ميناءا طنجة والدار البيضاء ضمن أفضل الموانئ العربية في الربط الملاحي العالمي    قاطرات صينية جديدة تعزز السكك الحديدية المغربية... تحديث أسطول الديزل وتطوير خط فاس–وجدة    نتانياهو يسخر من "شائعات تصفية"    الدار البيضاء.. فاطمة الزهراء اليومي تفوز بالجائزة الأولى للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم لفائدة أبناء وأيتام أسرة الأمن الوطني    الرئيس ترامب يستبعد أي إمكانية لوقف إطلاق النار مع إيران في هذه المرحلة    شركات النفط في المغرب تبدأ موجة زيادات جديدة على خلفية ارتفاع البرميل إلى 100 دولار    إبراهيم دياز يحتفل بمباراته ال150 مع ريال مدريد    البوليساريو ودعم الجزائري والاتهامات والارتباط بإيران... كيف بدأ الكونغرس الأمريكي التحرك لفرض عقوبات على الجبهة؟    كرة القدم .. تعيين المغربية لمياء بومهدي مدربة للمنتخب الأردني للسيدات    زيادات تصل إلى درهمين في اللتر.. أسعار المحروقات ترتفع بالمغرب    ميزان الحسيمة يكرم نساء رائدات في أمسية رمضانية عائلية    رحيل الإعلامي جمال ريان بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود    850 قتيلا في لبنان منذ اندلاع الحرب    شكايات حول مبيدات مغشوشة بحقول الشمال تدفع وزارة الفلاحة إلى التحقيق    استحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته    الجيش الملكي ونهضة بركان يفشلان في استغلال عاملي الأرض ويعقدان مهمتهما قاريا    اجتماع فريق عمل المكتب السياسي بالجهة والكتابة الإقليمية بالجديدة نقاش استراتيجي وترتيب للأولويات    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية مرتقبة من الثلاثاء إلى الأربعاء    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    السماح لمعتقل حراك الريف محمد حاكي بحضور جنازة والده بالحسيمة    الكراهية تتحدى المجتمع الدولي    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    مكناس…لقاء بمكناس حول"التجربة المغربية في العمل التطوعي"    أهمية تدريس اللغة الأمازيغية داخل صفوف الجالية المغربية في بلجيكا    أفورار..توزيع 4160 وجبة افطار للصائمين المحتاجين وعابري السبيل وذوي الاحتياجات الخاصة    تأجيل سباق قطر للدارجات النارية بسبب الصراع في الشرق الأوسط    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    لقاء يحتفي ب "صمود المرأة القصرية"    الملك محمد السادس يجدد تضامن المغرب مع الإمارات ويدين الاعتداءات الإيرانية    الجامعة الملكية المغربية للرياضة للجميع تنظم ندوة حول الرياضة في خدمة القضايا الوطنية " وتحتفي بثلة من الإعلاميين والرياضيين.    المغرب يسعى إلى ضم موهبة الريال    ارتفاع نسبة ملء سدود المغرب إلى أكثر من 71 في المائة    وزارة الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 10 مسيرات في منطقتي الرياض والشرقية    قابلات مستشفى تيزنيت يطالبن بفتح تحقيق في تدبير الحركة الانتقالية داخل مصلحة الولادة    صداقة الأطفال مع الذكاء الاصطناعي .. متى تصبح مقلقة؟    تواصل القصف على إيران في الأسبوع الثالث من الحرب وإسرائيل تعلن بدء "مرحلة حاسمة"    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        حادثة سير خطيرة بطريق بطنجة تعيد دق ناقوس الخطر بشأن الدراجات النارية        من إيران إلى الجزائر... كيف اختار المغرب المواجهة الدبلوماسية مع خصومه؟    قراءات قانونية في الاعتقال الاحتياطي        في حضرة "البام".. مهنيون يفككون واقع وأعطاب المنظومة الصحية بالمغرب    مدرب الوداد: مواجهة آسفي صعبة    لا صيام بلا مقاصد    وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    الحسيمة.. إسدال الستار على الأمسيات الرمضانية للمديح والسماع وتكريم حفظة القرآن        أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شعر محمد الحراق الصوفي: تحقيق ودراسة وصفية تحليلية
نشر في العمق المغربي يوم 03 - 12 - 2018


المقدمة
يطمح هذا البحث إلى البحث عن موضع قدم ضمن الأرومة العلمية الأكاديمية، وذلك من خلال تحقيق شعر الحراق الصوفي ودراسته.
