في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن طنجة مجرد مدينة ساحلية مغربية، بل كانت مسرحا مفتوحا تتقاطع فيه طموحات الإمبراطوريات الأوروبية وتُحاك في مقاهيها وأزقتها سياسات التغلغل الأجنبي. وسط صخب الميناء، وتعدد اللغات، وحركة المبعوثين الدبلوماسيين والتجار، بدأت تظهر في المدينة مقرات مغلقة لا تحمل لافتات واضحة، يجتمع فيها رجال ببدلات أنيقة خلف أبواب موصدة. كانت تلك هي البدايات الأولى لدخول المحافل الماسونية إلى التراب المغربي، وهي ظاهرة ستترك خلفها إرثا ثقيلا من الأساطير ونظريات المؤامرة التي لا تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم. اليوم، حين يُذكر مصطلح "الماسونية"، تقفز إلى الأذهان فورا صور نمطية عن تنظيمات سرية عالمية تسعى لهدم الأديان والسيطرة على مقدرات الشعوب، وهي سرديات طغت على النقاش العام لعقود. لكن العودة إلى الأرشيفات التاريخية والوثائق القنصلية لتلك الحقبة، تكشف قصة مختلفة تماما وأكثر ارتباطا بالواقع الجيوسياسي البراغماتي؛ قصة محافل كانت بمثابة أذرع ناعمة للقوى الاستعمارية، ونوادي للتشبيك المصلحي، أكثر من كونها غرف عمليات لإدارة العالم. البدايات: بوابة التغلغل الدبلوماسي وتاريخيا، لم يكن ظهور الماسونية في المغرب معزولا عن سياق الضعف الذي أصاب أجهزة الدولة آنذاك والضغوط العسكرية التي أعقبت حرب تطوان (1859-1860). وبحسب التوثيق الأرشيفي، ومنه الأبحاث التحليلية للباحث الأسترالي كينيث هيندرسون، سُجلت الإرهاصات الأولى للعمل الماسوني في طنجة في بداية ستينيات القرن التاسع عشر. لم تكن هذه المحافل تنظيمات محلية المنشأ، بل كانت امتدادا مباشرا للمحافل الكبرى في أوروبا. لقد رأت القوى الأجنبية المتنافسة على كعكة النفوذ في المغرب في هذه المحافل أداة فعالة لتعزيز تواجدها. الأرشيف الإسباني، على سبيل المثال، يوثق لتأسيس إسبانيا وحدها لنحو عشرين محفلا في طنجة. ولم تكن فرنسا وبريطانيا ببعيدتين عن هذا السباق. فكانت هذه المحافل توفر فضاء آمنا للدبلوماسيين والضباط ورجال الأعمال الأجانب لتبادل المعلومات، وتنسيق المواقف، وتمرير المصالح التجارية بعيدا عن الرقابة المباشرة للسلطات المغربية. البحث عن "الحماية" لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الحقبة هو انخراط نخب محلية مغربية، من يهود ومسلمين، في هذه التنظيمات الأجنبية. فالتفسير التاريخي الدقيق لهذا الانخراط لا يكمن في اعتناق مبادئ فلسفية معقدة أو الانخراط في مؤامرات كونية، بل في واقع سياسي واقتصادي محدد يحمل اسم "نظام الحمايات القنصلية". وفي ذلك الزمن، كان الحصول على وضع "محمي" من طرف قنصلية أجنبية يعني الإعفاء من الضرائب المحلية، والخروج من دائرة القضاء المغربي، والحصول على امتيازات تجارية واسعة. ولقد أدرك العديد من التجار والأعيان، ومن أبرزهم شخصيات مثل ليفي كوهين الذي أسس أول صحيفة في طنجة "لو ريفاي دو ماروك" (Le Réveil du Maroc) عام 1883، أن أبواب المحافل الماسونية هي أقصر طريق لنسج علاقات وطيدة مع القناصل والسفراء الأوروبيين، وبالتالي ضمان هذه الحماية القنصلية الثمينة. لقد كانت الماسونية في طنجة، بالنسبة للمحليين، بطاقة دخول إلى نادي النخبة الحاكمة فعليا في المدينة. صناعة الأسطورة: بين السرية وسوء الفهم لكن كيف تحولت إذن هذه النوادي السياسية والتجارية إلى غول أسطوري في المخيال الشعبي؟ الإجابة تكمن في تركيبة هذه المحافل نفسها. حيث الاعتماد الصارم على الكتمان، والطقوس الرمزية المغلقة، واستخدام الإشارات السرية للتعارف، كلها عوامل اصطدمت بمجتمع تقليدي غير معتاد على هذا النمط من التنظيمات. وفي ظل غياب المعلومة، نمت الشائعات. ومما أجج هذه السرديات، استيراد نظريات المؤامرة الأوروبية نفسها، ولا سيما تلك التي راجت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، والتي ربطت بين الرأسمالية الصاعدة، والجاليات اليهودية، والماسونية، في تهمة جاهزة بالتآمر العالمي بغرض تدمير القيم وتفكيك المجتمعات. وتلقف الرأي العام المحلي هذه السرديات المستوردة، وأسقطها على المحافل المتواجدة في طنجة، متجاهلا أن هذه المحافل كانت في الغالب منقسمة على نفسها، وتخوض صراعات مريرة فيما بينها تعكس صراع دولها الأصلية (فرنسا ضد إسبانيا، وبريطانيا ضد الجميع) على الانفراد بحكم المغرب، ولم تكن يوما جبهة عالمية موحدة كما تروج الأساطير. نهاية الحقبة .. الاستقلال يطوي الصفحة إن الدليل الأكبر على ارتباط الماسونية في طنجة بالاستعمار والنفوذ الأجنبي، هو الطريقة التي انتهت بها. فمع حصول المملكة المغربية على استقلالها واسترجاع سيادتها الوطنية عام 1956، وإلغاء الوضع الدولي لمدينة طنجة، فقدت هذه المحافل مبرر وجودها العملي. وتفككت شبكات المصالح الأجنبية، وألغي نظام الحمايات القنصلية، وغادرت الجاليات الأوروبية التي كانت تشكل العمود الفقري لهذه التنظيمات. وسرعان ما أغلقت المحافل أبوابها في طنجة، ونقل من تبقى من أعضائها نشاطهم إلى جيوب أخرى مثل جبل طارق. لم تسقط الماسونية في طنجة بفعل مواجهة كبرى مع قوى خفية، بل تلاشت بكل بساطة لأن السياق الاستعماري الذي خلقها قد انتهى. اليوم، تقف طنجة الحديثة كمدينة مغربية سيادية كبرى، بينما بقيت حكاية المحافل الماسونية فيها مجرد فصل من فصول تاريخ دبلوماسي معقد، فصل يثبت أن الحقيقة التاريخية، المتمثلة في صراع الدول على النفوذ والمصالح، غالبا ما تكون أكثر تعقيدا وواقعية من أكثر نظريات المؤامرة إثارة.