المنتخب الأردني تحت 23 عاما، بقيادة المغربي جريندو، يلاقي روسيا وقرغيزستان وديا في تركيا    بيرواين يسحب نيابته القانونية ويعيد ملفات النزاعات للرجاء    وفاة تشاك نوريس نجم أفلام المغامرات والفنون القتالية عن 86 عاما    أيام لوكيوس المسرحية بالناظور    طنجة : ضبط كمية من المخدرات داخل تجاويف الأسماك    عامل إقليم بولمان يؤدي صلاة عيد الفطر وسط حشود كبيرة من المصلين بمصلى ميسور    عيد فطر حزين ومؤلم لمسلمي القدس.. الصلاة ممنوعة بالمسجد الأقصى    رياض السلطان يختتم برنامج مارس بعرضين مسرحيين    مهرجان لاهاي لسينما المرأة يختتم دورته الأولى    كرة القدم الإسبانية.. مدرب أتلتيك بلباو إرنستو فالفيردي يغادر منصبه نهاية الموسم    الوداد – أولمبيك آسفي. المباراة الحاسمة للتأهل إلى نصف النهائي    يورتشيتش: تفاصيل تحسم مواجهة الجيش    منتخب فلسطين يعتذر عن عدم خوض وديتي موريتانيا وبنين بالمغرب    نشرة إنذارية.. زخات رعدية ورياح قوية مرتقبة بعدد من مناطق المغرب    تعليق الرحلات البحرية بين طريفة وطنجة بسبب سوء الأحوال الجوية    بعد أن رفضوا مساعدته في حربه ضد إيران.. ترامب يصف دول حلف الأطلسي ب "الجبناء"    مقاييس الأمطار بالمغرب في 24 ساعة    صلاة وفرحة عيد الفطر في هولندا: مناسبة تجمع أفراد الجالية المغربية    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت        ميناء طنجة المتوسط.. إحباط محاولة تهريب 4 اطنان من الحشيش    سحب دواء موجه لحديثي الولادة بالمغرب    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    تحذيرات أمنية لكأس العالم وتأخر التمويل يربك استعدادات الولايات المتحدة    المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تندد بتضييق السلطات الجزائرية على جمعية عائلات المفقودين وتدعو إلى رفع القيود    الحرس الثوري الإيراني يعلن مقتل المتحدث باسمه في ضربات إسرائيلية وأمريكية    إسرائيل وإيران ترفعان وتيرة الهجمات وسط اضطراب في أسواق الطاقة    توقيف جندي إسرائيلي بشبهة التجسس    إسبانيا تخفّض ضريبة الوقود والكهرباء    جلالة الملك يصدر عفوه السامي على 1201 شخصا بمناسبة عيد الفطر السعيد    الاتحاد الأوروبي يقترح خفض الضرائب على الكهرباء لمواجهة صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب    سريلانكا ترفض طلبا أمريكيا لاستخدام أراضيها في الحرب على إيران    تراجع أسعار النفط بفعل تحركات غربية    الصين: علماء يزرعون جزيرات البنكرياس المستخلصة من الخلايا الجذعية لعلاج داء السكري من النوع الأول    أمرابط والزلزولي يتألقان مع بيتيس    بايتاس: دعم مهنيي النقل موجّه للمواطنين لأنه يضمن استقرار أسعار السلع والخدمات    بايتاس: الدعم الاستثنائي للنقل موجه لحماية القدرة الشرائية للمواطنين            مطار مراكش المنارة يتوج بجائزة أفضل مطار جهوي في إفريقيا    الملك يعفو عن 1201 شخصا بمناسبة عيد الفطر    حجز وإتلاف 602 طنا من المواد غير الصالحة للاستهلاك خلال رمضان    الحكومة تصادق على ثلاثة مراسيم جديدة تهم القطاع الصحي    عابر كلمات.. "سيرة الألم من الذات إلى العالم"    الأحمر يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    صيادلة المغرب يرفضون توصيات مجلس المنافسة ويحذرون من "خوصصة مقنّعة" للقطاع    لجنة البطاقة الفنية تنهي دراسة الطلبات المودعة الى غاية 31 دجنبر الماضي    ظل الأفعى    قصف "المركز الثقافي للكتاب ببيروت"    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحرب الأمريكية على إيران.. بين الرهانات الجيو اقتصادية والعوامل الجيو عسكرية
نشر في الصحيفة يوم 17 - 11 - 2022


د محمد شقير
الثلاثاء 17 مارس 2026 - 1:17
الحرب الأمريكية على إيران.. بين الرهانات الجيو اقتصادية والعوامل الجيو عسكرية
واكب اندلاع الحرب الصاروخية بين التحالف العسكري الأمريكي ضد إيران جدل سياسي تركز حول من جر الآخر للحرب، حيث قدر العديد من المحللين الأمريكيين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الذي جرّ الرئيس الأميركي إلى الحرب ضد إيران.
