العثور على جثة الأم المفقودة في فاجعة سيول بني حرشن بإقليم تطوان    توقيف المشتبه فيه في جريمة القتل بمستشفى محمد الخامس بطنجة وحجز أداة الجريمة    المحامون يعودون الاثنين المقبل إلى استئناف العمل ووقف الاحتجاج ضد مشروع قانون المهنة لوزارة العدل    جريمة قتل داخل مستشفى محمد الخامس بطنجة    دعوة بيت الصحافة لحضور أمسية مع أدباء وباحثين وجمعويين من حاضرة القصر الكبير    إصابات وإجلاء آلاف السكان جراء اضطرابات جوية بإسبانيا والبرتغال    الوجه الشيطاني لجيفري إبستين .. أسرار جزيرة الرعب    بتعليمات ملكية سامية الحكومة تضع برنامجا واسعا للمساعدة والدعم لفائدة الاسر والساكنة المتضررة من الاضطرابات الجوية بميزانية توقعية تبلغ 3 ملايير درهم    تفاصيل جدول أعمال اجتماع "الكاف"    أتلتيكو يُذلّ برشلونة في كأس إسبانيا    تعليق الدراسة ليومين بإقليم تطوان    تفاؤل حذر من صندوق النقد الدولي تجاه الاقتصاد المغربي    الحروف تجمع بلمو وأجماع في ديوان فلسطينيات ضد الإبادة والنسيان    وجان: عناصر الوقاية المدنية تنتشل جثة ستيني من داخل "مطفية"    "نقوش على الخواء"..إصدار جديد يحتفي بالمرأة قضية للحياة        محمد الطوزي يرسم خريطة أزمة السياسة ومستقبل الإسلام السياسي في المغرب        هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    متضررو القصر الكبير يشيدون بإعلان المنطقة منكوبة ويطالبون بالشفافية    مهرجان برلين الدولي للفيلم 2026.. مديرة السوق الأوروبية للفيلم: المغرب مركز استراتيجي للإنتاجات السينمائية الدولية    محمد امشيشو مديرا عاما للمصالح بمقاطعة طنجة المدينة    توقعات ببلوغ دين الخزينة 1163 مليار درهم سنة 2025    مجلس المنافسة: ثلاثة فاعلين كبار يسيطرون على سوق الإسمنت المغربي    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على أداء إيجابي    المغرب ينافس العالم... 5 ملاعب مرشحة للقب الأفضل عالميًا في 2025    برمجة رمضانية.. العصبة تكشف عن جدول الجولة الأخيرة (15) من مرحلة ذهاب البطولة الاحترافية    لجنة تبحث اختيار الرباط عاصمة للإعلام    قيوح: المغرب يعتبر التعاون مع الدول الإسلامية في قطاعي النقل واللوجستيك خيارا استراتيجيا    نشرة إنذارية.. تساقطات مطرية قوية وتساقطات ثلجية ورياح قوية يومي الجمعة والسبت    الكونفدرالية الأفريقية.. أولمبيك آسفي يشدّ الرحال إلى الجزائر لمواجهة اتحاد العاصمة في صراع الصدارة    الصبيب يتراجع بسد وادي المخازن .. ونسبة الملء تعادل 158 في المائة    تمديد عقد مدرب منتخب إنجلترا توماس توخل    فيلم عن "مصورة أفغانية" يفتتح مهرجان برلين    الجزائر ‬و ‬تمرين ‬التحول ‬الاضطراري ‬المرهق ‬في ‬الموقف ‬تجاه ‬نزاع ‬الصحراء ‮«‬فكها ‬يا ‬من ‬وحلتيها...!!!!»    أبحاث أمريكية: النوم المتأخر يهدد صحة القلب    إبراهيمي: "الفراقشية" في كل القطاعات.. والمقربون من الحكومة استفادوا من إعفاءات ضريبية وجمركية        نوتنغهام فوريست يقيل مدربه دايش بعد التعادل مع ولفرهامبتون    المغرب والإمارات يرسمان خارطة طريق لشراكة صحية استراتيجية    "رايتس ووتش": تجديد أمير سعودي قصره بطنجة يضع مقاولات مغربية على حافة الإفلاس بعد رفض أداء 5 ملايير دولار        نتنياهو: إسرائيل ستنضم إلى "مجلس سلام" ترامب    موسكو تتحرك لتزويد هافانا بالوقود    دعم متكامل بضغطة زر.. الصين تطلق بوابة إلكترونية لخدمة شركاتها عبر العالم    مرتدية العلم الفلسطيني.. مسؤولة بالبيت الأبيض تنتقد الصهيونية السياسية وتقول: أفضل أن أموت على أن أركع لإسرائيل    كأس ألمانيا: بايرن يفوز على لايبزيغ ويتأهل لنصف النهاية    وأخيرا.. واشنطن ستسدد ديونها المتأخرة للأمم المتحدة خلال أسابيع وتطالب بإصلاح المنظمة الدولية    موقع إسباني ينشر تفاصيل مقترح الحكم الذاتي الموسع.. يتكون من 40 صفحة ويتضمن 42 بنداً تفصيلياً    دراسة علمية تكشف طريقة فعالة لتقليل آثار الحرمان من النوم    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوسيع نطاق جراحات العيون للحد من حالات العمى الممكن تجنبها    القناة الأولى تكشف عن شبكة برامج متنوعة لرمضان تجمع بين الدراما والكوميديا والوثائقي والترفيه    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإيمان أساس العمران ...
