سعيد رحم – تيزبريس في مشهد يعكس تناقضا صارخا بين صيانة الإرث الثقافي والإجراءات البيروقراطية، استفاقت جمعية علماء سوس بتيزنيت على مفاجأة غير سارة، عمال شركة تبليط، بأمر من جماعة تيزنيت، يحولون بقعة العقار التاريخي القريب من الجامع الكبير إلى موقف للسيارات، وكأنه ملك عمومي لا وريث له. والعقار هو عقار جمعية علماء سوس بالحيازة الفعلية للشيء، حيث كان يشيد فوقه إقامة للتلاميذ الداخليين بثانوية الحسن الثاني (معهد التعليم الأصيل سابقا)، والذي تبرعت به أسرة تيزنيتية عريقة شفويا لجمعية علماء سوس منذ أكثر من أربعين سنة. وقد وهبته إحدى العائلات العريقة بالمدينة العتيقة دون توثيق رسمي لأن الناس عادة في تلك الفترة لم يكونوا يوثقون ما يهبونه لطلبة العلم والمدارس العتيقة، وحيازة جمعية علماء سوس تبثت ببنائه من طرف الجمعية، وقد أصبح اليوم محل نزاع بين البلدية وأملاك الدولة وأطراف أخرى، بينما تقف جمعية علماء سوس التي بذلت الغالي والنفيس في بنائه مكتوفة الأيدي.. تعود قصة هذا العقار إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، إلى فترة ذهبية في تاريخ التعليم الأصيل بتيزنيت. كان المرحوم إبراهيم جمالي يدير المعهد، والأستاذ إبراهيم اللحياني يشغل منصب نائب التعليم، وبالتوازي كان على رأس جماعة تيزنيت بين 1976 و1982. في تلك الفترة، بادرت جمعية علماء سوس، بفضل مكانتها العلمية والأخلاقية، إلى جمع التبرعات لبناء بناية لإيواء التلاميذ الداخليين المتمدرسين بالتعليم الأصيل، وتم اختيار موقع استراتيجي قرب الجامع الكبير، بإشراف مباشر من الأستاذ اللحياني، وبموافقة ضمنية من العائلة المالكة للأرض شفويا. غير أن هذا العمل الخيري لم يواكبه أي توثيق قانوني كعادة ساكنة المدينة العتيقة في هباتهم لطلبة العلم…"كان همنا هو العلم، لا الأوراق"، هكذا يمكن تلخيص روح تلك المرحلة التي تحركها الكثير من النيات الحسنة في تشييد البناية و معهد للتعليم الأصيل الذي تخرج منها مئات أطر الدولة اليوم، منهم محامون وقضاة كبار، ومنهم رؤساء غرف في محكمة النقض وأساتذة جامعيين وفقهاء. بعد توقف الداخلية عن أداء وظيفتها، بسبب تغير سياسات التعليم الداخلي والتعليم الأصيل، استغلت النيابة الإقليمية للتعليم المكان كمخزن لتكديس المتلاشيات، مما زاد من تردي حالتها. ومع مرور السنين، أدرجتها الجماعة ضمن لائحة البنايات الآيلة للسقوط، وسارعت مؤخرا إلى هدمها، بدعوى السلامة العامة. وهنا تثار علامات استفهام إضافية لا يمكن تجاوزها، بل هي نقطة التحول في هذه القصة، هل صحيح أن البناية كانت آيلة للسقوط فعلا، أم أنها كانت تحتاج فقط إلى هدم جزئي أو ترميم يصون ذاكرة المكان ويراعي مكانته الرمزي؟ ومن هو الطرف الذي تقدم بطلب الهدم بدعوى "الضرر"؟ ولماذا لم يتم إطلاع الرأي العام على تقارير الخبرة الهندسية التي استندت إليها الجماعة في قرارها؟.. إن غياب الإجابات الشفافة على هذه الأسئلة يغذي الشكوك حول وجود أجندة غير معلنة وراء هذا الإسراع في طمس المعلمة.. وهنا يبرز سؤال آخر، هل سبق الهدم أي إحصاء دقيق للعقار شمل عنوانه واسم مالكه الأصلي والمستغل الفعلي؟ الإجابة، حسب مصادر مطلعة، هي أن الجماعة قامت بهذا الإحصاء، لكنها لم تبح به للرأي العام. والمفترض، وفق المساطر القانونية، أن تكون هذه المعطيات متاحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بنزع ملكية أو هدم بناء له تاريخ. الجماعة الترابية لتيزنيت بحسب تصريح لأحد نواب رئيس المجلس البلدي، حاولت التشكيك في الملكية، لكن الثابت أن العقار ملك لجمعية علماء سوس بالحيازة الفعلية، وقد بنته الجمعية واستغلت البناية لعقود. ويؤكد المسؤول ذاته أن مديرية أملاك الدولة (الأملاك المخزنية) باشرت إجراءات التحفيظ. والسؤال الوجيه هنا إذا كانت الجماعة تعلم بوجود مسطرة تحفيظ من طرف أملاك الدولة، فلماذا سارعت إلى تبليط العقار وتحويله إلى موقف؟ ولماذا لم تتبع مسطرة نزع الملكية للمنفعة العامة، والتي تستوجب تعويضا عادلا واحترام حق الأولوية لأي نازع في الملكية؟ غياب مسطرة نزع الملكية يعرض الجماعة لطعون قانونية ويجعلها عرضة لدفع تعويضات مضاعفة إذا ما ثبتت ملكية الجمعية، خاصة أن "الترامي على ملك الغير" جريمة يقاسي منها المتضررون في صمت. من جهة، كانت العمالة قد راسلت مديرية أملاك الدولة لإدراج العقار ضمن أملاك الدولة. وبالفعل، يبدو أن المديرية باشرت مسطرة التحفيظ. لكن السؤال الذي لم يجب عنه أحد، هل تقدمت أملاك الدولة بتعرض رسمي على ترامي الجماعة على عقار تدعيه للدولة؟ فإن لم تفعل، فهذا يعني أنها لا تزال في مرحلة التثبيت، مما يترك الباب مفتوحا أمام الجمعية للمطالبة بحقوقها الثابتة بالحيازة والبناء. تتمسك جمعية علماء سوس بمبدأ "المشروعية التاريخية" والحيازة الفعلية، فقد تكفلت بالبناء، وأشرفت على تشغيله لسنوات، وكان نواة لتخريج أجيال من العلماء والأطر المغربية. وتؤكد أن مسار الكثير من الكفاءات في تزنيت وسوس كان من ثمار جهودها. ولا يقتصر دور الجمعية على هذا العقار فقط، بل إنها ذاتها من سهرت على بناء ثانوية الحسن الثاني بتيزنيت وحتى مؤسسات تعليمية ابتدائية بالوسط القروي لتيزنيت، مما يعزز مكانتها كمؤسسة راعية للتعليم والنهضة العلمية بالمنطقة. فهل يمكن للقانون أن يتجاهل كل هذا بحجة غياب ورقة رسمية في سياق تاريخي معين؟ المشكلة أعقد من مجرد صراع ثلاثي. فحسب المعلومات المتوفرة، فإن العقار الواقع في موقع استراتيجي بالمدينة القديمة (قرب الجامع الكبير وعلى بعد أمتار من قصبة اغناج ومعلمة العين أقديم) أصبح مطمعا لأطراف أخرى فتحت شهيتها لوضع اليد عليه. هذه الأطراف تستغل الفراغ القانوني لمحاولة تمرير أطماعها، رغم أن حيازة جمعية علماء سوس للعقار ثابتة ببنائه واستغلاله لعقود. من الناحية القانونية، يمكن للجمعية أن تطالب بحق الأولوية في الانتفاع بناء على السبق في الاستعمال والبناء بحسن نية، وبتعويض عادل إذا ثبت أن الجماعة أو الدولة ستستحوذ على العقار، ووقف فوري للأشغال حتى تبت الجهات القضائية والإدارية في النزاع. غير أن حاجة جمعية علماء سوس إلى هذا العقار تتجاوز مجرد المطالبة بحق مادي، فالجمعية، التي