تفرض مدينة طنجة نفسها كبوابة ثقافية للمملكة خلال فترة كأس إفريقيا للأمم 2025، مقدمة لضيوفها تجربة تتجاوز الطابع الرياضي للحدث. ومع تسجيل انتعاش سياحي لافت وتوافد أعداد كبيرة من المشجعين، تفتح المدينة خزائنها المطبخية لتقدم توليفة متنوعة من النكهات، مستثمرة موقعها الاستراتيجي عند نقطة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي وتاريخها العريق لترسيخ مكانتها كمحطة أساسية في خارطة الضيافة المغربية. طفرة سياحية بأرقام قياسية وتعززت جاذبية "عروس الشمال" بأرقام سياحية قوية تؤكد ريادتها كقطب اقتصادي وسياحي صاعد؛ فوفق تقرير المرصد الوطني للسياحة، سجلت مؤسسات الإيواء المصنفة في عمالة طنجة-أصيلة نموا ملموسا بنسبة 16 في المائة في ليالي المبيت خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، ليصل العدد الإجمالي إلى مليون و555 ألف و688 ليلة مبيت، مقارنة بمليون و336 ألف و271 ليلة خلال الفترة ذاتها من العام الماضي. هذا الأداء المتميز، المدعوم ببنية تحتية متطورة وشبكة مواصلات سريعة، بوأ المدينة المرتبة الرابعة وطنيا ضمن أهم الوجهات السياحية، خلف كل من مراكش وأكادير والدار البيضاء، ومتفوقة بفارق كبير على العاصمة الروحية فاس. هذا التدفق البشري الكثيف، الذي يأتي في سياق وطني انتعش فيه القطاع بزيادة عامة بلغت 11 في المائة، خلق دينامية اقتصادية ملموسة انعكست مباشرة على قطاع الخدمات، وتحديدا خدمات الإطعام والمطعمة. ورغم تسجيل تراجع طفيف في معدل ملء الفنادق الذي استقر عند 50 في المائة نتيجة التوسع الكبير في الطاقة الإيوائية وافتتاح وحدات فندقية جديدة، إلا أن شهر شتنبر وحده شهد مؤشرات إيجابية بمعدل ملء بلغ 64 في المائة، مما حول المدينة عمليا إلى مائدة مفتوحة تضج بالحياة لتلبية طلب متزايد يعكس تنوع المطبخ المغربي، ويحول وجبات الطعام إلى طقوس يومية توازي في أهميتها مباريات كرة القدم. كنوز البحر وموائد التراث ومع إشراقة كل صباح، تضخ قوارب الصيد شريان الحياة في مطاعم المدينة، مستفيدة من الموقع الجغرافي الفريد الذي يمنح طنجة وصولا مباشرا لمنتجات البحر من واجهتين بحريتين. وفي سوق السمك المركزي، الذي يعد بورصة يومية للنكهات، تعرض أصناف متنوعة مثل "السيبيا" والقرش والربيان وسمك "أبو سيف"، التي تجد طريقها فورا إلى مطاعم الميناء وأزقة المدينة القديمة. وهنا، يبرز طبق "التاغرة" الطنجاوي كشاهد حي على هذا الثراء البحري، حيث تطهى الأسماك الطازجة، وخاصة السردين أو الأنشوفة، في آنية فخارية خاصة مع صلصة الطماطم المكثفة وزيت الزيتون والليمون، مقدما تجربة تذوق تحاكي هوية المدينة الساحلية وتراثها الحرفي في صناعة الفخار. ولا تكتمل زيارة الجماهير الإفريقية والزوار الدوليين دون الغوص في "العمالقة الثلاثة" للمطبخ المغربي، التي تقدمها المطاعم المصنفة والتقليدية كبطاقة تعريف ثقافية للمملكة. ويتربع "الكسكس المغربي" على رأس القائمة كوجبة احتفالية جامعة تعكس روح التضامن، يليه "طاجين اللحم بالبرقوق" الذي يوازن ببراعة بين المالح والحلو مع لمسة القرفة واللوز، وصولا إلى "البسطيلة" التي تضع الزائر أمام حيرة ممتعة بين خيارين فاخرين: بسطيلة السمك التي تستثمر خيرات الساحلين المتوسطي والأطلسي، وبسطيلة الدجاج واللوز التي تمثل عراقة التقاليد السلطانية، وتعد شاهدا على التلاقح الثقافي بين المكونات الأندلسية والمغربية. نكهات الشارع و"ديمقراطية الأسعار وإلى جانب الموائد الفاخرة، تلعب "ديمقراطية الأسعار" دورا حاسما في الجذب السياحي بطنجة، مما يجعلها وجهة ملائمة لمختلف شرائح المشجعين. فخيارات الطعام تظل مرنة وتستجيب لكافة الميزانيات، حيث توفر محلات الوجبات السريعة في الأزقة الشعبية سندويشات "بوكاديوس" الشهيرة، التي تعد إرثا من الحقبة الدولية للمدينة وتأثرها بالمطبخ الإسباني. وتتيح هذه الوجبة السريعة، إلى جانب أطباق "السردين المشرمل" والمقلي، لشريحة واسعة من ال 1.5 مليون سائح الوافدين الاستمتاع بالنكهات المحلية الأصيلة دون تكلفة باهظة، في أجواء شعبية صاخبة تعكس نبض الشارع الطنجاوي. وفي سياق متصل، يزدهر استهلاك "البيصارة الشمالية" في الأحياء العتيقة، تلك الوجبة البسيطة الغنية بزيت الزيتون والكمون، التي تقدم الدفء والطاقة للمشجعين والزوار، خاصة في الفترات المسائية والصباحية الباردة. كما تشكل المقاهي التاريخية المطلة على مضيق جبل طارق محطات إلزامية للزوار، حيث يمتزج عبق الشاي بالنعناع برائحة البحر، موفرة فضاءات للاسترخاء والتأمل بعيدا عن صخب الملاعب. إن هذا التكامل بين البنية التحتية الرياضية والسياحية، وبين الموروث المطبخي الغني، يضمن أن تظل نكهة المغرب عالقة في ذاكرة الجمهور الإفريقي، تماما كما ستظل أهداف البطولة ولحظاتها الحاسمة.