محمد احميدوش – و م ع: مع انبلاج خيوط المساء، وبينما تمضي بروكسل على إيقاعها اليومي الرتيب، يبدأ حول المسجد الكبير في قلب العاصمة نبض مختلف، وتيرة أكثر هدوءا وأعمق معنى، كأن الزمن يبطئ خطاه احتراما لسكينة تتسلل إلى المكان. تخفت الضوضاء شيئا فشيئا، وتغدو الخطوات أكثر وقارا، فيما تتقاطع الأنفاس في فضاء يوشك أن يكتسي مهابة اللحظة. هناك، عند عتبة المسجد، لا يعود المساء مجرد انتقال من ضوء إلى ظلمة، بل يتحول إلى فسحة روحانية تنفصل عن صخب المدينة، وتؤسس لإيقاع آخر... إيقاع الطمأنينة. قبيل الساعة السابعة والنصف مساء، يبدأ المصلون في التوافد تباعا نحو هذا الصرح القائم في قلب Parc du Cinquantenaire منذ عام 1897، غير بعيد عن الحي الأوروبي. في مجموعات صغيرة، يعبرون بوابات الحديقة بهدوء، تاركين خلفهم صخب المدينة وضجيجها. ومع الاقتراب من المسجد، تخفت الأحاديث وتغدو الخطوات أكثر وقارا. في أجواء يسودها النظام والطمأنينة، يتجه الجميع نحو المدخل استعدادا لأداء صلاتي العشاء والتراويح. شيئا فشيئا تمتلئ قاعة الصلاة، بعضهم يتصفح المصحف في خشوع، وآخرون يرددون آيات يحفظونها عن ظهر قلب. هنا يؤدي مصلون ركعتي تحية المسجد، وهناك تنساب حبات السبحة بين الأصابع في تأمل صامت. الأطفال، بوقار لافت، يراقبون حركات الكبار، فيما يحرص المتطوعون، بحضورهم الهادئ، على إرشاد الوافدين إلى الأماكن الشاغرة، وضبط استقامة الصفوف، وتذكير الجميع بلطف بقواعد الانضباط. يغمر المكان جو من السكينة العميقة. تتباين الإضاءة الخافتة مع عتمة السماء الشتوية المتسللة عبر النوافذ، بينما تنثر الثريات ضياء دافئا ينعكس على السجاد الممتد، كأنه يرسم للمصلين طريقا نحو مواضعهم. تعبق الأجواء بعبير خفيف من البخور، يمتزج بعطر المصاحف المصطفة قرب المحراب، في انتقال رمزي من ضوضاء الخارج إلى صفاء الداخل. ثم يرتفع صوت المؤذن رخيما مطمئنا، يستقبل مئات القادمين ليغذ وا أرواحهم في هذا الشهر الفضيل. وعلى صورة بروكسل، العاصمة "الكوزموبوليتانية"، تعكس الجموع تنوعا ثقافيا بديعا، تتداخل الهمسات بالعربية والفرنسية والهولندية والتركية وغيرها، وتشي الوجوه بأصول متعددة من المغرب العربي إلى إفريقيا جنوب الصحراء، ومن الشرق الأوسط إلى آسيا. اختلافات تذوب جميعها في لحظة جامعة عنوانها الإيمان. وعلى امتداد الطوابق الثلاثة، ينتظم الرجال والنساء في صفوف متراصة، أكتاف إلى أكتاف، في مشهد يجسد الوحدة والتماسك. ومع ترديد الآيات في صلوات التراويح، يخيم إحساس بتعليق الزمن، وكأن صخب المدينة القريب انحسر مؤقتا خلف جدران الخشوع. وبين ركعة وأخرى، تتحرك الجموع في هدوء، جرعة ماء، تمديد ساقين أنهكهما صيام يوم طويل، أو انسحاب صامت لمن أجهدهم التعب. غير أن السكينة سرعان ما تستعيد حضورها، مذكرة بأن رمضان ليس مجرد شعيرة، بل تجربة روحية عميقة وفردية. تحت القباب المضيئة، وفي انضباط الصفوف وعذوبة التلاوات، ترتسم صورة جالية مسلمة متعددة المشارب، موحدة بالإيمان. ومع ختام الصلاة، يغادر المصلون في هدوء، تستقبلهم برودة الليل، مدركين أن الفجر قريب وأن يوما جديدا من الصيام ينتظرهم. هناك في قلب بروكسل، وعلى مقربة من المؤسسات الأوروبية، تنطوي لحظة زمنية فريدة، حيث تتوارى الفوارق أمام سعي روحي مشترك. وهكذا، وفي حضرة هذا الصفاء، تتلاشى الفوارق وتبقى القيم، التضامن، والتراحم، وحسن الجوار. ويغدو المسجد، في قلب المدينة، منارة هادئة تذكر بأن رمضان ليس زمنا عابرا، بل حالة إنسانية تتجدد كل مساء، تعلي شأن الرحمة وتستدعي أجمل ما في الإنسان من صفاء وإيمان.