فقد ترسخت القناعة في الولايات المتحدة بأن دونالد ترامب "قد انقاد وراء حليفه بنيامين نتنياهو"، وخصوصاً بعد التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية ماركو روبيو، يوم الاثنين في 2 مارس 2026، أمام أعضاء في الكونغرس، ومفادها أن واشنطن "كانت على علم بأن إسرائيل تُحضّر لهجوم على إيران، وأن هذا الوضع كان يُنذر بردود فعل ضد القوات الأميركية في المنطقة"، وهي التصريحات التي فسّرها العديد من المشرعين والمعلقين بأنها "اعتراف ضمني بأن الولايات المتحدة قد انجرّت إلى التصعيد العسكري وراء إسرائيل".
بيد أن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، زعمت أن تصريحات ماركو روبيو "أُخرجت من سياقها"، وأن الرئيس "اتخذ قراره بصورة مستقلة". وصرح دونالد ترامب من البيت الأبيض: "ربما أكون أنا قد أجبرت إسرائيل على اتخاذ هذا القرار"، مؤكداً أن الولايات المتحدة تحركت "رداً على تهديد وشيك من إيران." وعندما سُئل عن الموضوع يوم الثلاثاء في 3 مارس 2026 في المكتب البيضاوي، برفقة المستشار الألماني فريدريش ميرز، أوضح "أن إسرائيل لم تكن هي من دفعت واشنطن إلى التحرك، بل العكس هو الصحيح".
وقال للصحافيين: "بالنظر إلى مسار المفاوضات، ظننتُ أنهم (إيران) سيبدؤون الهجوم أولاً، ولم أكن أرغب في حدوث ذلك، لذا ربما دفعتُ إسرائيل إلى اتخاذ موقفٍ حاسم. لكن إسرائيل كانت مستعدة، وكنا نحن أيضاً مستعدون".
من هنا يظهر أن الإعلان الأمريكي الإسرائيلي الحرب على إيران لم يكن نتيجة "لانجرار شخصي" بين قائدي البلدين كما يحاول أن يتم تبسيطه من طرف بعض المحللين الغربيين ، بل هو ثمرة لعوامل جيوستراتيجية اقتصادية وعسكرية أمريكية وأهدافا سياسية وعسكرية إسرائيلية . ففي منطق شن الحروب لفهم من أراد الحرب، لا بد أولاً من فهم من احتاج إليها
سياق الإعلان الأمريكي الإسرائيلي الحرب على إيران
من المثير أن إعلان الرئيس ترامب الحرب على إيران والمشاركة في توجيه ضربات عسكرية في العمق الإيراني أدت إلى اغتيال جزءا من القيادة العليا السياسية والعسكرية الإيرانية قد تم بدون اقتناع من طرف أوساط واسعة من الرأي العام الأمريكي بضرورة هذه الحرب بما فيها القوى المساندة للرئيس ترامب.
فأنصار حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، الذين ساهموا مساهمة فاعلة في جعل دونالد ترامب يصل مرتين إلى البيت الأبيض، ظلوا يعارضون قيام الولايات المتحدة بشن حروب خارجية خاصة بمنطقة الشرق الأوسط خصوصا بعد تداعيات حرب غزة . كما أن أغلبية الأميركيين عارضت بشدة مشاركة إدارة دونالد لترامب في الحرب الجارية على إيران. فقد أشارت استطلاعات رأي أجرتها عدة جهات إعلامية، منها "سي إن إن" و"رويترز" و"واشنطن بوست"، إلى أن أغلبية الأميركيين لا تُؤيد الضربات الأميركية على إيران.
حيث عارض ما يقرب من ستة من كل عشرة أميركيين هذه العملية العسكرية، بينما ورد في استطلاع رأي أجرته مؤسسة "إبسوس" لصالح "رويترز" أن نسبة المؤيدين للحرب لا تتجاوز 27%. وإذ أشار المؤيدون للحرب، في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست"، إلى "الرغبة في وقف البرنامج النووي الإيراني، ومعارضة النظام الحالي، والثقة في قيادة ترامب"، فإن المعارضين لها "أدانوا، عدم الحصول على موافقة الكونغرس، واستنكروا التصعيد غير المبرر، أو أعربوا عن معارضة أخلاقية للحرب".