لعبت دورا رائدا في النهضة العلمية والدينية بمنطقة سوس، تفتقر اليوم إلى فضاء خاص بها يليق بتاريخها ومكانتها. كانت إقامة التلاميذ هذه تمثل بصمة ملموسة لعملها، وتشكل رمزا لتكامل الجهود بين الجمعية والمؤسسات التعليمية والأعيان والساكنة المحلية. اليوم، بعد أن هُدمت البناية، تجد الجمعية نفسها بلا مقر أو معلمة يصون ذاكرتها التربوية والعلمية. واستعادة هذا العقار، أو على الأقل حق الانتفاع به، سيمكن الجمعية من إعادة إحيائه كمشروع ثقافي أو علمي أو اجتماعي يضفي بعدا آخر على تهيئة المدينة القديمة حين يستحضر الأدوار التربوية والدينية والوطنية لجمعية علماء سوس. من الناحية الأخلاقية والرمزية، يُعتبر هذا العقار جزءا من تاريخ تيزنيت الثقافي، فجمعية علماء سوس ليست مجرد جمعية عادية، إنها مؤسسة وذاكرة عمرها أكثر من نصف قرن، وكان لها دور في صيانة اللغة والهوية والدين في منطقة سوس، وتجاهلها اليوم يعني جناية ضد الذاكرة الجماعية لسوس. واقع الحال يستدعي تدخل عامل إقليمتزنيت، السيد الجواهري، بصفته ممثل السلطة المركزية والمكلف بحماية الأملاك العامة والخاصة. والتذكرة هنا أن العامل الراحل العلج كان شاهد خير على هذه البناية، وكان من الداعمين والمحتضنين لجمعية علماء سوس في زمانه.. وها هو العامل الحالي أمام اختبار مواصلة هذا التقليد الذي درج عليه رجال الدولة في دعم المؤسسات العلمية العريقة.. فالسير على خطى الراحل العلج يقتضي اليوم وقف أشغال التبليط فورا، واستدعاء جميع الأطراف المعنية (الجماعة، أملاك الدولة، الجمعية) للوصول إلى تسوية عادلة تحفظ للجمعية حقها الثابت بالحيازة الفعلية. قد يكون القانون صارما، لكن العدالة تقتضي النظر في الظروف الاستثنائية التي صاحبت بناء هذا الصرح التعليمي، وفي عرف الناس في تلك الفترة بعدم توثيق ما يهب لطلبة العلم والمدارس العتيقة. جمعية علماء سوس، التي بصمت حضورا وطنيا لافتا في سوس وسهرت على بناء ثانويات ومعاهد ومدارس وصانت التدين السوسي في أبعاده التاريخية والوطنية، والتي تخرج من بنايتها مئات الأطر من قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وفقهاء ورؤساء غرف بمحكمة النقض، تنتظر اليوم وقفة إنصاف تعيد الاعتبار لدورها.. فهل ستصغي الجهات المعنية، وفي مقدمتها عامل الإقليم السيد الجواهري للتاريخ والذاكرة وشرعية المكان، وتراعي رمزية جمعية علماء سوس التي إن لم تبرع في إبرام العقود والصكوك العقارية، فقد برعت في بناء الرجال والعلماء والأطر، وفي صيانة الهوية والدين، وفي خلق ذاكرة حية لأجيال تيزنيت وسوس بأسرها.. إنها جمعية لم تكن يوما جمعية عقارات ومقاولين، بل كانت مدرسة تربوية و وطنية بامتياز وجمعية أقطاب في الوطنية والعلم والبذل والعطاء… فهل يُعقل أن يبادل ذلك الإرث بطمس معالمه؟ أم أن هناك متسعا من الوقت لإنصافها، والاعتراف بجميلها، وإعادة الاعتبار لهذه المعلمة التي تستحق أن تكون منارة ثقافية وتربوية في هندسة المدينة القديمة؟ الجواب مرهون بإرادة السيد العامل، وموقفه الذي سيقول للتاريخ أي الجانبين اختار..