قد يرى البعض أن فعل القراءة، باعتباره فعلا يتميز بالديمومة، يكون في رمضان سفرا إلى العوالم الروحية معطى بديهيا، إلا أن البعض الآخر قد يراه فعلا انتقائيا، تكون له علاقة مباشرة بمجال الاشتغال وحقل الإبداع، أو استمرارية لمشروع قراءة يسبق الشهر الفضيل. ومرافقة القرآن الكريم في هذا الشهر من قبل المثقف والكاتب والشاعر تكون له أهداف أخرى بالإضافة الى التعبدية، فمن خلال حديث وكالة المغرب العربي للأنباء مع عدد من هؤلاء بجهة الشمال، يمكن أن يستشف تجاوزهم البحث عن الأجواء الروحانية، إلى التبحر في معاني الكتاب المبين، محققين بذلك أسمى الأهداف، أولها متعة التجربة الروحية وآخرها متعة الارتقاء بالنفس. وتلبية ل "نداء الروح" في شهر رمضان، كما يسميه الإعلامي والشاعر، سعيد كوبريت، يكون القرآن الكريم، وبشكل تلقائي، أولى القراءات، وذلك كما يوضح للوكالة قائلا "اهتداء إلى ذواتنا وإمعانا في أحوالنا واستجلاء هدى ومنارات الفلك الحائرة في عتمة وعمى هذا الزمن الأرعن". ففعل تلاوة القرآن، وفق كوبريت، ليس غرضه فقط الظفر بختمة أو ختمات، بل من أجل استنباط ما بين السور وفيها أيضا، الأمر الذي يساعد في تدبرها بالقلوب قبل العيون. وهنا، توقف كوبريت، وهو أيضا رئيس بيت الصحافة بطنجة، عند قراءة الحزب الراتب في المساجد المغربية، معتبرا أن هذا الفعل "بمثابة الملاذات والظلال الآمنة التي ننعم به في شهر الصيام" ببلادنا. وللقراءات الأدبية والإبداعية الأخرى التي دخل كوبريت غمارها حتى قبل الشهر الفضيل علاقة مباشرة بالمجال الإعلامي لاسيما وأنه يشرف في هذا الشهر على برنامج على أثير إذاعة طنجة يحمل عنوان "مدن تسكننا" وبالتالي ولج عوالم روائيين كانت فضاءات المدن وذاكرتها تيمة لأعمالهم. ويجزم الإعلامي، الذي صدرت له دواوين عدة منها "الباحات" و "مثل عاشق يلاحق الريح" و "أسير إليك سيرا لسر ك"، "أرق من عناق" أنه مع توالي السنين "أضحى عفو الخاطر يحسم ويحدد طبيعة المتون التي من شأنها أن تضخ بعضا من مورفين سعادة القراءة، ومنها نبش ذاكرة المدن والتجوال في أزقتها لتنسم عطر حضاراتها وتاريخها وعاداتها وتقاليدها". ويوضح أنه وبالتوازي مع برنامجه "مدن تسكننا"، لزم البحث عن أعمال وإصدارات وكتابات "تكون بمثابة المرويات والمحكيات وسرود تتفاوت في الحكي"، بعضها من منظور غربي وأخرى تمتح من الزاد العربي والإسلامي. ومن الأعمال التي اختار الاعتكاف عليها في هذا السياق رواية "باريس عيد، وليمة متنقلة" للروائي الأميركي الشهير، إرنست همنغواي، التي وصفها كوبريت بأنها "فتنة الليالي الغميسة جدا في متعها بباريس، واللقاءات ذات المعنى، وذات الاعتبار مع كتاب وشعراء وفنانين يرسمون كثيرا من الأحلام وآفاق انتظار في زمن الرومانسية الذي فات وولى في عشرينيات القرن الماضي". كما انغمس في دروب رواية "متشردا في باريس ولندن" لجورج اورويل متتبعا تفاصيل ليالي العاصمة الإنجليزية و سحر تقاليدها في فنون الحياة، وكذا في فضاءات رواية "ثلاثية نيويورك" لبول أوستير، الذي بحث فيها الروائي "عن إنسانية الانسان"، ليسقط، وفق تحليل كوبريت، "قناع الإيديولوجيات المفلسة". وعربيا اختار عوالم الإسكندرية التي تخيلها الروائي، إبراهيم عبد المجيد، في عمله "لا أحد ينام في الإسكندرية"، ليكتشف كوبريت أن المدينة في هذا العمل "هي الروح، هي الرائحة، والتاريخ والبحر، وتفاصيل الناس البسطاء". وقاده فعل القراءة الى اكتشاف مدينة إسطنبول من خلال رواية "إسطنبول: الذكريات والمدينة" للروائي التركي أورهان باموق، مستخلصا "قدرة هذا المبدع، وبفطنة ودهاء أن يشد بين خيوط لعبة التجوال في أحياء وأزقة