وقد أثار تدخل دونالد ترامب في الحرب انقساماً حتى داخل حزبه، إذ لم تؤيد العملية في إيران سوى نسبة 76% من الجمهوريين، وفقاً لشبكة "سي إن إن"، بينما عارضت نسبة 38% منهم بشدة نشر القوات الأميركية على الأرض. ورأى 17 % ممن شملهم استطلاع صحيفة "واشنطن بوست" أن التدخل الأميركي في إيران يتيح لدونالد ترامب "استعراض قوته"، بينما اعتقد 12% أنه تصرف بهذه الطريقة "لتحقيق الاستقرار في المنطقة وإنقاذ الإيرانيين"، وأرجع 8% التدخل إلى رغبة ترامب في "صرف الأنظار عن قضية إبستين وغيرها من القضايا".
وبينما عبّر 54% من الأميركيين عن اعتقادهم بأن إيران ستصبح "تهديداً أكبر للولايات المتحدة بعد هذه العملية"، رأى 28% منهم فقط أن القصف "سيقلل من الخطر الذي تشكله إيران".
ووفقاً لصحيفة "واشنطن بوست"، يشعر ثلاثة أرباع الأميركيين بالقلق إزاء احتمال نشوب حرب مفتوحة مع إيران، ويقول 40% منهم إنهم "قلقون للغاية". وتقدّر صحيفة "نيويورك تايمز" أن المعارضة للحرب ستتزايد مع استمرارها، مستشهدةً بالتراجع التدريجي لتأييد التدخل العسكري الأميركي في العراق، إذ إن "معظم الأميركيين أيدوا التدخل العسكري، لكن تأييدهم انخفض بنحو 30 نقطة مئوية مع تصاعد الصراع".
ولعل هذا التباين في الآراء والمواقف بين الأمريكيين حيال المشاركة في هذه الحرب يرجع بالأساس إلى تراجع الرئيس ترامب عن وعوده السياسية السابقة .فقد انتخب دونالد ترامب من بين أمور أخرى، بناءً على وعد صريح منه بتجنب انخراط الولايات المتحدة في تدخلات عسكرية خارجية مكلفة وغير ضرورية.
ولم يكن شعار "أميركا أولاً" مجرد شعار، بل كان "تشخيصاً لعقدين من الحروب الخاسرة في أفغانستان والعراق". من هنا يجد الرئيس نفسه على رأس عملية عسكرية كبرى ضد إيران، دون أي دعم شعبي، ودون أي مصلحة اقتصادية مباشرة واضحة، وبذريعة تهديد "سخيف" في نظر الخبراء العسكريين، هو تهديد صواريخ إيرانية "قادرة على ضرب الأراضي الأميركية".
2-الرهانات الجيو اقتصادية للحرب الأمريكية ضد إيران
تأتي هذه العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران كجزء من تحوّل استراتيجي أوسع يتجسد في دمج الأمن الاقتصادي والهيمنة التكنولوجية ومرونة سلاسل التوريد في صميم الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية تحوّل التفكير الاستراتيجي لواشنطن بشكل حاسم من أولويات حقبة مكافحة الإرهاب إلى التنافس القائم على القدرة الصناعية والسيطرة على البنية التحتية والأنظمة التكنولوجية. كما لم تعد طرق الطاقة وسلاسل إمداد المعادن ومدخلات أشباه الموصلات وشبكات البيانات تُعامل كشواغل تجارية فحسب، بل تُعتبر الآن أصولاً للأمن القومي الأمريكي.
وفي هذا الإطار، تقاطع عدم الاستقرار المحيط بإيران بشكل مباشر مع العديد من الركائز الناشئة للاستراتيجية الأمريكية. فإيران تحتل موقعاً بالغ الحساسية في النظام الاقتصادي العالمي. ولا يزال مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ ينقل نحو خُمس النفط المتداول عالمياً وحصة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال.
وقد فرضت حالة عدم اليقين المستمرة حول هذا الممر المائي - سواء من خلال القدرات الصاروخية أو مخاطر المضايقات البحرية، سواء من قبل إيران أو وكلائها في المنطقة، تكاليف هيكلية على التجارة العالمية. كما يؤثر تقلب أسعار الطاقة بشكل مباشر على التضخم والقدرة التنافسية للصناعات التحويلية والتخطيط الصناعي في الاقتصادات الحليفة.
