثل هذا غير حاصل. مما يؤسف له أن المشتغلين في هذا الفن قبل الثورة الإسلامية لم يتمكنوا من إنجاز شيء يذكر، وإن كل ما تم تحقيقه بعد الثورة هو ببركة هؤلاء الشبان الذي يحضر بعضهم بيننا الآن. وإلا إذا ما نظرتم إلى واقع هذا الفن قبل الثورة الإسلامية فلا تجدون غير جلال أحمد وأشخاص معدودين. أما ما عدا هؤلاء فليس أكثر من متملقين وهم غير خافين على أبناء الشعب. على أية حال، أنها فرصة جيدة لأن يشعر هؤلاء السادة الأدباء وكتاب القصة الجيدين عن ساعة الجد، ويأخذوا الأقلام بأيديهم ويبدأوا، فمثل هذا النشاط الثقافي هو من أفضل الأعمال، ولا بد للجهات المختصة أن تضع تحت إختيارهم الإمكانيات كافة وتشجعهم وتعرف الناس بهم. إن هذا الذي أشرت إليه من الأدب العالمي شيء مهم جدا، ولابد لكل فنان من مشاهدة الأعمال الفنية الأخرى التي تتصل بعمله، فالأمر هنا ليس موضوع تقليد، بل هو تواصل وتبادل ثقافي، وإن الآخر نفسه إذا ما قرأ أعمال فنانينا، فسوف يتفاعل معها ويتأثر بها. أمل أن يوفقكم الله سبحانه، وأن تنجزوا أعمالا لا تقل عن الآثار العالمية).