حين تهدأ المدن قليلا قبيل أذان المغرب، وتستعيد الأزقة أصواتها الأولى مع روائح الحريرة وخبز الفران، تبدو طنجة مختلفة؛ لا باعتبارها قطبا اقتصاديا صاعدا أو بوابة إفريقيا على أوروبا فحسب، بل بوصفها مدينة تسكنها أحياؤها قبل أن تسكنها مشاريعها، وتختزن ذاكرتها في تفاصيل الحومة قبل العنوان العريض. ومن هذا المنطلق، تأتي سلسلة "أحياء صنعت طنجة"، التي تنشرها صحيفة طنجة 24 طيلة شهر رمضان، لتعيد قراءة المدينة من داخل أحيائها، وتستحضر، حلقة بعد أخرى، كيف أسهمت هذه الفضاءات في صياغة ملامح طنجة وتحولاتها عبر الزمن. -9- لا تحتاج بعض الامكنة الى لافتات تعريفية او وثائق توجيهية لاثبات هويتها. يكفي ان يتردد مصطلح "الحي الاسباني" في اي نقاش محلي حتى يتضح ان الحديث لا يدور حول مجرد تجمع سكني او حي عادي، بل عن جزء اصيل من النسيج العمراني للمدينة الجديدة. فذلك المجال الجغرافي ما يزال يحمل، في هندسته اليومية وتفاصيل حركيته، بقايا زمن لم يغادر تماما، بل اختار ان يندمج في يوميات عاصمة البوغاز. ومع ذلك، فالاسم في حد ذاته ليس تصنيفا اداريا صارما معتمدا في الوثائق الرسمية او في التخطيط الحضري لمدينة طنجة. غير انه، رغم ذلك، يعيش بقوة ورسوخ في التداول المحلي. فمضمونه والدلالات التي يحملها اوضح من ان تحتاج الى قرار بلدي لتكريسها؛ اذ في هذا المحيط الممتد بين ساحة "ايبيريا" وساحة "الكويت"، مرورا بامتدادات شارع الحبيب بورقيبة وشارع سيدي محمد بن عبد الله، تتركز الى اليوم شبكة من المؤسسات الاسبانية. ولهذا السبب، فان هذا الحضور التعليمي والثقافي والدبلوماسي يجعل المكان اقرب الى ارشيف مفتوح منه الى مجرد منطقة حضرية. كما انه، وحتى اللحظة، ما تزال وزارة التعليم والتدريب المهني الاسبانية تضع مدرسة "رامون اي كاخال" وثانوية "سيفيرو اوتشوا" ضمن النطاق الجغرافي لحي ايبيريا في طنجة. وفي المحيط نفسه ايضا يوجد معهد "ثيربانتس" في شارع سيدي محمد بن عبد الله، وهو ما يؤكد ان هذا التجمع المؤسساتي يعكس سياسة استقرار لا مجرد صدفة عمرانية. تسمية شعبية اقوى من التحولات الادارية ومن هنا، فان ما يلفت الانتباه في مقاربة "الحي الاسباني" ليس فقط طبيعة المؤسسات التي يحتويها، بل كذلك الطريقة التي نجا بها اسمه من التغيرات التي طرأت على المدينة. فعادة ما تتبدل اسماء الاحياء مع تعاقب الاجيال، او تذوب داخل تسميات ادارية احدث تواكب التوسع الحضري. غير ان هذا الحي ظل محتفظا بلقبه غير الرسمي، ولعل التفسير الاقرب لذلك هو ان التسمية تصف وظيفة المكان واستمراريته اكثر مما تصف حدوده الجغرافية. ذلك ان الناس هنا لا يتذكرون التاريخ بوصفه فصلا منتهيا ومغلقا، بل بوصفه واقعا ما يزال مرئيا وقابلا للتفاعل. فالمدارس الاسبانية تستقبل مئات التلاميذ، والقنصلية تقدم خدماتها اليومية، والمعهد الثقافي ينظم فعالياته، بينما يقف مستشفى تاريخي حاملا الاسم نفسه الذي حمله قبل عقود. ولذلك يبدو مصطلح "الحي الاسباني" بعيدا عن كونه مجرد حنين الى الماضي، واقرب الى اسم عملي يختصر ما بقي من حضور