تستعد الهيئة التشريعية في إسبانيا لإعادة فتح ملف شائك يتعلق بحظر ارتداء الأزياء التي تحجب الوجه بالكامل في الفضاءات العامة، في خطوة أعادت تسليط الضوء على الانقسام الأوروبي التقليدي بين ضرورات الأمن القومي وصيانة الحريات الفردية والدينية. ووفقاً لمصادر إعلامية إسبانية، وعلى رأسها صحيفة "إلباييس"، فإن البرلمان بصدد مناقشة مشروع قانون تقدم به حزب "فوكس" اليميني المتطرف، ويحظى بدعم من الحزب الشعبي المحافظ، يهدف إلى تجريم ارتداء البرقع والنقاب في الشوارع والمباني الحكومية، وحتى في الأماكن الخاصة المرئية للعموم. ولا يستهدف التشريع المقترح الحجاب أو أغطية الرأس التقليدية، بل يركز حصراً على الملابس التي تخفي ملامح الوجه. وتتضمن مسودة المشروع لوائح عقابية صارمة، تبدأ بغرامات مالية قدرها 600 يورو للمخالفات، وتتصاعد بشكل حاد لتصل إلى 30 ألف يورو في حال تكرار المخالفة. وفي شق جنائي أكثر تشدداً، يلوح المقترح بعقوبات سالبة للحرية (السجن) تطال كل من يثبت تورطه في إجبار النساء أو القاصرات على ارتداء هذه الأزياء، في مسعى يصفه المشرعون ب"حماية كرامة المرأة". ويأتي طرح هذا الملف في توقيت حساس سياسياً، حيث يرى مراقبون أن التحرك لا ينفصل عن السباق المحموم بين أقطاب اليمين الإسباني (التقليدي والمتشدد) لكسب ولاء الناخبين. وتعد قضايا الهوية الوطنية ومواجهة ما يسميه حزب فوكس ب"الأسلمة" ورقة ضغط رئيسية في الحملات الدعائية، مستغلة المخاوف الأمنية وتصاعد الخطاب المناهض للمهاجرين في القارة العجوز. ويسوق المؤيدون للمشروع مبررات تتعلق أساساً ب"الأمن العام"، مشددين على أن إخفاء الوجه يعيق عمل أجهزة إنفاذ القانون في تحديد الهويات، مما يشكل ثغرة أمنية محتملة. كما يربطون الحظر بضرورات "الاندماج الاجتماعي"، معتبرين أن النقاب يمثل حاجزاً أمام التواصل الطبيعي ويتنافى مع القيم الثقافية للمجتمع الإسباني. على الجانب الآخر، تواجه المبادرة انتقادات واسعة من جهات حقوقية وسياسية ترى فيها تعدياً صريحاً على حرية المعتقد والاختيار الشخصي. ويشير المعارضون إلى أن هذا الإجراء قد يأتي بنتائج عكسية، مؤكدين أن أعداد النساء اللواتي يرتدين النقاب في إسبانيا "ضئيلة جداً"، مما يجعل التشريع، في نظرهم، معركة رمزية قد تؤدي إلى تهميش هذه الفئة وزيادة حدة التمييز بدلاً من تحقيق الاندماج المنشود.