وحواري مدينة إسطنبول العتيقة منها والجديدة". وخلص كوبريت، وهو أيضا عضو اتحاد كتاب المغرب، إلى أن القراءة في هذا المجال مكنته "من دخول المدن ليس من أبوابها، فحسب، وليس تحليقا فوق أجوائها، ولكن بالذاكرة الحبلى بتفاصيلها المطرزة، المسكونة في ذاكرة القارئ". ومن طنجة إلى شفشاون، يذهب الشاعر عبد الحق بنرحمون، رئيس جمعية أصدقاء المعتمد بنعباد بالمدينة الزرقاء، إلى أن القراءة تمكنه من أن يكون شاهدا على وقائع وأحداث متخيلة، معتبرا أن معانقة الكتاب في خلوة وعزلة، فعل يخاطب الوجدان والقلب والروح. وبالنسبة الى الشاعر، الذي صدرت له عدة دواوين من بينها "مكائد الأنفاس" و "أوتار البصيرة" و "برزخ الأصفياء" و"صاحبة السعادة" و "وجهي في النهر يدي في البياض" (2022)، و "ودثرتني" و"مقام الطير"، فالقراءة سفر وإنصات للكلمات والتماهي مع المعاني والأفكار، تماما كما فعل الكتابة الإبداعية. ويقر عبد الحق بنرحمون أن هناك كتبا بعينها تغويه باستمرار، هي كتب تنطق بالحقيقة، وتغريه للتصالح مع الذات، كما تربطه علاقة وجدانية بأسماء أدبية منها الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، والكاتب الروسي نيقولاي فاسيليفتش غوغول. ويوجه عبدالحق بن رحمون، بالإضافة إلى القرآن الكريم، البوصلة في هذا الشهر الفضيل، نحو رواد الشعر العربي قديما وحديثا، كالمتنبي وأبو العلاء المعري وأدونيس وبدر شاكر السياب، وكذا نحو الغرب أيضا بإطلالات على "مذكرات بابلو نيرودا: أعترف بأنني قد عشت"، وصوب مؤلفات تراثية مغربية. ومن شفشاون إلى تطوان تذهب الشاعرة والقاصة، مريم كرودي، إلى القول بأن علاقتها بالقراءة في شهر رمضان تعرف نوعا من التغير، وتميل إلى قدر أكبر من الهدوء والتأمل، كما يحتل القرآن الكريم "مكانة مركزية" في قراءاتها. وفي بوحها للوكالة تقول إنها تميل إلى النصوص التي تحمل قدرا من الصفاء الروحي والعمق الإنساني، وإلى الكتب التي تمنح اللغة مساحة للتأمل والجمال" على اعتبار أن القراءة بالنسبة لها "ليست مجرد فعل معرفي، بل تجربة داخلية" تعيد ترتيب العلاقة مع العالم ومع الذات. وبالإضافة إلى هذا، للشاعرة التطوانية نظرة أخرى لفعل القراءة في رمضان فهي تعتبره، كذلك، "زمنا لاستعادة الإيقاع البطيء للقراءة، ذلك الإيقاع الذي يسمح للنص أن يصغي إلينا كما نصغي إليه". وبالرغم من احتلال الشعر "مكانة خاصة" في قراءاتها، تميل أيضا في رمضان إلى قراءة الفكر والفلسفة والسير الذاتية والتاريخ. وعن فكرة اختيار نوعية الكتب، تقر الشاعرة التي أصدرت عام 2021 مجموعة شعرية تحمل عنوان "تراتيل التاء"، ومجموعة قصصية تحمل اسم "أحمر شفاه" أن القرار، في الغالب، ليس عقلانيا خالصا، بل هو أيضا نوع من الحدس. ومن بين النصوص التي تعود إليها مريم كرودي، بعض الكتابات الصوفية لجلال الدين الرومي، ومختارات من النصوص الشعرية لمحمود درويش، إلى جانب روايات تاريخية منها "موت صغير" لمحمد حسن علوان، و"ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور. ونظرا لحرقة سؤال القراءة في زمن التقنيات والذكاء الاصطناعي أجمع المبدعون الذين حاورتهم وكالة المغرب العربي للأنباء، كل من وجهة نظره، على أن التقنيات الحديثة لا يمكن أن تعوض لا فعل القراءة ورقيا، ولا فعل الكتابة الإبداعية، على اعتبار أن كلا الفعلين انسانيين مبنيان على العلاقة الحميمة التي تنشأ بين القارئ والكتاب وبين المبدع والقلم والورق. وهكذا، يمكن القول إنه لا يمكن الحديث عن "أزمة قراءة"، بالمعنى الحقيق للأزمة، بل عن أنماط للقراءة، التي أضحت، في كثير من الأحايين، مجزأة وسريعة وموزعة بين الشاشات والكتب.