بعث الملك محمد السادس، اليوم السبت، برقية تعزية ومواساة إلى أفراد أسرة الفنان عبد الهادي بلخياط، واصفا رحيله ب"الخسارة الفادحة" التي ألمت بالمشهد الفني المغربي والعربي، ومعتبرا إياه أحد "أبناء المغرب البررة" الذين بصموا تاريخ الموسيقى بأعمال خالدة على مدى أكثر من نصف قرن. وجاء في البرقية الملكية التي نقلتها وكالة المغرب العربي للأنباء، أن الملك محمد السادس تلقى "ببالغ التأثر" نبأ وفاة الفنان الذي يعد أحد أعمدة الأغنية المغربية العصرية. وأكد العاهل المغربي في رسالته أن هذا الرحيل لا يشكل خسارة لأسرته الصغيرة فحسب، بل للأسرة الفنية الوطنية والعربية جمعاء، ولكل الأجيال التي ارتبط وجدانها بإبداعات الراحل. وأشاد الملك محمد السادس بالمسار الفني الحافل للفقيد، منوهاً بما قدمه من "روائع طربية ستظل خالدة في ذاكرة عشاق الطرب المغربي الأصيل". وأضافت البرقية أن الراحل "لبى داعي ربه راضيا مرضيا، بعد عمر حافل بالعطاء، أثرى خلاله الخزانة الغنائية المغربية والعربية ولما يزيد عن خمسة عقود، بأعمال رائدة ومتميزة"، مشددة على المكانة الاعتبارية التي كان يحظى بها ك"قامة فنية وطنية يعز مثيلها". وأعرب العاهل المغربي لأفراد أسرة الفقيد، ومن خلالهم لكافة أهله وذويه، ولعائلته الفنية الكبيرة وجميع أصدقائه ومحبيه، عن أحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة في هذا المصاب الجلل. وتضرع الملك محمد السادس إلى الله العلي القدير أن يلهم ذويه جميل الصبر وحسن العزاء، وأن يجزي الراحل خير الجزاء عما أسداه لوطنه من جليل الأعمال، وأن يسكنه فسيح جناته. ويأتي رحيل عبد الهادي بلخياط ليطوي صفحة مشرقة من تاريخ الفن المغربي، حيث يعتبر الراحل، إلى جانب أسماء وازنة كعبد الوهاب الدكالي، أحد مؤسسي الأغنية المغربية الحديثة الذين استطاعوا الخروج بها من النطاق الوطني إلى الفضاء العربي الرحب. وتميز بلخياط بخامة صوتية فريدة جمعت بين القوة والدفء، وبقدرة فائقة على أداء مختلف الألوان الموسيقية، من القصائد الفصحى الرصينة إلى الأغاني الشعبية المهذبة، وصولاً إلى الموشحات والأناشيد الصوفية. وشكلت أعمال بلخياط، الذي رأى النور بمدينة فاس العريقة، جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمغاربة. ومنذ بداياته في ستينيات القرن الماضي، استطاع أن يأسر الجمهور بروائع مثل "القمر الأحمر"، و"يا داك الإنسان"، و"الشاطئ"، و"قطار الحياة". وقد تميز أسلوبه بالمزج المتقن بين المقامات المغربية الأصيلة والتوزيع الموسيقي الحديث، متأثراً بالمدرسة الشرقية الكلاسيكية، مما بوأه مكانة مرموقة لدى الجمهور والنقاد في آن واحد. وفي المنعطف الأخير من حياته، اختار "صاحب الحنجرة الذهبية" الابتعاد عن الأضواء وصخب الوسط الفني، مفضلا التفرغ للإنشاد الديني والابتهالات الصوفية، حيث أصدر مجموعة من الأعمال التي لاقت استحساناً واسعا، مثل "المنفرجة" و"أسماء الله الحسنى"، عاكسا بذلك جانبا روحياً عميقاً طبع شخصيته في سنواته الأخيرة. ولم يمنعه هذا التحول من البقاء حاضراً في قلوب محبيه، حيث ظل يحظى باحترام وتقدير كبيرين كمرجعية فنية وأخلاقية. ويعكس الاهتمام الملكي بتعزية أسرة الفقيد المكانة الخاصة التي يحظى بها الفنانون الرواد في المغرب، والتقدير الرسمي للدور الذي لعبوه في تشكيل الهوية الثقافية للمملكة وإشعاعها الخارجي. ويعد بلخياط نموذجاً للفنان الملتزم الذي حمل هم الأغنية المغربية وناضل من أجل ترسيخها كفن قائم بذاته، بعيداً عن التقليد الأعمى، مؤسساً مدرسة فنية نهلت منها الأجيال اللاحقة.