يحلّ فاتح ماي 2026 هذه السنة على وقع مفارقة صارخة: دينامية اجتماعية نشيطة لفائدة الأجراء، مقابل صمت ثقيل يلفّ وضعية المتقاعدين. وبين هذا وذاك، يبرز سؤال العدالة الاجتماعية في أحد أكثر أبعاده حساسية وعمقًا. فالمتقاعد المغربي، سواء في القطاع العام أو الخاص، ليس مجرد رقم في جداول المعاشات، بل هو فاعل اقتصادي واجتماعي أفنى سنوات عمره في العمل والإنتاج، وساهم بشكل فعلي في بناء الوطن، وفي ترسيخ دعائم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. هو من صنع القيمة، وراكم التجربة، وأسهم في استقرار المؤسسات. غير أن هذا الرصيد، عند لحظة التقاعد، يبدو وكأنه يفقد وزنه داخل معادلة السياسات العمومية. لقد حملت جولات الحوار الاجتماعي خلال 2024 و2025، واستمر أثرها في 2026، إجراءات ملموسة لفائدة الأجراء، من زيادات في الأجور إلى مراجعة الضريبة على الدخل والرفع التدريجي للحد الأدنى للأجر. وهي خطوات مهمة لا يمكن إنكارها. لكنها، في المقابل، عمّقت فجوة صامتة: فجوة بين من لا يزال داخل سوق الشغل، ومن غادره بعد عقود من العطاء. في ظل هذا الواقع، يواجه المتقاعد اليوم ضغطًا مزدوجًا: تآكل القدرة الشرائية بفعل الغلاء، وغياب آليات مراجعة دورية للمعاشات تواكب هذا التحول. وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: هل يُعقل أن يتحول المتقاعد، بعد مسار مهني طويل، إلى عبء على أسرته؟ أسرة تعاني بدورها من ارتفاع تكاليف المعيشة، ومن هشاشة سوق الشغل، ومن بطالة تُقوّض توازنها اليومي. اقتصاديًا، تدرك الحكومة أن أي مراجعة واسعة للمعاشات تطرح كلفة مالية حقيقية، خاصة في ظل اختلالات بعض صناديق التقاعد والتحديات الديمغرافية. لكن في المقابل، فإن تأجيل هذا الملف يراكم كلفة اجتماعية صامتة، قد تكون أكثر عمقًا على المدى المتوسط. إن الاقتصار على منطق التوازنات المالية دون إدماج البعد الإنساني، يحوّل ملف التقاعد إلى معادلة محاسبية باردة، ويُفرغ مفهوم الحماية الاجتماعية من أحد أهم مرتكزاته: الاستمرارية. وفي هذا السياق، تعود إلى الواجهة مطالب طال انتظارها: مراجعة معاشات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إقرار حد أدنى كريم للمعاش، وإرساء آلية ربط المعاشات بمؤشر الأسعار. لكن سؤالًا آخر لا يقل أهمية يفرض نفسه في هذا النقاش: هل أعددنا للمتقاعدين فضاءات اجتماعية وثقافية ورياضية لائقة، بأثمنة مشجعة، تضمن لهم استمرارية الاندماج والحياة النشيطة؟ أم أننا نترك هذه الفئة، بعد سنوات من العطاء، لمواجهة الفراغ اليومي بوسائل محدودة، قد تختزل الزمن في رتابة المقاهي أو أنشطة لا تعكس قيمة المسار الذي قطعوه؟ إن كرامة المتقاعد لا تختزل فقط في قيمة المعاش، بل تمتد إلى جودة الحياة، وإلى الإحساس بالانتماء والاستمرار داخل المجتمع. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تحسين أجور العاملين، بل في ضمان كرامة من أنهوا مسارهم المهني. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تمنحه لشبابها، بل أيضًا بما تحفظه لكرامة شيوخها. وفي فاتح ماي، الذي يُفترض أن يكون عيدًا لكل من ساهم في العمل، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سنواصل تأجيل إنصاف المتقاعدين بدعوى الكلفة... أم سنعيد ترتيب الأولويات بما يجعل العدالة الاجتماعية ممتدة من بداية العمل إلى نهايته؟ إلى ذلك الحين، سيظل المتقاعد المغربي معلقًا بين ماضٍ قدّمه للوطن بسخاء... وحاضر ينتظر فيه التفاتة قد تتأخر أكثر مما ينبغي.