انتظرتُ مرور أسبوع كامل للتعليق على ما دار في البرنامج السياسي الجديد الذي دشنته القناة الثانية، باستضافة كل من نبيل بنعبد الله ومجموعة من الضيوف، ضمنهم شاب ينتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، ريثما يهدأ صخب الضوضاء الذي أثارته الملاسنات العبثية التي نشبت بين بنعبد الله، الذي أمضى نصف عمره في بلاتوهات القنوات حتى صار جزءاً من أثاثها، وبين ذلك الشاب الذي "قطّر به السقف" فجأة، ليجد نفسه وجهاً لوجه مع ديناصور سياسي لم يعد يملك سوى بلاغة مستهلكة، وحذلقة لغوية تُجيد الرقص على حبال السذاجة. وإذا كان الشاب التجمعي قد أثار اشمئزاز المشاهدين الذين تفاعلوا مع البرنامج في منشورات عديدة على فيسبوك وتويتر، في مقابل الإشادة ببنعبد الله الذي استعرض أستاذيته المزيفة في ضبط النفس، فإن الحقيقة الكامنة خلف هذا "البوز" تؤكد أننا لسنا أمام نقيضين، بل أمام تكامل مريب في العبث. فبينما برز الشاب مهدي يسيف كنسخة فجة ونيئة لسياسة لا تملك من الزاد سوى الاندفاع المأجور، لم يكن نبيل بنعبد الله في الواقع سوى النسخة المنقحة والمنمقة من الإفلاس السياسي ذاته؛ حيث ظل، طوال زمن البرنامج، يتدثر بجلباب الوقار اللغوي ليخفي حقيقة كونه شريكاً تاريخياً في صناعة هذا البؤس الذي نتجرع مرارته اليوم. الذين يتابعون مسار نبيل بنعبد الله منذ بدايته، يدركون جيداً أنهم أمام نسخة متحورة لرجل استنفد كل رصيده، وفقدَ آخر خيوط الأمل في العودة إلى الحياة السياسية من باب المسؤولية الوزارية أو غيرها، بعدما تم الإجهاز على مساره الحكومي في أعقاب الزلزال السياسي لسنة 2017، ليتحول منذ ذلك الحين إلى مجرد ظاهرة صوتية بلا صدى، يقتات على أضواء بلاتوهات التلفزيون والمواقع الإخبارية ليداري عجزه عن استعادة لعب أدوار "البيدق" فوق رقعة المخزن. يقول عبدالله العروي إن عدو رجل السياسة هو المؤرخ، لأنه يُذكّر ويتذكّر، ويقول الفرنسيون إن أقصر شيء عند رجل السياسة هو ذاكرته، ونحن لا ننسى أن الرفيق بنعبد الله، صاحب الشارب المشذّب بعناية، ساهم في وقت من الأوقات في الوصول بالبلد إلى هذه الدرجة من التذمر التي تسكن اليوم وجداننا؛ هو الذي قضى سنوات طوال يتنفس هواء المخزن ويقتسم كعكته وينفذ أجندته، قبل أن يستيقظ فجأة، بعدما تم صرفه عن الخدمة، ليتقمص دور المعارض الشرس أمام شاب حديث العهد بالسياسة، لا يلهث وراء شيء آخر سوى انتزاع حصته من "الگاميلة". المشكلة مع نبيل بنعبد الله، هي أنه ينسى أو يتناسى، أننا إذا كنا اليوم نرزح تحت ثقل هذا الفراغ السياسي وهذا الهوان الذي بلغ مداه، فإنه كان من السباقين إلى وضع اللبنات الأولى لهذا المآل الذي نكتوي اليوم بنيرانه؛ أيام كان وزيراً للاتصال في بدايات العهد الجديد. وقتها، لم يجد "الكاماراد" نبيل غضاضة في شن حرب ضارية على الصحافة المستقلة التي كانت تحاول، بكثير من العناد والقليل من الضمانات، أن تساهم في بناء مغرب آخر غير هذا الذي نعيشه اليوم، حيث استعمل كل أدوات التقليم والتبخيس والتحجيم لإيقاف ذلك المد الصحفي، مساهماً بفعالية في تجريف الحقل الإعلامي وتسليمه لقمة سائغة لهذا الابتذال الرخيص الذي نتقيأ رداءته اليوم. إن الذاكرة الجماعية لا يمكن أن تنسى كيف أنه، عندما كان إدريس جطو يُصرّح بليونة من شرفة الإليزيه، سنة 2003، بأن قضية علي المرابط في طريقها للحل باعتدال، كان بنعبد