حين تهدأ المدن قليلا قبيل أذان المغرب، وتستعيد الأزقة أصواتها الأولى مع روائح الحريرة وخبز الفران، تبدو طنجة مختلفة؛ لا باعتبارها قطبا اقتصاديا صاعدا أو بوابة إفريقيا على أوروبا فحسب، بل بوصفها مدينة تسكنها أحياؤها قبل أن تسكنها مشاريعها، وتختزن ذاكرتها في تفاصيل الحومة قبل العنوان العريض. ومن هذا المنطلق، تأتي سلسلة "أحياء صنعت طنجة"، التي تنشرها صحيفة طنجة 24 طيلة شهر رمضان، لتعيد قراءة المدينة من داخل أحيائها، وتستحضر، حلقة بعد أخرى، كيف أسهمت هذه الفضاءات في صياغة ملامح طنجة وتحولاتها عبر الزمن. -4- من "السواني" المسقية إلى شرايين الإسفلت، هي حكاية الرقعة التي تحولت من هامش فلاحي هادئ إلى عقدة حضرية نابضة بالحركة، والتي تعيد صياغة مفهوم الاستقرار السوسيواجتماعي في عاصمة البوغاز. فلم تكن أحياء مقاطعة السواني يوما بحاجة إلى اسطورة احتجاجية لتثبت وجودها، ولا إلى رمزية سلطوية او مخزنية لتفرض ثقلها داخل المشهد العام؛ بل كانت، في المقابل، "الرقم الصعب" الذي يترجم بصمت وعمق تحولات الطبقة المتوسطة وتمدد المدينة خارج اسوارها التاريخية. وفي المخيال الجمعي لساكنة طنجة، لم تكن هذه الرقعة الترابية مجرد تجمع سكني عابر لتفريغ الفائض البشري، وانما كانت، كذلك، "الخزان" الديموغرافي والاقتصادي الذي امتص صدمة التوسع الحضري السريع. ذلك انه، كلما تسارع ايقاع النمو الديمغرافي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان هذا المجال الترابي يقدم "الحل الحضري" الامثل، حيث ان الكثافة المعتدلة والاستقرار العائلي يفعلان فعلهما في هندسة ايقاع يومي يبتعد تماما عن صخب الاطراف الهامشية، كما يبتعد عن عزلة النخب المخملية. اما بلغة السوسيولوجيا الحضرية، فنحن امام مجال هندس نفسه وفق ايقاع مؤسساتي دقيق؛ ولتقريب الصورة، فان هذا الفضاء الذي كان يكتفي بتموين المدينة بالغذاء قديما، قد تحول اليوم الى قلبها التجاري والاداري، متجاوزا وظيفته السكنية، بل ومضاهيا في حيويته مراكز مدن باكملها، وذلك بفضل بنياته التحتية المتشابكة وحركيته المرورية التي لا تهدأ. جذور "المجال" .. من "السانية" الفلاحية الى الحاضرة الاسمنتية ولم يكن هذا التحول الجذري وليد قرار اداري او تخطيط فوقي مفاجئ، كما ان الاسم نفسه ليس يافطة مستحدثة في سجلات الادارة الترابية، بل هو، في العمق، وشم جغرافي غائر في ذاكرة الارض. اذ ان تسمية "السواني" تحيل، في المعجم المحلي المغربي، الى جمع "سانية"، اي ذلك البستان الخصب المسقي المرتبط بآبار تدار بالدواب، وقنوات ترسم خرائط الماء على تخوم المدينة القديمة. وقد ظلت هذه الارض، الحاملة لهذا الارث الفلاحي المائي، لزمن طويل مجرد فضاء بيني ناء يجاور طريق الرباط، ولا ينتمي لا الى طنجة الدولية، ولا الى نواة القصبة والمدينة القديمة؛ غير ان دينامية التوسع العمراني الزاحف نحو الغرب كانت، من جهة اخرى، اسرع من بقاء