أعلنت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" إدخال تعديلات واسعة على برنامجها لإعادة رواد الفضاء إلى سطح القمر، في خطوة تهدف إلى تسريع وتيرة المهام بعد سلسلة من الأعطال التقنية والتأخيرات التي أثرت على الجدول الزمني، بالتزامن مع خطط تصل كلفتها إلى نحو 20 مليار دولار لتطوير قاعدة دائمة على القمر. مدير الوكالة جاريد إيزاكمان، الذي تولى منصبه أواخر العام الماضي، عرض ملامح الخطة الجديدة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستعتمد على تسريع التنفيذ وتقليص التعقيدات، وقال إن الوكالة "بحاجة إلى التحرك بسرعة أكبر، والتخلص من التأخيرات، وتحقيق الأهداف". برنامج "أرتميس"، الذي يشكل العمود الفقري لهذه الجهود، يهدف إلى إعادة البشر إلى القمر للمرة الأولى منذ عام 1972، ويعتمد على منظومة متعددة من الصواريخ والمركبات التي تطورها "ناسا" بالتعاون مع شركات خاصة، غير أن البرنامج واجه خلال الفترة الماضية سلسلة من المشكلات التقنية التي أدت إلى تأجيل عدد من المهام. أحدث هذه التحديات تمثل في اكتشاف خلل جديد في أحد مكونات الصاروخ المخصص للمهمة المقبلة، ما دفع الوكالة إلى إعادة تقييم خطتها الزمنية، وتأجيل إطلاق مهمة "أرتميس 2" التي كانت تستهدف نقل أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر قبل إعادتهم إلى الأرض. في إطار المعالجة، قررت "ناسا" إدراج اختبار طيران إضافي في عام 2027، يتم تنفيذه في مدار أرضي منخفض، بهدف اختبار الأنظمة بشكل عملي وجمع بيانات تقنية تساعد في التحضير لمهمة الهبوط على سطح القمر، والتي تستهدفها الوكالة في عام 2028. كما تتجه الوكالة إلى تبسيط بنيتها التقنية، من خلال التخلي عن تطوير نسخة مطورة من صاروخ "نظام الإطلاق الفضائي"، والتركيز على نموذج قياسي يمكن استخدامه بوتيرة أعلى، وهو ما يُفترض أن يسهم في تقليل الكلفة وتسريع وتيرة الإطلاقات. الاختبار المرتقب في 2027 سيشمل التحام مركبة "أوريون" مع مركبة هبوط قمرية تطورها شركتا "سبيس إكس" و"بلو أوريجين"، اللتان حصلتا على عقود بمليارات الدولارات لتطوير هذه الأنظمة، في ظل سباق تقني بينهما لتجهيز مركبات قادرة على نقل رواد الفضاء إلى سطح القمر. كما ستشهد المهمة اختبار بدلات فضائية جديدة تطورها شركة "أكسيوم سبيس"، في إطار الاستعداد لعمليات الهبوط والعمل على سطح القمر، ضمن تصور أوسع يشمل إقامة بنية تحتية دائمة هناك. في هذا السياق، كشفت "ناسا" عن خطط لتطوير قاعدة قمرية على مراحل، بكلفة تقدر بنحو 20 مليار دولار خلال سبع سنوات، على أن تبدأ ببعثات قصيرة قبل الانتقال إلى إقامة أطول لرواد الفضاء في أوائل العقد المقبل، مع تطوير أنظمة طاقة وإمدادات ومساكن قادرة على دعم وجود بشري مستمر. كما تعمل الوكالة على زيادة عدد المهام القمرية خلال السنوات المقبلة، عبر إطلاقات متتالية لاختبار تقنيات جديدة ونقل معدات إلى سطح القمر، تمهيداً لبناء القاعدة بشكل تدريجي. بالتوازي مع ذلك، تعيد "ناسا" النظر في مشاريع أخرى، حيث قررت وقف العمل على محطة "غيتواي" التي كان مخططاً أن تدور حول القمر، مع إعادة توجيه مواردها لدعم مشروع القاعدة القمرية، في خطوة تعكس تغييراً في الأولويات نحو التركيز على الوجود المباشر على السطح. وتشمل الخطط أيضاً تطوير بدائل لمحطة الفضاء الدولية، التي من المقرر إنهاء عملها بحلول عام 2030، من خلال إنشاء وحدات جديدة يمكن أن تشكل نواة لمحطة فضائية مستقبلية بالتعاون مع القطاع الخاص. كما تدرس الوكالة استخدام تقنيات الدفع النووي في الفضاء، مع مشروع لإطلاق مركبة تعمل بالدفع الكهربائي النووي نحو المريخ قبل نهاية عام 2028، في إطار توسيع نطاق الاستكشاف إلى ما بعد القمر. وتأتي هذه التوجهات في سياق سياسي أوسع، بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يدعو إلى إعادة إرسال رواد فضاء إلى القمر بحلول عام 2028، وهو موعد يأخذ في الحسبان التأخيرات التي واجهها البرنامج في مراحله السابقة. وتشير مجمل هذه الخطط إلى أن "ناسا" تسعى إلى إعادة ترتيب برنامجها القمري، عبر تسريع وتيرة العمل، وتقليص التعقيدات التقنية، والتركيز على أهداف قابلة للتنفيذ، في محاولة للحفاظ على موقعها في سباق الفضاء المتجدد.