نشر في وجدة نيوز يوم 16 - 06 - 2012

يُشكلُ الإيمَانُ جَانِباً مُهِماً من جَوَانِبِ الْحَيَاةِ الإسْلاَميةِ، بَلْ هُوَ قِوَامُهَا الأسَاسُ، وَالأَصْلُ الذِي تَقُومُ عَلَيْهِ. إنهُ النورُ الذِي يُضيءُ الطرِيقَ للخَلْقِ، وَيَهدِيهمْ إلى الْحَقِ، وَيُوقِظُ فيهم شُعُوراً أَسْمَى بِمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الخَالقِ وَالكَوْنِ وَأفرادِ النوع الإنساني مِنْ عَلاَقاتٍ مُتَعددةٍ ...
هَذَا الإيمانُ حِينَ يستقر في قَلبِ المُؤْمِنِ، ويصدقهُ الْعَمَلُ، لاَ شَك أنهُ يُثْمِرُ فَضَائلَ إنسانيةً عُلْيَا، وَقِيماً كَوْنِيةً ساميةً، ويكون خيرا على صاحبه، وعلى الجماعةِ المؤمنةِ، كما يكونُ سَبباً قَوياً في سعادةِ الفردِ في الدنيَا والآخرةِ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأن الإيمانَ أساسُ العمرانِ.
وبالنظرِ إلى أهميةِ الإيمانِ ومكانتهِ في المنظومةِ الإسلاميةِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الشرْعِ الحكيمِ اسْماً لِجَمِيعِ فُرُوعِ الدين، كَمَا جَاءَ فِي الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم في صَحِيحِهِ "الإيمانُ بِضْع وسبعونَ أو بضع وستون شُعْبةً، فأفضلها قولُ لا إله إلا الله وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبة من الإيمان". ثم إن الإيمان في المنظور القرآني قد يتسع ليشمل جميع العقائد والعبادات والأخلاق والآداب وسائر المعاملات ... وبهذا المفهوم يُصبحُ الإيمانُ أساسَ الْعُمْرَانِِ.
مِنَ المَعْلومِ أن عِلْمَ التوحيدِ الإسلامي باعتبارهِ أَسَاسَ الإيمانِ، والشعبةَ الرئيسةَ في بنائه العام، له فَضْل عَلَى سائرِ العلومِ، لأنهُ أصل ينبي عليه الإسلامُ، ولأنه من أسباب السعادة الأبدية بالخلود في الجنان، والنجاة من النيران، ولو لم يكن لهذا العلم الإسلامي إلا هذه الفضيلة لكفى.
