يشكل احتفال الشعب المغربي كل سنة بالأعياد الثلاثة، عيد العودة، عيد الانبعاث وعيد الاستقلال، مناسبة للقيام بوقفة تأمل في تاريخ بلادنا الغني بالأمجاد وبالمحطات المشرقة، واستحضار انتصار إرادة العرش والشعب في ملحمة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال والوحدة، بما مثلته تلك الأعياد من إجماع كافة المغاربة وتعبئتهم للتغلب على الصعاب وتجاوز المحن. فلا تنضج الشعوب ولا تتسع مطامحها لبناء حاضرها ومستقبلها، إلا من خلال استحضارها لتاريخها في مختلف منعطفاته، ومقاربة لحظاته النضالية، ومعاركه من أجل البقاء والاستمرارية، وإبراز كينونته المميزة بين الأمم، واستخلاص العبر من مختلف محطاته، تكريسا لما في اللحظات الماضية والحاضرة من قوة جذب باتجاه مستقبل يسعى للأفضل، باعتبارها إحدى المحطات المضيئة في تاريخها ، لما تجسده إرادة قوية وإيمان راسخ من أجل نيل الحرية والكرامة واسترجاع الحق المسلوب وبناء الذات من جديد. اليوم ونحن نحتفل بهذه الأعياد الثلاثة، يعيش المغرب منعطفا حاسما في ما يتعلق بالدفاع عن وحدته الترابية، والذي تجسد في إقرار النموذج التنموي الجديد بأقاليمنا الجنوبية، وكذا بعد النتائج المهمة التي أفرزتها الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، والتي كرست لخيار الجهوية الموسعة كنظام متطور للتدبير وفقا لمعايير الحكامة الجيدة، منعطف يؤكد إرادة المغرب ملكا وشعبا في مواصلة مسيرة الجهاد الأكبر من أجل تحقيق مزيد من المكتسبات والانتصارات على المستويين الداخلي والخارجي، سواء فيما يتعلق باستكمال الأوراش الإصلاحية والتنموية، أو في مواجهة التحديات والإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية القائمة أوفي التصدي لمظاهر الفساد ومخاطر الإرهاب ولمخططات خصوم وحدتنا الترابية. إنها إذن لحظة فارقة في مسار كفاحنا الوطني تسجل أمجاد الأمة والعرش وانتصاراتهما، وتستوجب في الآن نفسه من كل مغربية ومغربي التشبع الواعي بمعانيها ودلالتها وأبعادها التاريخية والمستقبلية، وما تحمله من دروس وعبر ومن قيم ومعان لتنوير أذهان الناشئة والأجيال الصاعدة والقادمة بإشعاعها وترسيخ معانيها السامية في عقولهم ونفوسهم بإبراز ملاحم الكفاح الوطني المجيد المجسدة لأروع صور البطولة والشهامة والتضحية والفداء دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية. فالاحتفال بهذه الأعياد لا يقف إذن عند استذكار لحظاتها ومحطاتها المجيدة في الكفاح والنضال من أجل نيل الحرية والاستقلال ملكا وشعبا، بل هو يمثل حافزا قويا لنا جميعا لمواصلة العمل، حتى يتبوأ المغرب مكانته التي يستحقها كأمة عريقة وكدولة راسخة في تربة التاريخ، ومتطلعة دائما إلى مزيد من التطور والتقدم والتنمية وامتلاك كل أسباب القوة والمنعة، وقادرة على التفاعل مع كل المتغيرات والتحولات التي يشهدها العالم، وعلى التجاوب مع متطلبات الحداثة الديمقراطية ومطالب التغيير والإصلاح السياسي والدستوري وشروط التطور الاجتماعي والاقتصادي. ولا شك أن دلالاتها تتجاوز مفهوم الاستقلال بمعناه التاريخي إلى مفهوم أعمق وأشمل يمتد إلى التخلص من كل أنواع التبعية للآخر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وتحقيق النقلة النوعية في مسارنا الديمقراطي والتنموي بما يجعلنا نستحق أن نكون عضوا في نادي الدول الصاعدة. ولقد ظل المغرب دولة مستقلة ذات سيادة لما يقرب من 12 قرنا. ولم تكن فترة الحماية إلا ذلك الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، حيث كان المغاربة ولا زالوا دائما يحافظون على حريتهم وسيادتهم وترابهم ويدافعون عن ملوكهم وسلاطينهم ويتصدون للبغي والعدوان من أي جهة كانت، ويناضلون من أجل رفعة وعزة وكرامة أمتهم ووطنهم والحفاظ على مقدساتهم وهويتهم الوطنية. وهم اليوم وراء جلالة الملك محمد السادس نصره الله يواصلون هذه المسيرة المباركة تحت قيادته الحكيمة من أجل الدفاع عن السيادة الوطنية وصيانة الوحدة الترابية والانخراط الكامل في كل الأوراش التي من شأنها الدفع بالمغرب نحو التقدم والتطور . فالأعياد الثلاثة ستظل مصدر إلهام لكل المغاربة، في جهادهم المقدس لتثبيت دعائم المغرب المستقل القوي والموحد واستكمال مراحل تنزيل النموذج التنموي الحداثي الديمقراطي وتحقيق أهداف التنمية الشاملة المستدامة في كل الميادين.