اسباني منظم داخل نسيج طنجة الحديث. ومن جهة اخرى، تساعد العودة الى الذاكرة المكتوبة على فهم الجذور العميقة لهذا الرسوخ. فقد اشارت مادة ارشيفية نشرتها صحيفة "ال باييس" الاسبانية الى ان منطقة "سان فرانسيسكو" القريبة من ساحة ايبيريا كانت تعرف، الى حدود سبعينيات القرن الماضي، باسم "حومة اسبانيول". وقد احتضن هذا المجال تاريخيا مؤسسات اقيمت خصيصا لخدمة الجالية الاسبانية، وشملت مدارس ومستشفى ومرافق دينية وخدماتية متنوعة. ولذلك لا يتعلق الامر بمجرد استعارة لغوية يرددها السكان بعفوية، بل بترسب تاريخي حقيقي بقيت له معالم محسوسة وفاعلة داخل دينامية المدينة. فضاء لا يكتفي باستضافة الماضي غير ان اختزال الحي في ذاكرته التاريخية فقط سيكون، من زاوية التحليل السوسيولوجي والعمراني، تقييما غير منصف. فالمكان لم يتحول الى متحف صامت يعرض اطلال الامس، بل ما يزال يؤدي وظائف حيوية تساهم في تشكيل الهوية الثقافية لطنجة المعاصرة. فمعهد "ثيربانتس"، على سبيل المثال، ليس مجرد عنوان ثقافي تقليدي في المدينة، بل يحتضن مكتبة "خوان غويتيسولو" التي تعود اصولها الى سنة 1941. وهذه المكتبة، التي تعد من اقدم المكتبات الاسبانية الموجودة خارج الاراضي الاسبانية، تضم مجموعات نادرة ومرجعية مرتبطة بتاريخ طنجة والمغرب والعلاقات المعقدة بين ضفتي المضيق. ومن هنا يتضح ان المعنى اعمق بكثير من مجرد وجود مؤسسة ثقافية اجنبية؛ فنحن امام ذاكرة موثقة للمدينة نفسها، محفوظة ومتاحة داخل بناية ما تزال تشتغل بانتظام في قلب هذا الحي. استمرارية مؤسساتية ومفاوضة الزمن وبالمنطق نفسه، ينطبق الامر ايضا على "المستشفى الاسباني"، الذي لا يزال حاضرا بقوة في وثائق الادارة الاسبانية الحديثة. كما يؤكد هذه الاستمرارية استمرار نشر اعلانات توظيف رسمية خاصة بهذا المرفق خلال عام 2025. ويشير هذا المؤشر الاداري بوضوح الى ان الحضور الاسباني في هذا الجزء من طنجة ليس مجرد اثر قديم تتداوله كتب التاريخ، بل بنية مؤسساتية مستمرة وقادرة على التكيف، حتى وان تغيرت ادوارها وسياقاتها السياسية والديمغرافية. وفي هذا السياق بالذات يبرز الحي الاسباني كفضاء يفاوض الزمن بدل ان يستسلم لحتمية الاندثار؛ فهو من جهة لم يبق متجمدا في صورته القديمة، ومن جهة اخرى لم ينقطع تماما عن جذوره وما كان يمثله في الماضي. ولهذا السبب يصعب على المراقب او الباحث النظر الى الحي الاسباني باعتباره مجرد عنوان جغرافي على خريطة طنجة. فهو يمثل احد تلك الاماكن الاستثنائية التي تكشف كيف تكتب المدن الكبرى تاريخها على مهل؛ ليس فقط في السجلات والكتب الموثقة، بل ايضا على الارصفة وفي واجهات المباني. وفي مدينة مثل طنجة، التي عاشت تعاقب اكثر من طبقة سيادية، وتداخلت فيها اكثر من لغة، وتقاطع فيها اكثر من خيال اجنبي، يبدو هذا الحي شاهدا على مرحلة تاريخية لم تختف، بل اعادت ترتيب نفسها بذكاء داخل معطيات الحاضر. ولذلك يظل الاسم متداولا وحيا، لانه لا يصف الماضي وحده، بل يصف بدقة ما بقي منه حيا وماثلا وقابلا للمشي بين تفاصيله في كل يوم.