وفي الوقت نفسه تضع قاعدة موارد إيران نفسها في قلب المنافسة الناشئة على المعادن الحيوية الضرورية للصناعات المتقدمة وتقنيات الطاقة النظيفة وأنظمة الدفاع. فوجود رواسب النحاس والزنك والليثيوم، بالإضافة إلى مركبات العناصر الأرضية النادرة، يجعل من إيران مورداً محتملاً طويل الأجل ضمن سلاسل التوريد الصناعية للجيل القادم. وقد اتجه جزء كبير من هذا الإنتاج بشكل متزايد نحو الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين، غالباً عبر شبكات للتحايل على العقوبات تعمل خارج نطاق الرقابة المالية الرسمية.
ومن وجهة نظر واشنطن فقد خلق هذا التقارب تناقضاً استراتيجياً: فبينما كانت الولايات المتحدة وشركاؤها يسعون لبناء أنظمة صناعية مرنة مستقلة عن المنافسين الجيوسياسيين وعلى رأسهم الصين ، كان هناك فاعل إقليمي رئيسي يسيطر على نقاط الاختناق في قطاع الطاقة وعلى تدفقات الموارد البديلة التي تفيد التكتلات الاقتصادية المتنافسة.
وقد ازداد هذا التخوف الامريكي وضوحاً مع تسارع مبادرات الربط الجديدة، حيث يهدف الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC، الذي طُرح لأول مرة عام 2023) إلى ربط القدرات التصنيعية في جنوب آسيا بمراكز الطاقة في الخليج والأسواق الأوروبية عبر بنية تحتية متكاملة للسكك الحديدية والموانئ والهيدروجين.
ولا يقتصر هذا المشروع على تحسين كفاءة الخدمات اللوجستية فحسب، بل يعكس محاولة لإعادة تشكيل جغرافية التجارة الأوراسية حول شركاء متوافقين بدلاً من طرق عبور متنازع عليها.وقد توسعت الجهود الموازية من خلال ما يصفه صناع السياسات وقادة الصناعة بشكل متزايد بأطر الأمن الاقتصادي المنسقة.
حيث أدى توسيع اتفاقيات التعاون في مجال المعادن في إطار مبادرات مثل FORGE إلى إدخال عشرات الدول في ترتيبات تمويل وتكرير وشراء مشتركة تهدف إلى استقرار الوصول إلى المدخلات الأساسية. كما أنه في الوقت نفسه، بدأت تحالفات القطاع الخاص - التي تُجمع تحت المفهوم الناشئ "باكس سيليكا" - في مواءمة الاقتصادات المتقدمة في مجالات أشباه الموصلات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومعالجة المواد.
وبالتالي تشير هذه المبادرات مجتمعة إلى مبدأ تنظيمي جديد للاستراتيجية الأمريكية الكبرى يقوم على تأمين الأسس المادية والرقمية للقوة الاقتصادية قبل أن تشتد المنافسة الدولية . الشيء الذي يفسر لجوء الولايات المتحدة لشن ضرباتها الصاروخية في هذا التوقيت بعدما هيأت لها من خلال انتشار عسكري أمريكي واسع النطاق حول إيران، حيث تمركزت حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في بحر العرب، ترافقها مجموعة من المدمرات والسفن الداعمة ضمن ما يُعرف بالمجموعة الضاربة، وهي تشكيل بحري قتالي متكامل قادر على تنفيذ عمليات هجومية ودفاعية في آن واحد.
وتحمل الحاملة "لينكولن" على متنها نحو 80 طائرة بين مقاتلات ومروحيات، مما يمنحها قدرة عالية على تنفيذ ضربات جوية بعيدة المدى، وتأمين غطاء جوي للقوات البحرية، فضلا عن مهام الاستطلاع والمراقبة والدعم اللوجيستي.
ولا يقتصر هذا الانتشار البحري الأمريكي على بحر العرب، بل شمل وجود قطاعات عسكرية من الأسطول الأمريكي قرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميا، إضافة إلى مدمرات أمريكية قبالة شواطئ إسرائيل، في توزيع يعكس تعدد محاور التموضع الأمريكي بالمنطقة.
ولتعزيز هذا التواجد العسكري الأمريكي المكثف، فقد عبرت حاملة الطائرات "جيرالد فورد" مضيق جبل طارق متجهة نحو شرق البحر المتوسط، في خطوة عززت الوجود البحري الأمريكي وقربت واشنطن من تشكيل قوة مزدوجة من حاملتي طائرات في الإقليم.