ثم إن علم التوحيد إنما شرف بشرف موضوعه الذي يشتغل عليه، ألا وهو معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، ومعرفة قواعد الإيمان وأصوله، وهذه المعرفة الشرعية المسددة من شأنها أن تفضي بالمكلف إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وترفعه إلى مقام العبودية المطلقة لله عز وجل، وهذا هو المقصد الأعظم من خلق الإنسان، قال تعالى "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: 56] وهو من حقوق الله على عباده، كما ورد في الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا. (1)
وإذا كان مقررا أن علم التوحيد الإسلامي هو أشرفُ العلومِ لكونه متعلقاً بذاتِ الخالق عز وجل، وَذَوَاتِ رسله عليهم الصلاة والسلام أولا، ولكونه أساسَ العلوم الشرعية ومرجعَهَا الأساسَ الذي تبنى عليه ثانيا، فإن فائدتَهُ العمليةُ تَظْهَرُ أيضا من خلال تحقيق المقاصدِ العقديةِ الآتية:
أولا: بالنظر إلى الشخص في حد ذاته:
يتمثل في القيام بفرض مجمع عليه ألا وهو معرفة الله تعالى بصفاته الواجب ثبوتها له سبحانه وتعالى، مع تنزيهه عما يستحيل اتصافه به، والتصديق برسله عليهم الصلاة والسلام على وجه اليقين الذي تطمئن به النفس اعتمادا على الدليل لا استرسالا مع التقليد. ومن ثم يترقى الموحد من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان، إذ من شروط المعرفة الشرعية: الجزم، والمطابقة للواقع، وكونها ناشئة عن دليل.
ثانيا: بالنظر إلى تكميل الغير:
ويتجسد في إرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم. وهذا يعني أن من مقاصد علم التوحيد الرد على الشبهات، وهذا يتحقق بشروط يجملها الإمام جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بقوله:" وأما القيام بدفع شبه المبتدعة فلا يتعرض له إلا من طالع علوم الشريعة، وحفظ الكثير منها، وفهم مقاصدها وأحكامها، وأخذ ذلك عن الأئمة وفاوضهم فيها، وراجعهم في ألفاظها وأغراضها، وبلغ درجة الإمامة في هذا العلم بصحبة إمام أو أئمة أرشدوه إلى وجه الصواب، وحذروه من الخطأ والضلال، حتى ثبت الحق في نفسه وفهمه، ثبوتا قوي به على رد شبه المخالفين، وإبطال حجج المبطلين، فيكون القيام بدفع الشبه فرضَ كفاية عليه، وعلى أمثاله حينئذ، فأما غيرهم فلا يجوز له التعرض لذلك، لأنه ربما ضعف عن رد تلك الشبهة وتعلق بنفسه منها ما لا يقدر على إزالته، فيكون قد تسبب إلى هلكته وضلال، ونسأل الله العصمة.(2)
ثالثا: بالنظر إلى أصول الإسلام:
وهو حفظ قواعد الدين، أي عقائده من أن تزلزلها شبه المبطلين. وهذا مقصد شرعي عظيم.
رابعا: بالنظر إلى فروع علم التوحيد:
وهو أنه تبنى عليه العلومُ الشرعيةُ كُلهَا، إذ هو أساسُهَا، وإليه يؤولُ أخْذُهَا، واقتباسُهَا، إنه بدونِ معرفةِ الخالق عز وجل بصفات الجلال والجمال، وأنه أرسل الرسلَ وأنزلَ الكتبَ لم يُتَصَورْ وجودُ علمِ التفسيرِ وَعِلْمِ الْحَديثِ وَلاَ عِلْمِ الفقهِ ولا أُصُولِهِ، ومن ثَم تَظهرُ فائدةُ علمِ التوحيد وأنه مرجعُ جميع العلوم الإسلامية.
خامسا: بالنظر إلى الشخص في قوته العملية:
وهو تصحيح النيات والإخلاص في العمل، إذ بصحة النية والاعتقاد يُرْجَى قَبُولُ العملِ وَحُصُولُ الثوابِ.
إن هذه الفوائد تنتهي كلها بالإنسان إلى تحقيق الفوز بسعادة الدارين، وهذا الفوز مطلوب لذاته، وهو منتهى الأغراض والنيات، وغايات الغايات.(3)
ثم إن معرفة الله تعالى كما يقررها الشرع الحكيم من أول ما يجب على العاقل البالغ معرفته شرعا، لأنه لا يمكن أن يأتي الإنسان بشيء من المأمورات امتثالا، ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات انزجارا إلا بعد معرفة الآمر الناهي عز اسمه.
