في اللحظة التي تستعد فيها طنجة لتقديم نفسها للعالم كواحدة من حاضنات كأس العالم 2030، تطفو على السطح مشاهد متقطعة من مشهد داخلي مضطرب، لا يُظهر من المدينة إلا ما تبقى من تعب التراكمات وسوء الفهم السياسي. مدينة توشك أن تُسلم للعالم، وهي بالكاد تُمسك بتماسكها الداخلي، وتدير ظهرها لكل ما من شأنه أن يحصن صورتها من الانكشاف. ليست الأزمة في البنيات، ولا في حجم الاعتمادات، ولا حتى في تعقيدات التهيئة، بل في اللغة التي يتحدث بها من أوكلت إليهم مهمة تمثيل المدينة أمام ذاتها أولا، ثم أمام الآخرين. في قلب المؤسسات، بات التدافع السياسي يلامس حدود العبث. منابر خُصصت للتداول في الشأن العام تحولت إلى فضاءات لتصفية الحسابات، وتبادل الاتهامات، والتهديد برفع الغطاء عن اختلالات الكل يعلم بها، لكن لا أحد يملك شجاعة الاعتراف بها من موقع المسؤولية. الخلاف لم يعد تنافسا بين تصورات، بل صار سجالا بين ألسنةٍ فقدت البوصلة، وأصوات تبحث عن صدى في الهواء بدل أن تجد سندا في المنطق أو المصلحة العامة. والمؤلم أكثر، أن من بين هؤلاء من يوقع على وثائق الأغلبية صباحا، ويتحدث بلسان المعارضة مساء. ازدواجية لم تعد تُخجل أصحابها، بل يُسوق لها كدهاء سياسي، فيما هي في جوهرها خيانة موصوفة لروح الالتزام الجماعي. هم حاضرون في اقتسام المواقع، غائبون حين يتعلق الأمر بتحمل تبعات القرار، يهددون بالفشل فيما هم شركاء في صناعته. والأنكى من ذلك، أنهم يزايدون على إنجازات لا فضل لهم فيها، ويعارضون توجهات كانوا من أوائل المصادقين عليها حين كان الحرج أقل والكاميرا غائبة. وثمّة من اختار خطابا أكثر التفافا، إذ رأى أن أسهل السبل للتنصل من تبعات التسيير هو نزع الشرعية عنه من الداخل، والبحث عن مصدر آخر للإنجازات، ولو اقتضى الأمر تحويل الإشادة إلى سهم. فتصبح السلطة مصدر الفضل حين تعوز الحيلة، وتُستدعى فجأة من رفوف البروتوكول لتتحول إلى سلاح كلامي في يد من يفترض أنهم جزء من الأغلبية. تصريح فيه قدر من الحقيقة، لكنه مشوب بانبطاح لفظي لا يليق بمن يتحمل مسؤولية تدبيرية، ولا بمن يدّعي غير قليل من "الغيرة على المدينة". كأن الفضل لا يُذكر إلا حين يُراد به إضعاف شريك، أو تحييد حليف. وإذا كان هذا المنطق قد استُهلك محليا، فإن بلوغه منابر تصدر من ثغور محتلة، يكشف مدى الانحدار الذي بلغته بعض الضمائر. فلم تعد المعارك تُدبر تحت سقف المؤسسات، ولا تُخاض بأدوات المشهد السياسي المشروع، بل أضحت معارك تُهرب إلى الخارج بحثا عن انتقام صغير، ولو على حساب مدينة بأكملها. صحيفة إسبانية تنشر، ومنابر محلية تتلقف، والجمهور يُغذى بإيحاءات عن فضائح مفترضة، دون أن يُسائل أحد أخلاقيات التوقيت، أو رمزية المنصة، أو هوية من يقف خلفها. فلم يكن الوطن يوما ملجأ لمن خانوا نُبل الخلاف، ولا المدينة منبرا لمن استرخصوا كرامتها في بورصة المزايدات الصغيرة. وسط هذا الانحدار، ثمة من اختار ألا ينجر إلى الضجيج، لا لأن الكلام معفى من الحساب، بل لأن بعض اللحظات تقتضي صمتا مشروطا بالحكمة. وسط هذا التنافر، ما يزال هناك من يدبّر الشأن المحلي بحد أدنى من الاتساق، ولو تحت نيران المزايدات. ليس دفاعا عن خيار، ولا تماهيا مع شخصية، ولكن لأن المدينة لا تحتمل اليوم أكثر من خصومة، ولا تحتاج إلى أكثر من تصدّع. فكلما ارتفع منسوب التراشق، انخفض منسوب الثقة، وكلما تهاوى الانسجام، سقطت هيبة المؤسسة، حتى لو ظل المبنى قائما والجلسات منعقدة. قد تكون طنجة في حاجة إلى ملاعب وميزانيات ومخططات تهيئة، لكن حاجتها الكبرى تظل في بناء أخلاق سياسية تليق بمدينة في طور الترشح للعالم، لا في طور التراجع إلى ما دونها. المدينة التي لا يدافع عنها أبناؤها، لن ينتشلها الآخرون من قاع الفوضى، مهما بلغت قيمة الاعتمادات. أما أولئك الذين اختاروا أن يتحدثوا بلسانين، فربما يُطلب منهم غدا أن يصمتوا باثنين. والذين يتفننون في توزيع الفضل دون أن يلامسوا صعوبة الفعل، قد يجدون أنفسهم يوما خارج سياق المدينة التي تنسى… لكنها لا تغفر.