فبوصول "فورد" اكتمل أحد أكبر أشكال الانتشار البحري الأمريكي في المنطقة منذ سنوات، خاصة مع ما يرافق الحاملتين من مدمرات وسفن دعم برمائية وسفن إمداد، بما يشكل ما يشبه "أرمادا" بحرية متكاملة. ولعل هذا الانتشار العسكري الأمريكي لا يعكس فقط الرهان على التفاوض بشأن تحقيق إيران لقدرتها النووية أو التقليص من قدراتها الباليستية، بل يعكس رهانا استراتيجيا للسيطرة الأمريكية على ممر مختلف مدخلات القوة الاقتصادية للدول الصناعية بما فيها الصين، وذلك على غرار ما تم من تحكم أمريكي في مقدرات فنزويلا البترولية بإسقاط نظام الرئيس مادورو الذي شجع التواجد الصيني الروسي بمنطقة تعتبر منطقة نفوذ أمريكي وفق مبدأ مونرو بينما النظام الإيراني يهدد المصالح الأمريكية في منطقة كانت دائما تعتبر من ضمن أولويات الاستراتيجية الامريكية.
ووفق هذا المنظور، لم تقتصر الضربات الأمريكية ضد إيران على معالجة المخاوف الأمنية المباشرة فحسب، بل شملت أيضاً معالجة المخاطر طويلة الأمد التي قد تنجم عن استمرار عدم الاستقرار المحيط بإيران، والذي قد يُقوّض البنى الاقتصادية الناشئة التي تُشكّل جوهر الاستراتيجية الأمريكية.
3-العوامل الجيو عسكرية للحرب الأمريكية ضد إيران
قامت الاستراتيجية الامريكية اتجاه إيران بالعمل على عدم حصولها على أي قوة نووية حتى في استعمالاتها المدنية. ولعل هذا ما يفسر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 مايو 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة)، بعدما وصفه ب"المعيب" و"أحادي الجانب".
فقد اعتبر ترامب أن الاتفاق الذي تم توقيعه عام 2015 في عهد أوباما لم يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي بل أجل ذلك فقط، ووصفه بأنه "كارثي" ولم يجلب السلام. وبالتالي ، فقد فرض عقوبات اقتصادية مشددة على طهران بهدف الحد من برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. شملت قطاعات حيوية مثل النفط والمال، ضمن استراتيجية "الضغط الأقصى".
وقد أدى هذا القرار إلى إنهاء فعلي للقيود التي كان يفرضها الاتفاق على برنامج إيران النووي، مما جعل الملف النووي الإيراني معلقاً بين المفاوضات والضغوط حتى بعد انتهاء ولاية ترامب الأولى.
وفي هذا السياق يمكن فهم الضربات الأمريكية في 22 يونيو 2025، حيث شنت الولايات المتحدة عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "عملية مطرقة منتصف الليل"، استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية رئيسية: فوردو، ونطنز، وأصفهان. وقد نُفذت الضربات باستخدام قاذفات "بي-2 سبيريت" (B-2 Spirit) المزودة بقنابل خارقة للتحصينات، وذلك في سياق تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل.
وعلى الرغم من إعلان الرئيس دونالد ترامب نجاح هذه العملية، واعتبرها خطوة لإنهاء البرنامج النووي الإيراني، فقد قللت طهران من حجم الأضرار الناجمة عن هذه الضربات الأمريكية، مؤكدة أن منشآتها النووية الحيوية لم تُمس جوهرياً، وأنها نقلت المواد النووية إلى أماكن سرية مسبقاً. ولعل هذا ما أكدته تقارير استخباراتية لاحقة (مثل تقرير "سي إن إن") إلى أن الضربات ربما لم تدمر العناصر الأساسية للبرنامج النووي، وأنه قد تكون أعاقت تقدمه لعدة أشهر فقط.
وبالتالي، فقد شهدت المفاوضات الأمريكية الإيرانية بشأن البرنامج النووي جموداً مستمراً، حيث حال انعدام الثقة، وتضارب المصالح الاستراتيجية، وضغوط الأطراف الإقليمية -خاصة إسرائيل- دون تحقيق اختراق حقيقي. فرغم اللقاءات الدبلوماسية بين الطرفين، بقيت مواقفهما متباعدة بشأن قضايا التخصيب والترسانة الصاروخية: فإيران كانت ترى في قدراتها النووية والصاروخية أدوات ضرورية لضمان بقائها في منطقة مضطربة، بينما تعتبرها واشنطن تهديداً لموازين القوى.
