ان ما يجري ليس مجرد "جولة تصعيد عابرة" هذه المرة. الأمر يتجاوز ذلك في "مواجهة تاريخية حاسمة" تتجوز حدود "إقليم الشرق الأوسط" أو غرب أسيا في خارطة العالم. كان الرهان الامبريالي الصهيوني على "انجاز الصدمة واحداث اهتزاز سياسي واجتماعي- بعد تصفية رأس النظام الإيراني؟- يقود الى سقوط ايران ثم التقسيم والاحتلال والشروع في تنزيل "خارطة الشرق الأوسط الجديد" بقيادة "إسرائيل العظمى؟". تكسر هذا الوهم سريعا على صخرة القوة والاقتدار والصمود الإيراني الخارق" منذ البداية وصدرا على صدر يوم وموجات صواريخ بعد اخرى. وبدلا من أن ينهار الداخل تماسك المجتمع أكثر في اتجاه "تجدد وتشدد أكبر من قبل الشعب والنظام معا". وهكذا, وبالرغم من الضربات المتوالية والقاسية على ايران, كانت هذه الأخيرة تعمي عيون أمريكا وإسرائيل الاستخباراتية والأمنية في منطقة الخليج كلها وتوجه ضربات قاسمة لأصول أميركا وقواعدها وللكيان الغاصب المؤقت في فلسطينالمحتلة, ناقلة المعركة الى جغرافيا أوسع والى مستويات حساسة أوسع (الطاقة-التجارة-الممرات والمضايق…), وأصبح مضيق هرمز ليس مجرد "ممر تجاري حيوي", بل "ورقة فرط-استراتيجية" تنقل هذا النزال المصيري من المجال العسكري الى قلب الاقتصاد العالمي (تكلفة الطاقة والسماد والبضائع والسلع والبورصات والدولار…), مما جعل العالم كله يعيش و"يشعر بكلفة المواجهة" الباهظة. لقد بات واضحا اليوم- بعد دخول هذه المواجهة الكبرى أسبوعها الرابع- أن الحسم قد صار لا يقاس بعدد الضربات أو الأهداف التي تصاب (رغم أهميتها طبعا), بل بالقدرة على الصمود الطويل لكل طرف على تحمل وقع وأثار "الاستنزاف السياسي والاقتصادي والنفسي". وان الصمود الطويل مع النفس الطويل ليشكل عنصر قوة ايران. ان أي مسار تفاوضي تحت الضغط العسكري لن ينجح, لأن القرار-في هذه "الحرب الأخيرة"- لم يعد يصاغ في "الغرف السياسية" المكيفة و" الأروقة المظلمة" المشبوهة, بل في الميدان الساخن الحاسم. وهو ما يكشف عن انتهاء صلاحية "حدود النظام العالمي القديم" وعن موازين القوة والقوى الجديدة التي باتت تتقدم على "النصوص والمؤسسات الدولية القديمة" وعلى الانتقال المضطرد من عالم "الأحادية القطبية" الى "عالم متعدد الأقطاب", في "صدام أوسع بين مشروع غربي يريد الحفاظ على هيمنته وبين "مشروع من خارج الصندوق الغربي" قوى ناهضة ومهيأة ترى أن "لحظة إعادة توزيع النفوذ في العالم قد بدأت بالفعل, وأن المعركة على "قواعد النظام الجديد" قد أوشكت عمليا. في المحصلة, ان من يظن أن ما يجري بين ايران (ومن معها) وبين أميركا وإسرائيل(ومن معهم)مجرد تبادل ضربات لا يرى الصورة كاملة.. "الصورة أوسع بكثير. انها حرب على تعريف الردع الاستراتيجي وعلى معنى السيادة وعلى من يملك القدرة على تحويل الطاقة والجغرافيا والوقت والهوية الى أدوات ضغط وحسم فرط-استراتيجية". ان العامل الحاسم- مرة أخرى- ليس من يوجه ضربات أكثر, بل من يبقي "أصول العدو" كلها تحت نيران الخسائر الفادحة والباهظة, ومن يتحمل فاتورة الحرب أكثر, ومن يصمد أطول, ومن "يفرض تفسيره السياسي للصمود والنفس الطويل". هذه "الأزمة" ليست عابرة أو مؤقتة, بل منعطف تاريخي يعيد رسم موازين القوى في العالم وحدود النفوذ وشكلها القادم". لذلك تعتبر في نظر محللين واستراتيجيين "حرب الحروب" أو "الحرب الأخيرة" في الشرق الأوسط قبيل بزوغ شكل ومضمون النظام العالمي الحديد. أطلقها "طوفان الأقصى" نحو التحرير التحرر و"أفول نظام وزمن الهيمنة الأحادية والتوحش الصهيو-امبريالي, الذي رافق نشوء العالم الانجلوساكسوني منذ الحرب العالمية الثانية وقبلها". لقد سقطت الإمبراطورية البريطانية التي بنت هيمنتها على "عقيدة السيطرة على الأمواج" مباشرة بعد "تأميم قناة السويس".. وفقدان أميركا السيطرة على الممرات التجارية الدولية (مضيق هرمز الشرارة الأولى) يؤدي حتما الى بداية سقوط الإمبراطورية الأميركية الأطلسية، كما يرى العديد من الخبراء. الشرق الأوسط والعالم كله يوجد-اليوم وغدا- في مختبر خيمياء هذه المواجهة الحاسمة على رقعة الشطرنج وتحت رحمة الدومينو وأمام "تبدلات وتغيرات فرط-استراتيجية" واقعة ومقبلة. وان "الصبر الاستراتيجي" و"الصمود الاستراتيجي" لعنصر القوة الحاسم لدى المعتدى عليه, وهو يطلع من جذور وأعماق حضارة ثرية عريقة عظيمة, بقوة الايمان والإرادة والتهيؤ اللازم لصنع التاريخ الجديد وكتابته.