في خضم النقاش العمومي المحتدم حول نجاعة المجتمع المدني بالمغرب، غالبا ما يتم اختزال العمل الخيري في "لحظة العطاء"، تلك القفة الغذائية، أو الحملة الموسمية، أو التدخل الاستعجالي الذي يسد رمق الحاجة مؤقتا ثم يمضي. غير أن مسار "جمعية العون والإغاثة" يقدم سردية مغايرة تماما، تتبنى خيارا أقل جاذبية لعدسات الكاميرا، لكنه أكثر تعقيدا وعمقا على مستوى الأثر الاجتماعي: تحويل الإحسان من فعل عاطفي عابر إلى بنية تنظيمية مستدامة. وتشتغل الجمعية في حقل يبدو للوهلة الأولى كلاسيكيا، وهو كفالة الأيتام ودعم الأسر في وضعية هشاشة. لكن المقاربة المعتمدة هي ما يضع مسافة واضحة بينها وبين السائد. فبدلا من التركيز على الفرد كحالة معزولة تستدر العطف، تبنى تدخلات الجمعية على منطق "الأسرة كوحدة اجتماعية" متكاملة. هذا المنظور يفرض تتبعا طويل النفس، وتداخلا دقيقا بين الدعم الاجتماعي، والمواكبة التربوية، والرعاية النفسية. إنه خيار صعب ومكلف، تتراكم نتائجه ببطء شديد بعيدا عن الأضواء، لكنه الخيار الوحيد القادر على تقليص مساحات الهشاشة بدلا من إعادة إنتاجها عبر تكريس ثقافة الاتكالية. هنا، لا يتم التعامل مع اليتيم كمشروع خيري، بل كجزء من نسق أسري يحتاج إلى الترميم ليعود قادرا على العمل والإنتاج. وقد شكل حصول الجمعية على صفة المنفعة العامة سنة 2011 منعطفا حاسما، لم يكن مجرد تتويج شرفي، بل لحظة انتقال نحو منطق مؤسساتي صارم. فمنذ ذلك الحين، بدا جليا أن الجمعية تسعى لتثبيت نموذج تدبيري يقوم على الحكامة الداخلية، وضبط المساطر، وتوحيد بروتوكولات التدخل. وفي سياق نادر نسبيا داخل الحقل الجمعوي المغربي، يقرأ اعتماد الجمعية لمعايير الجودة الدولية (ISO 9001) لا كزينة إدارية للتباهي، بل كمحاولة جادة لإخضاع العمل الخيري لمنطق المحاسبة والتقييم الدقيق. إنها محاولة لدمج الكفاءة التدبيرية للقطاع الخاص مع القيم النبيلة للعمل التطوعي. وفي مدينة كطنجة، التي تشهد تحولات ديموغرافية واقتصادية متسارعة، وتتقاطع فيها دينامية الاستثمار القوية مع جيوب فقر صامتة، وجدت الجمعية مجالها الحيوي. هي لا تشتغل في واجهات المدينة البراقة، ولا في المناطق التي تستهوي التغطيات الإعلامية السريعة، بل تنشط في "الهوامش الاجتماعية" التي نادرا ما تصنع العناوين العريضة. وفي تلك المناطق الظليلة، تقاس النجاعة بمعايير مختلفة: قدرة الأسرة على الصمود أمام الأزمات، وليس بعدد الأنشطة المنجزة. وهذا ما يفسر الحضور المتواصل للجمعية في الميدان، دون أن تقترن باسمها تلك السردية الاستعراضية التي تطبع عمل بعض الهيئات الأخرى. ويتجسد هذا التوجه بوضوح في برامج مهيكلة مثل "الأمان السكني". في هذا البرنامج، تتجاوز الجمعية المفهوم التقليدي للترميم أو التمليك، لتطرح رؤية تربط السكن بالكرامة الإنسانية، وتتعامل مع المسكن اللائق كشرط أولي وحاسم لأي مسار تمكين لاحق. الأرقام المسجلة في هذا البرنامج كبيرة، لكن الأهم هو الفلسفة التي تحكمها: السكن كمدخل للاستقرار الاجتماعي والنفسي. والمثير للانتباه أن الجمعية، ورغم هذا الحجم من العمل الميداني الكثيف، لم تطور خطابا تسويقيا متضخما حول ذاتها. فنادرا ما تبرز في النقاشات الإعلامية الصاخبة، ولا تقدم نفسها كفاعل "نموذجي" يملك حلولا سحرية. هذا الصمت النسبي ليس مؤشر ضعف، بقدر ما هو خيار استراتيجي؛ فالجمعية تراهن على رصيد الثقة المتراكم لدى المستفيدين والشركاء المانحين، لا على بناء صورة عامة سريعة الاستهلاك. ضمن هذا السياق، يصبح حضور الجمعية في استفتاء "شخصيات السنة" الذي تنظمه مؤسسة "طنجة 24" معطى كاشفا أكثر منه هدفا في حد ذاته. فهذا الترشيح لا يقدم كإنجاز منفصل، بل كنتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل غير المرئي. وتصويت الجمهور هنا لا يكافئ حدثا بعينه وقع هذه السنة، بل يلتقط أثرا تراكميا يصعب رصده بالأدوات التقليدية لقياس الرأي العام. ويبقى السؤال مفتوحا ومشروعا في آن واحد: هل يستطيع هذا النموذج، القائم على الهدوء والمؤسساتية الصارمة، الصمود طويلا في بيئة إعلامية واجتماعية تميل غالبا إلى الاختزال والسرعة والبحث عن "البوز"؟ ما هو مؤكد، أن "جمعية العون والإغاثة" لا تشتغل باعتبارها فاعلا ظرفيا محكوما بردود الفعل، بل كمؤسسة تحاول —بصمت وإصرار— إعادة تعريف معنى العمل الاجتماعي في مدينة لا تمنح دائما الوقت الكافي للتفاصيل الدقيقة.