في تقرير ميداني حديث يكشف عن ثراء استثنائي للتنوع الطيري في المغرب خلال الأسابيع الأولى من عام 2026، أظهرت بيانات الرصد المعتمدة من منصة "إي بيرد" التابعة لمختبر علم الطيور بجامعة "كورنيل" الأميركية أن الأراضي الرطبة والسواحل والمرتفعات الجبلية المغربية احتضنت مئات الأنواع من الطيور المقيمة والمهاجرة، مع تسجيل أعداد لافتة لبعض الأنواع التي تُعد مؤشرات بيئية بالغة الأهمية. التقرير، المبني على ملاحظات علمية موثقة من مراقبين معتمدين، يضع المغرب مجدداً في قلب طرق الهجرة العالمية بين أوروبا وإفريقيا، ويؤكد أن حماية هذه النظم البيئية لم تعد خياراً بل ضرورة ملحّة لضمان استمرارية هذا الإرث الطبيعي الفريد.
أبرز ما يلفت الانتباه في هذا الرصد هو الحضور الكثيف للغراب أحمر المنقار، المعروف عربياً باسم "الغراب الجبلي" أو "الكروان الأحمر المنقار"، الذي سُجل بأعداد وصلت إلى نحو مئة فرد في مناطق الجنوب الشرقي، خصوصاً في الهضاب القريبة من الأطلس الكبير. هذا الطائر، الذي يعيش في جماعات ويعتمد على المنحدرات الصخرية للتعشيش، يُعد شاهداً على سلامة النظم الجبلية المفتوحة، إذ لا يستقر إلا في البيئات قليلة الاضطراب. وفي مشهد مائي لا يقل درامية، برز طائر الغطاس أسود العنق كأحد أكثر الأنواع تسجيلاً، إذ تم رصد ما يقارب خمسين فرداً في مرجة الفوارات، إحدى أهم الأراضي الرطبة في شمال غرب البلاد. هذا الطائر الصغير نسبياً، ذو العينين الحمراوين والريش الداكن، يعتمد على المسطحات المائية الهادئة الغنية بالكائنات الدقيقة. بالتالي يعكس تكاثر ملاحظته في فترة قصيرة تحسناً ملحوظاً في جودة المياه وتوفر الغذاء، ويمنح الباحثين نافذة نادرة لقراءة التغيرات البيئية من خلال سلوك كائن لا يكذب حين يتعلق الأمر بصحة موطنه. أما البط أحمر الرأس، المعروف محلياً باسم "الغطاس أحمر الرأس"، فقد شكّل ظاهرة بحد ذاته مع تسجيل أكثر من ثلاثة وستين فرداً في منتزه سيدي بوغابة الوطني. هذا الطائر ذو الألوان الزاهية، الذي يبدو كأنه لوحة فنية عائمة، يُعد من الأنواع الحساسة للاضطراب البشري. ويشير ظهوره الكثيف في هذا الموقع إلى نجاح جهود الحماية وإدارة الموائل، ويمنح الأمل بإمكانية استعادة تجمعات الطيور المائية الكبيرة إذا ما توفرت الإرادة والسياسات البيئية الصارمة. في السماء المفتوحة، حلق نسر أسمر أو "النسر الأسمر الأوراسي" بأعداد بلغت اثني عشر فرداً في شمال البلاد، في مشهد يختصر عظمة السلاسل الغذائية الطبيعية. هذا الطائر الجارح، الذي يعتمد على الجيف، يلعب دوراً حاسماً في تنظيف البيئة ومنع انتشار الأمراض. تكرار رصده يعكس وفرة الغذاء واستمرارية المساحات البرية الواسعة، لكنه في الوقت ذاته يذكّر بالهشاشة الشديدة لهذا النوع أمام التسمم وفقدان الموائل، ما يجعل كل مشاهدة له بمثابة إنذار مبكر بضرورة الحذر وعلى السواحل الأطلسية، سُجل طائر الغاق المتوج، وإن بأعداد أقل، إلا أن أهميته تكمن في كونه مؤشراً دقيقاً على صحة النظم البحرية القريبة من الشاطئ. هذا الطائر الغواص، الذي يتغذى على الأسماك الصغيرة، لا يغامر بالبقاء في مناطق تعاني من تلوث حاد أو صيد جائر. وجوده في مواقع مثل تمري ورأس غير يعكس توازناً بحرياً نسبياً، لكنه توازن هش قد ينهار سريعاً إن لم تتم حمايته. وفي الأراضي الرطبة نفسها، ظهرت سلطانة الماء أو "الغرّة الأرجوانية" بأربعة عشر فرداً، لتضيف لمسة استوائية على مشهد مغربي خالص. هذا الطائر، بألوانه البنفسجية والزرقاء الزاهية، يعتمد على القصب الكثيف والمياه العذبة، ويُعد من الأنواع التي تختفي سريعاً عند أي تدهور بيئي. قصته هنا هي قصة نجاح موطن، حيث وفرت الحماية فرصة لعودة كائن كان يُعتقد أنه في تراجع مستمر. ولا يمكن تجاهل حضور طائر الكركي الرمادي، الذي سُجل بستة أفراد في شمال البلاد، حاملاً معه صدى الرحلات الطويلة من الشمال الأوروبي إلى الدفء الإفريقي. هذا الطائر الكبير، بصيحته المميزة ورقصاته الجماعية، يُعد رمزاً للهجرة العالمية، ووجوده في المغرب يؤكد الدور المحوري للبلاد كنقطة عبور واستراحة لا غنى عنها في خريطة الطيور المهاجرة. في المرتفعات الجبلية، عاد عقاب الملك أو "العقاب الذهبي" ليظهر ولو بفرد واحد، لكنه ظهور يحمل وزناً علمياً كبيراً، حيث لا يعيش هذا الجارح الأسطوري إلا في البيئات البكر ذات السلاسل الغذائية الكاملة، ومشاهدته تعني أن الجبال ما زالت تحتفظ بجزء من عظمتها القديمة. كما برز طائر "أبو ملعقة" أو "أبو مجرفة" المعروف علمياً باسم البط أبو ملعقة بخمسة عشر فرداً في وادي ماسة، وهو طائر متخصص في التغذية بالترشيح، يعتمد على المياه الضحلة الغنية بالعوالق. ويعكس تكرار رصده وفرة غذائية عالية، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على أهمية الحفاظ على تدفق المياه العذبة في هذه الأودية الساحلية. وتُظهر هذه المعطيات مجتمعة صورة متكاملة عن واقع الطيور في المغرب، حيث تكشف الأرقام والتوزيعات عن تنوع بيولوجي غني ما زال صامداً، لكنه في الوقت ذاته هش ومعرض للتراجع في حال غياب سياسات حماية فعالة. ويخلص التقرير إلى أن الطيور، بوصفها مؤشرات بيئية حساسة، تقدم قراءة دقيقة لصحة النظم الطبيعية، ما يجعل الحفاظ على موائلها استثماراً مباشراً في مستقبل التنوع البيولوجي والاستقرار البيئي في البلاد.