لقد أرسل الله جميعَ الرسل، ونزلَ جميعَ الكتب بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" [الأنبياء: 25] وقال عز وجل:"وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ " [الزخرف: 45] وقال سبحانه وتعالى:"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [النحل: 36]
وقال سبحانه وتعالى :"يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ" [المؤمنون: 51-52]
وقد جاء الإسلام يقرر أن الدين الحقَ واحد، هو وحيُ الله تَعَالَى إلى جميع أنبيائه، وهو عبارة عن الأصول التي لا تتبدل بالنسخ، ولا يختلف فيها الرسل، وهي هدىً أبداً. (4)
إن علمَ التوْحيدِ بالصورَةِ التي يُقررهَا الإسْلامُ عظيمُ الفائدةِ للجنسِ البشري، لأنه يَجْمَعُ البشرَ كلهم حول إله واحد، وفي ذلك توحيد اتجاههم وغرس نظام الأخوة بينهم. وأما تفرقُ الآلهةِ فمعناه تفرقُ البشرِ، وذهابُ كل فريقٍ إلى التعصبِ لما وجه إليه قلبَه، وفي ذلك خسارة للبشرية وفساد للنظام.(5)
ليس هذا فحسب، بل من مقاصد علم التوحيد العظيمة تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى، وتحرير العقل من التقليد والأوهام والخرافات، والإسهام في تربية الضمير وتهذيب السلوك والأخلاق، ومن شأن هذه الثمار أن تجعلَ الإنسانَ المسلمَ صالحاً لأمته ووطنه، بعيدا عن ثقافة الغلو والتنطع التي حذرَ منها الدينُ الإسلامي الحنيفُ.
إن الإيمانَ بالله سبحانه وتعالى الذي يعني التصديقَ بوجوده سبحانه، يقوم على ثلاثة أسس وهي: العلم بما يجب له سبحانه وتعالى من صفات، والعلم بما يستحيل عليه سبحانه، والعلم بما يجوز في حقه سبحانه وتعالى. (6)
ثم إن مضمون هذه المعرفة الشرعية بمستوياتها الثلاثة السابقة ترشدنا فقط إلى التعرف على الله تعالى من خلال صفاته، دون الإحاطة بذاته سبحانه وتعالى، لأن معرفةَ حقيقة الذات الإلهية كما هي في واقعها الوجودي المتعالي أمر لا ترقى العقول إلى إدراكه. إننا نستطيع أن نثبتَ بالأدلةِ العقيلةِ والشرعيةِ الوحدانيةَ المطلقةَ لله تعالى، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن نُحِيطَ بحقيقة الذات الإلهية، لأن حقيقةَ الذات المقدسة أكبرُ وأعظمُ من أن تحيط بها عقولُنَا القاصرةُ بطبيعتها.
إن الإنسانَ المسلمَ يكفيه في هذا الموضع الخطير أن يردد قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" [الشورى : 11]. وقوله جل شأنه : "وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً" [طه: 110]
إننا في دراستنا لقضايا التوحيد، وبالضبط في الجانب الإلهي منها لا نطمح أبدا إلى معرفة حقيقة ذاته سبحانه وَكُنْهَهَا على نَحْوِ ما هي عليه، ذلك أن طبيعةَ إدراكاتنا وقصور عقولنا لا تسمح لنا بولوج عوالم الغيب والإحاطة بها، بل كل ما في الأمر أننا نتعرف على الذات العلية للخالق عز وجل من خلال صفاته وإبداعه وخلقه. إن العقل – كما يقول ابن خلدون- " ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمح أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك مثل رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يُدرك، على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن في هذا لغلط من يقدم العقل على السمع، في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه وضمحلال رأيه..."(7)
