عندما يطل الزبير بن بوشتى من شرفة "رياض السلطان" في قلب المدينة العتيقة، فإنه لا ينظر فقط إلى مشهد بانورامي لمدينة تتغير ملامحها بسرعة جنونية، بل ينظر إلى تاريخ طويل من الحكايات المنسية والوجوه التي شكلت هوية هذه الحاضرة الكوزموبوليتية. ويمثل هذا الكاتب المسرحي، الذي اختار أن يقيم في التماس بين الواقع والخيال، اليوم ظاهرة ثقافية فريدة في المشهد المغربي، متجاوزا دور المثقف التقليدي الجالس في برجه العاجي إلى دور "الفاعل الميداني" الذي يشتبك يوميا مع أسئلة التنمية والذاكرة والمجال العام. ولا يمكن قراءة مسار بن بوشتى بمعزل عن تحولات مدينة طنجة نفسها. ففي الوقت الذي كانت فيه المدينة تراهن على مشاريع الإسمنت والبنيات التحتية العملاقة، كان هو يراهن على "البنية التحتية الرمزية"، مؤمنا بأن المدن تفقد روحها إذا لم تجد من يحكي قصتها. من هنا، جاءت نصوصه المسرحية الفارقة، مثل "يا موجة غني" و"القدم الحافية" و"زنقة شكسبير"، لتشكل حفريات أنثروبولوجية عميقة في الوجدان الطنجاوي، مستعيدة أصوات الهامش والمنسيين، ومقدمة قراءة مغايرة لتاريخ مدينة طالما سقطت ضحية للتنميط الاستشراقي. ولعل ما يمنح تجربة بن بوشتى هذا الزخم الاستثنائي، هو قدرته النادرة على تحويل النص الأدبي إلى مشروع مجتمعي. فتجربته الترافعية في إنقاذ وتأهيل معلمة "رياض السلطان" وتحويلها إلى فضاء ثقافي نابض بالحياة، تعد نموذجا لما يمكن أن يصنعه "المثقف العضوي" حين يقرر النزول من منصة التنظير إلى معترك الممارسة. ولم يعد هذا الفضاء مجرد مسرح للعرض، بل تحول إلى رئة ثقافية تتنفس من خلالها ساكنة القصبة والمدينة القديمة، ومختبرا لصناعة الفرجة التي تحترم ذكاء المتلقي ولا تتعالى عليه. هذا الانغراس العميق في التربة المحلية، والقدرة على ملامسة هموم الناس وتطلعاتهم عبر بوابة الفن، هو ما يفسر ذلك الحضور اللافت لاسم الزبير بن بوشتى ضمن استفتاء "طنجة 24" لشخصيات السنة، إلى جانب فاعلين مدنيين واقتصاديين. إن هذا الاختيار الشعبي والإعلامي لا يعد مجرد تكريم عابر لمسار فردي، بل هو مؤشر سوسيولوجي دال يعكس نضجا في التلقي العام، واعترافا جماعيا بأن الفعل الثقافي الجاد، الذي يمثله بن بوشتى، لا يقل أهمية وتأثيرا عن المشاريع الاقتصادية والتنموية الكبرى. إنه انتصار لنموذج المثقف الذي يبني الجسور بين النخبة والجمهور، دون أن يتنازل عن معايير الجودة والعمق. أدبيا، يتميز بن بوشتى بأسلوب يجمع بين صرامة التوثيق التاريخي وشاعرية اللغة الدرامية. إنه يكتب بعين سينمائية تلتقط التفاصيل الصغيرة، وبحس موسيقي يضبط إيقاع الحوارات، جاعلا من شخصياته نماذج إنسانية معقدة تتصارع مع أقدارها في فضاءات مشحونة بالدلالات. فطنجة في مسرحه ليست مجرد ديكور خلفي، بل هي "شخصية درامية" رئيسية، متقلبة المزاج، قاسية وحنونة في آن واحد، تفرض سطوتها على الجميع. وفي ظل العولمة الجارفة التي تهدد بمسح الخصوصيات الثقافية، يقف الزبير بن بوشتى كحارس أمين ل "الهوية المنفتحة". إنه لا يدعو إلى الانغلاق على الماضي، بل يعيد صياغته وترميمه ليصبح صالحا للاستعمال في الحاضر والمستقبل. مشروعه هو صرخة هادئة ومتحضرة تذكر بأن التحديث الحقيقي لا يعني هدم القديم، بل يعني ضخ دماء جديدة في شرايينه، وأن الثقافة هي الحصن الأخير الذي يحمي المدن من أن تتحول إلى مجرد كتل باردة من الإسمنت والزجاج.