الله يهرول بين القنوات الفرنسية لشيطنته ونفي صفة الصحافي عنه. وقتها، لم يكتفِ "الرفيق" نبيل باتهام المرابط بتقويض المسار الديمقراطي للبلد وممارسة السب بإيقاع يومي، بل بلغت به شهوة إرضاء الجهات إياها حدّ الانحدار اللغوي بوصفه مدير مجلة "دومان" ب"المسطّي". وعندما أجرت أسبوعية "الجريدة الأخرى" سنة 2005 استطلاعاً حول شخصية السنة، احتل فيه الملك محمد السادس المرتبة الثانية أمام رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة إدريس بنزكري، لم يتوانَ بنعبد الله في "تغراق شقف" الجريدة، متهماً إياها بالإساءة إلى الملك وانطوائها على نية سيئة تجاه مؤسسات البلد، ليأتي الدور سنة 2007 على مجلة "نيشان"، حيث لم يتردد في القول، في تصريح ل "ليكونوميست"، بأن تجربة أحمد بن شمسي لا تفرق بين حرية التعبير و"الضّسارة". وبنفس "الضسارة" التي كان يهاجم بها الصحافة المستقلة عندما كان وزيراً للاتصال وناطقاً باسم الحكومة، تراجع الرجل، وهو وزير للسكنى، بخفة تثير الشفقة، عن التصريحات القوية التي أدلى بها لأسبوعية "الأيام" سنة 2016، بعدما شرب من حليب السباع للحظة عابرة، وألمحَ إلى أن فؤاد عالي الهمة يجسد روح "التحكم"، قبل أن يقرّعه ببلاغ ناري صدر عن الديوان الملكي، عشية انطلاق الحملة الانتخابية، يتهم من خلاله "الشيوعي الأول" في المملكة بممارسة التضليل السياسي واستعمال مفاهيم تسيء لسمعة الوطن وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات. ولعل بنعبد الله، وهو يطلق تلك التصريحات، نسي أنه مدين للتحكم باستوزاره لأول مرة سنة 2002، في الوقت الذي لم يزكّه "الرفاق" للترشح للانتخابات، بعدما فشل، سنة 1997، في انتزاع مقعد برلماني في دائرة المدينة القديمة للدار البيضاء، التي كان يترشح فيها علي يعتة؛ ليصبح بذلك مدير نشر "البيان" الخادم الوفيّ لنفس التحكم الذي خرج لاحقاً يهاجمه في 2016، متأثراً بتحالفه المنافي للطبيعة والمنطق مع الإسلاميين، وربط مصيره بمصير عبد الإله بنكيران الذي كان وقتها نجماً ساطعاً في سماء السياسة؛ رأى فيه "الحاج الشيوعي"، بحسّه الانتهازي، المظلة المثالية التي ستحميه من شمس النسيان وتضمن له البقاء في كنف المخزن، بعد عودته الباهتة من روما التي لم يطل مقامه فيها. إن بنعبد الله، بخطاباته وحواراته وتصريحاته وحتى شطحاته، لا يخترع العجلة ولا يخرج على النوطة الموضوعة، بل هو فقط يمشي على درب من سبقه من أعضاء "النخبة المخزنية" في الأحزاب السياسية، الذين جعلوا من أنفسهم قنوات لتصريف مشيئة المخزن داخل الأحزاب، بدافع الخوف أو الطمع، أو كليهما. هذه النخبة، التي يعد بنعبد الله من أكبر زبنائها، تقوم بتجارة مزدوجة؛ فهي تبيع نفسها للمخزن، وتبيع المخزن لحزبها، معتقدة بذلك أنها ذكية و"مطوّرة"، وأنها ستربح على الواجهتين، ولكنها في الأخير لا تخدم لا نفسها ولا الدولة، بل تعمّق فقط عزلة الدولة عن المجتمع، وتقامر باستقرار البلاد وسلمها الإجتماعي، وتجهز على ما تبقى من أمل ديمقراطي. في نهاية المطاف، سيبقى كل ما نخطّه اليوم من آراء وانتقادات ومواقف، شهادة حيّة في سجلات تاريخ المغرب على زمن المسخ السياسي الذي نعيشه اليوم؛ أما بنعبد الله وذلك الشاب التجمعي ومن على شاكلتهما، فلن يجد التاريخ في ذاكرته متسعاً لذكرهم، لأنهم ليسوا سوى عابرين في سياسة عابرة بلا مجد ولا قيمة.. ومن يعش سيرى.