والذي ينبغي للمسلم اعتقاده في هذا الموضع على سبيل الإجمال هو أن يعلم " أن ذات الله تعالى توصف ولا تدرك، فالله سبحانه وتعالى خالق الكون، وطبيعة الخالق مخالفة لطبيعة المخلوق، كما يختلف النجار عن الباب الذي يصنعه، وعلى هذا يرشدنا القرآن إلى معرفة الله بآثاره الدالة على صفاته، وكمال جلاله وجماله، وتنزهه عن المماثلة لخلقه، أو الاتحاد أو الحلول في شيء مما خلق، وأوصد أمام الإنسان بابَ التطلع إلى معرفةِ حقيقته وذاته، وصرفه عن محاولة التفكير في هذا الباب ... والعجز عن إدراك حقيقة الذات الأقدس عقيدة من عقائد الإيمان بالله، وهو نفسه برهان على سمو الألوهية الحقة عن الدخول في دائرة التفكير العقلي المحدود بطبيعته، والذي لا يجد مجالا لتخطي ما وراء الكون.(8)
وقد جاء القرآن الكريم مقررا هذا المعنى، قال تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] وقال جل شأنه:" لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " [الأنعام: 103]. وقال أيضا: "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً". [طه: 110]
وإلى هذه المعاني السامية المتعالية يشير ابن أبي زيد القيرواني في مقدمة رسالته بقوله:" لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في مائية ذاته" يقول القاضي عبد الوهاب بن ناصر البغدادي في تعبيقه على هذا النص:" فأما اعتبار المتفكرين بآياته: فهو استدلالهم على وجوده بأفعاله وآثار صنعته، وتقدمه على إحداثه لخلقه..." (9)
ويقول العلامة المغربي جَسوس في شرحه لعبارة ابن أبي زيد القيرواني:"... وبالجملة فعجز الخلق عن الإحاطة بعظيم كبريائه، وباهر جماله، وعلي جلاله، بل عجزها عن عجائب صنعه في مخلوقاته يكاد أن يكون معلوما من الدين ضرورة، فإذاً لا يعرف اللهَ إلا اللهُ كَمَا قال سفيانُ وقاله الجنيدُ وَمَضَى عَلَيْهِ مُحَققُو الأُمةِ..." (10)
وَصفوةُ الكلامِ فَإن العُمْرانَ الذي يتأسسُ على الإيمانِ يكونُ لهُ فضل كَبير عَلَى العُمْرانِ الذي يَنْشَأُ بَعِيداً عَنْ قَواعِدِ الدينِ الحَق، التي تَجْعَلُ الإنسانَ المؤمنَ يُقبلُ على العملِ الصالِحِ مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى الثوَابِ، وَهَذَا الْعَمَلُ تَكُونُ لهُ انْعِكَاسَات إيجابية عَلَى المجتمع. لقد تحدثَ الإسلامُ عن أمورٍ بسيطةٍ، ولكنها في الوقت نفسه تؤسسُ لأمورٍ عظيمة، تتمثل فِي الرغْبَةِ فِي إسْعَادِ العُمْرَانِ البشري. إن الدعوةَ إلى إمَاطَةِ الأذَى عَنِ الطرِيقِ، وهو الشعبةُ الأخيرةُ من شُعَبِ الإيمان، وثمرة من ثماره. قد يبدو أمرا بسيطا، ولكنه في الواقع يُعبرُ عَنْ مستوىً حضاري لأُمٌَةِ الإيمانِ، حيث يُسْهِمُ كُل فردٍ من أفرادِ الجماعةِ المؤمنةِ بِدَافِعِ الإيمانِ في الحِفَاظِ عَلَى طَهَارَة الْعُمْرَانِ البشري.
الهوامش:
(1) صحيح مسلم 2/6 الحياء شعبة من الإيمان.
(2) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس3/1283 تحقيق د عبد الحميد لحمر، طبعة دار الغرب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 2003.
انظر أيضا الذخيرة للقرافي 13/223 تحقيق الدكتور محمد حجي طبعة دار الغرب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 1994 .
(3) كتاب المواقف للإمام عضد الدين عبد الرحمن الإيجي بشرح الجرجاني 1/41 تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى 1997
(4) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية الشيخ مصطفى عبد الرازق، ص 269.
(5) رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، الصفحة: 138.
(6) التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في تفسير الكتاب العزيز، لأبي علي عمر بن محمد السكوني 1/65
(7) مقدمة ابن خلدون 3/968 تحقيق د. علي عبد الواحد وافي.
(8) مقارنة الأديان الإسلام أحمد شلبي ص 105.
(9) شرح عقيدة بن أبي زيد القيرواني، ص 165
(10) شرح توحيد الرسالة للشيخ محمد بن قاسم جسوس 2 /387 دراسة وتحقيق الأستاذة إحسان النقوطي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.