برعلا زكريا مقالات يكتبها الكاتب زكريا برعلا للموقع الموقع الإخباري "العرائش أنفو". تتناول هذه المقالات مجموعة متنوعة من المواضيع مثل الظلم الاجتماعي ("هل من حقنا أن نمرض؟" و"رمزية الوزير… وكابوس الأجير")، ونقد السلطة ("برلمانيون.. فوق القانون")، والقضايا الوطنية ("تاريخ المغرب أغلى من الذهب")، وحتى قصص ذات مغزى أخلاقي ("أستاذ وعاملة فراولة!"). قدم جون واتربوري في سياق تحليله للسوسيولوجيا السياسية بالمغرب فرضية علمية شديدة الذكاء والعمق تعتبر أن المملكة تمثل حالة فريدة من الثبات الهيكلي الراسخ. استند الباحث الأمريكي في طرحه هذا على مشاهداته الميدانية منتصف الستينات وعلى أدبيات النظرية الانقسامية ليخلص إلى أن المغرب يعيش حالة دائمة مما يبدو توترا يوشك على الانفجار دون أن يحدث ذلك أبدا. يرى واتربوري أن هذا التوتر الظاهري والعنف الرمزي أو المادي الذي يطفو على السطح ليس مؤشرا على انهيار وشيك بقدر ما هو آلية وظيفية لتأطير السكون وإعادة إنتاج التوازنات القائمة. المجتمع وفق هذه الرؤية يمتلك قدرة عجيبة على امتصاص الهزات العنيفة وتحويل الصراعات الداخلية إلى وقود لاستمرار النسق السياسي والاجتماعي بدلا من تقويضه، حيث تظل البنيات العميقة ثابتة وساكنة رغم الحركية الصاخبة التي تظهر في الواجهة. تكتسب هذه النظرية وجاهتها حين نمررها على مصفاة التاريخ المغربي المعاصر، فقد شهدت البلاد منعطفات كانت كفيلة بتغيير خرائط دول أخرى لكنها في الحالة المغربية ذابت وسط تيار الاستمرارية. يمكن العودة هنا إلى المحاولات الانقلابية في مطلع السبعينات التي اعتبرها واتربوري نفسه دليلا على صحة نظريته، إذ لم تكن تلك الأحداث سوى رجات عنيفة أعادت ترتيب الأوراق داخل نفس الكتاب دون تمزيقه. وبينما كانت الايديولوجيات القومية واليسارية تعصف بأنظمة ملكية وجمهورية في المنطقة العربية وتدخلها في دوامات من المجهول، حافظت البنية المغربية على تماسكها مبرهنة على أن الصراع جزء من إدارة الاستقرار لا نقيض له. هذه المرونة التاريخية جعلت من النظام السياسي والاجتماعي كائنا حيا يجدد جلده دون أن يغير حمضه النووي، مستفيدا من تعددية الولاءات وتداخل المصالح بين المركز والأطراف. استمر هذا النسق في العمل بفعالية مذهلة مع حلول موجات الربيع العربي التي أسقطت عروشا وأنظمة بدت راسخة، حيث برزت العبقرية المغربية في التعامل مع الشارع الغاضب بأسلوب الاحتواء والاستيعاب بدلا من الصدام الصفري. تحول الحراك الشعبي وقتها إلى ورش إصلاحي دستوري امتص الاحتقان وأعاد ضخه في قنوات المؤسسات القائمة، ليخرج المغرب من عنق الزجاجة بأقل الخسائر الممكنة وبشرعية متجددة. لقد أثبتت تلك المحطة أن المجتمع المغربي يميل بفطرته التاريخية نحو الحلول الوسطى والتوافقات التي تحفظ السلم الأهلي، مفضلا الإصلاح المتدرج على المغامرات الثورية غير محسوبة العواقب، وهو ما ينسجم تماما مع فكرة واتربوري حول الثبات كخاصية جوهرية للمغرب. حتى اليوم ومع بروز جيل مغاير من الشباب أو ما يصطلح عليه بجيل زد الذي يمتلك أدوات تواصلية رقمية عابرة للحدود وقدرة عالية على النقد والسخرية، لا تزال ميكانيزمات الثبات المغربي فعالة. تظهر النقاشات الحادة عبر منصات التواصل الاجتماعي والاحتجاجات الفئوية كتموجات سطحية صاخبة تعطي الانطباع بالغليان، لكنها في العمق لا تلبث أن تجد طريقها نحو التهدئة والمعالجة داخل الأطر المجتمعية التقليدية والحديثة. يبدو أن الجينات الثقافية للمغاربة تحمل شيفرة وراثية ترفض الفوضى وتجنح للسلم، حيث يتحول الغضب الرقمي أو الواقعي في نهاية المطاف إلى شكل من أشكال التفاوض الاجتماعي لتحسين الشروط وليس لهدم المبدأ. الخبرة المتراكمة لدى الدولة والمجتمع في تدبير الأزمات جعلت من المغرب مدرسة في المشي على الحافة دون السقوط. المستقبل في ضوء هذه القراءة السوسيولوجية والتاريخية لن يكون خروجا عن النص، بل استمرارا لنهج التكيف الذكي مع المتغيرات العالمية والإقليمية. سيبقى المغرب وفيا لطبيعته التي رصدها واتربوري، بلدا يبدو دائما وكأنه على موعد مع المجهول لكنه لا يخلف أبدا موعده مع الاستقرار، محتميا برصيد حضاري ومؤسساتي يجعل من الثبات والاستمرارية القاعدة الذهبية التي تتحطم عليها كل أمواج الاضطراب العابرة.