السواقي على حالها. وهكذا، وفي ظرف زمني وجيز، نبتت العمارات ذات الطوابق الثلاثة والخمسة مكان الضيعات، واختفت الابار العميقة تحت الاساسات الاسمنتية؛ ولم تكن هذه الطفرة مجرد تغيير في ملامح المكان، بل تحولت، بالتوازي، الى منصة استقبال كبرى لطبقة صاعدة من الموظفين، والتقنيين، والتجار الصغار، الذين شكلوا العصب الاداري والخدماتي للمدينة. اقتصاد القرب.. عندما يتحول الحي الى مركز سيادي يومي لكن اللحظة المفصلية التي نقلت السواني من مجرد امتداد عمراني عادي الى "مركز ثقل" حقيقي لم تصنعها الشقق السكنية وحدها، بل صنعها، في الان ذاته، التحول التجاري والمؤسساتي الموازي. اذ يبرز ضمن هذا المجال الترابي سوق "كاساباراطا" الشهير، احد اكبر اسواق القرب واكثرها حيوية في جهة الشمال، والذي ضخ دينامية اقتصادية ثابتة في شرايين المقاطعة؛ ومع الارتقاء الاداري للسواني الى مقاطعة حضرية، اكتسب الاسم بعدا مؤسساتيا سياديا، وتحول، تبعا لذلك، من مجرد وصف جغرافي متداول الى وحدة ترابية ذات صلاحيات محلية تدبر الشان العام اليومي. وفي هذه اللحظة بالذات، كرست المقاطعة "استقلاليتها" الوظيفية؛ اي انها فرضت نفسها ككيان يمتلك مقومات البقاء، ويختلف، في الان نفسه، في مزاجه عن "بني مكادة" ذات الكتلة البشرية الهادرة، وعن "مرشان" ذي الرمزية الارستقراطية. ومنذ ذلك الحين، ترسخت في الوعي المحلي قناعة بان السواني هي "المنطقة الامنة" التي تضمن توازن طنجة، حيث ان المدارس والادارات والمقاهي تصنع، بدورها، ايقاعا منتظما للحياة. من اقتصاد الماء الى منصة "الاستقرار الماكرو-اجتماعي" وهذا "الاستقرار السوسيواجتماعي"، من جهته، فرض على المقاربة التنموية التعاطي مع المنطقة كشريان حيوي لا غنى عنه؛ فالطرق الداخلية الكبرى، كشارع مولاي رشيد وطريق الرباط، لم تعد مجرد ممرات، بل اضحت محاور استراتيجية تعبرها عشرات الالاف من المركبات يوميا، لتربط، في ان واحد، المركز بالامتداد الغربي للمدينة. واليوم، يعكس اقتصاد السواني نموذجا متكاملا لاقتصاد القرب بامتياز، معتمدا، اساسا، على قوة الاستهلاك الداخلي للاسر، وذلك بعيدا عن تقلبات الاستثمار السياحي او ارتهانات المناطق الصناعية الكبرى. غير ان الحقيقة التاريخية تظل، مع ذلك، شاهدة على طبقة جيولوجية اعمق؛ فانتقال السواني من اقتصاد الماء الى اقتصاد العقار يعني ان المقاطعة لم تعد مجرد معبر، بل اصبحت، فعليا، المحرك اليومي للحياة. ومن ثم، فان من يريد ان يفكك شفرة التطور الحضري لطنجة الحديثة، لا يجب ان يكتفي بقراءة واجهاتها البحرية المضاءة، بل عليه، كذلك، ان يغوص في عمق السواني. فهناك، حيث ابتلعت المدينة بساتينها لتحتضن ابناءها، وحيث تحولت الساقية الهادئة الى شارع صاخب يعج بالحركة وتديره اشارات المرور، تكمن الحكاية الحقيقية لحي لم يبحث يوما عن صناعة الاسطورة، بل اكتفى، عن وعي او بدونه، بصناعة شيء اندر واثمن: الاستقرار.