كما تعزز لدى طهران قناعة بأن الولايات المتحدة "شريك غير موثوق" بعد انسحابها السابق من الاتفاق النووي. مما جعل المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف أو بسلطنة عمان تصل إلى الباب المسدود.
فقد اشترطت الولايات المتحدة وقف التخصيب على الأراضي الإيرانية، بينما تؤكد طهران تمسكها بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي، وترفض إدراج قدراتها الصاروخية ضمن أي اتفاق جديد، مما يعقد فرص التوصل إلى تسوية سريعة. وأمام تعثر هذه المفاوضات وعدم توافق نتائجها مع أهداف الاستراتيجية الأمريكية ، قدرت إدارة ترامب أن الفرصة مواتية للضغط على إيران قصد الرضوخ لشروطها من خلال اللجوء إلى القوة العسكرية نتيجة تراجع نفوذها الاستراتيجي سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي :
-فعلى الصعيد الداخلي فقد أدت سنوات من العقوبات التي استهدفت شبكات نقل النفط إلى تقييد تدفقات الإيرادات بشكل حاد. كما شهد الريال الإيراني انخفاضاً مستمراً في قيمته وسط تضخم مرتفع، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية وتفاقم السخط الشعبي. في واجهت آليات التجارة غير الرسمية، التي كانت تخفف من حدة العقوبات، تشديداً متزايداً في تطبيقها، مما قلص الحيز المالي المتاح للدولة.
-أما على الصعيد الإقليمي، فقد واجهت شبكة الميليشيات الشريكة لإيران ضغوطاً عملياتية متزايدة في أعقاب حملات عسكرية متواصلة في عدة جبهات. ولاحظ المحللون انخفاضاً في فعالية التنسيق وتزايداً في الضغوط اللوجستية لدى الجماعات التي كانت تشكل سابقاً ركيزة أساسية لاستراتيجية الردع لدى طهران. ورغم قدرتها على الرد، بدت الشبكة الأوسع نطاقاً أقل تناسقاً مما كانت عليه في المراحل السابقة من المواجهة الإقليمية.
وربما تكون هذه العوامل مجتمعة قد أدت إلى بدأ الولايات المتحدة لضرباتها العسكرية بتنسيق مع إسرائيل باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي مع قيادات عسكرية وسياسية. في توقع لإمكانية إسقاط نظام متشدد نجح منذ صعوده في ضرب الهيبة الأمريكية في المنطقة بعدما حاصر السفارة الأمريكية بطهران ونجح في إفشال عملية إنقاذ الطاقم الدبلوماسي من طرف قوات تدخل أمريكية بقرار من الرئيس كارتر.
في حين شنت إيران هجمات صاروخية ضد بنى تحتية مرتبطة بالولايات المتحدة ودول الخليج، في إشارة على عزمها توسيع نطاق الحرب لتشمل ليس فقط القواعد الامريكية بالخليج وضرب العمق الإسرائيلي ، بل امتدت إلى قبرص متبنية نهجا تصعيديا سخرت فيه النخبة الحاكمة المتشددة الجديدة بزعامة مجتبي مختلف الصواريخ البالستية التي تتوفر عليها الترسانة العسكرية الإيرانية .
وعلى العموم ، فكيفما كانت مدة هذه الحرب والخسائر الناجمة عنها ، فطبيعة الحرب الأمريكية على إيران ليست للردع فقط، بلهي في العمق نابعة عن استراتيجية أمريكية لاستغلال الظرفية الدولية والإقليمية الحالية قبل اشتداد المنافسة بين القوى العظمى على الطاقة والمعادن النادرة والممرات المائية . فمن الواضح أن المنافسة العالمية قد دخلت مرحلة تتكامل فيها العمليات العسكرية والتخطيط الاقتصادي والبنية التحتية التكنولوجية ضمن سياق استراتيجي واحد.
حيث ينبغي أن تقارب الحرب الأمريكية على إيران لا كغاية نهائية، بل كإشارة إلى تحول أوسع نطاقاً، لا يُحسم فيه التنافس بين القوى العظمى بالجيوش أو التحالفات فحسب، بل بمن يضمن مسارات الطاقة وتدفقات المعادن وشبكات البيانات التي ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.
الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.