موضوع، أعترف أنني وإن كنت قد التفت إليه في البداية وأنا بين إقبال وإحجام، ووقفت مشدوهة أمام الرموز الصوفية الكثيفة الجاثمة بكلكلها على متنه الشعري، فإنني لم ألبث إلا يسيرا حتى استحكمت بخاطري تراثيته، وتأصلت في أعماقي بوادر الرضا عن نفسي، وقد ارتضت السير في درب المنافحة عن أدبنا المغربي. ارتسامات أنى لي نقيضها ؟ وموضوع من قبيل موضوع دراستي، لطالما انتظر وينتظر التفاتة المهتم في صمت، وعليه، فإن لم أبادر أنا أو غيري من الباحثين بفك الحصار عنه، واحتضنه بالتحقيق أو الدراسة، ظل حبيس الرفوف ورهين الكمون والبلى.
أولا : دواعي اختيار الموضوع.
تؤول دواعي هذا البحث إلى عاملين متكاملين : عامل ذاتي وآخر موضوعي.
1- العامل الذاتي: تسليما بأن اعتبار النوازع الذاتية أمر مبرر لتلبس المعرفة الإنسانية بمنتجها، وارتباطها بميول مولدها…، كان مدار هذا العامل في هذا البحث-علاوة على ميولي إلى الشعر خصوصا والأدب عموما- ذلك الصفاء الذي طالعني من شرفة هذا الموضوع الذي أكسبني شرف المجاورة لكتاب الله وسنة رسوله، وتلك المتعة التي تفيأت ظلالها وأنا أعانق قيما روحية وسط زخم الحياة المادية وسلبياتها.
2- العامل الموضوعي:إيمانا بأن الموضوعية هي غاية الدرس العلمي، وحلته التي إن نزعها فقد سمات الصبغة العلمية، تواشجت في تكريس هذا العامل الموضوعي، عدة قناعات وحوافز عمقت الرغبة في التناول، ونشطت الهمة في الدراسة. قناعات وحوافز تتقاطع إجمالا وتفصيلا في النقط الآتية :
1 – تحقيق ديوان محمد الحراق، وبالتالي إحياؤه ليضاف إلى تراثنا الصوفي الأصيل،إذ من الغريب أن يظل هذا الديوان مخطوطا رغم بعد صيت صاحبه، ورغم التغني ببعض روضاته الغناء في الزوايا الحراقية، بل وفي برامجإذاعية غنائية.
2 – تكسير رتابة المقاربات التي تناولت شعر الحراق في إطار مقارنته بابن الفارض، وذلك بمحاولتنا وضع اليد على المحاور الكبرى لهذا الشعر سواء على مستوى المضمون أم على مستوى الشكل.
شعر، احتكمنا في فك مبهمه وغامضه، إلى مخطوط ذي بال تناول بالشرح والتفسير تائية محمد الحراق، ذاك هو شرح ابن القاضي الذي اطلع عليه الحراق فأثنى عليه بجميل الثناء.
3- تقديم شخصية محمد الحراق، باعتبارها شخصية أدبية وصوفية لامعة، قدحت زند التجربة الصوفية، فحازت كتاباتها الشعرية والنثرية القدح المعلى بين كتابات عصرها وقضى لها العارفون بالفصاحة.
4- تقديم أبيات شعرية جديدة، أغفلها أهم مصدر من مصادر شعر الحراق الصوفي، وأعني به مخطوط “النور اللامع البراق في ترجمة الشيخ محمد الحراق ( )،الأمر الذي يؤكد أن ما وصلنا من شعر الرجل، ليس هو الغلالة التي تكفي وتشفي، ويكرس وعينا بضرورة خدمة التراث، وضرورة الكشف عن خبيئه.
ثانيا : المنهج
تبعا للطابع الازدواجي الذي يسم عنوان الأطروحة قيد الدرس تحقيق / دراسة، وانطلاقا من التوجه التحليلي الوصفي الذي تبنيناه للإلمام بأطراف التجربة الشعرية الصوفية، ولاستجلاء ثوابت ومتغيرات المتن الشعري،هذا فضلا عن الإحاطة بصاحبه ومتلقيه وسياقه العام…، قطعت هذه الأطروحة صلتها مع المقاربة المنهجية الواحدة، فألزمتني المراوحة بين ثلاث خطوات منهجية كبرى :
1 – الخطوة الأولى:وهي الخطوة التي استأنست فيها بالمقاربة التاريخية التحليلية، والتي كانت عدتنا سواء في الكشف عن معطيات المرحلة التاريخية التي عاشها محمد الحراق، بما فيها من معطيات سياسية وسوسيواقتصادية وثقافية، أم في إزاحة الستار عن حياة الحراق بأدق تفاصيلها.
2 – الخطوة الثانية : وهي الخطوة التي لا قحت فيها بين جملة من المقاربات، لا سيما لدراسة النص الشعري لمحمد الحراق شكلا ومضمونا.
وهكذا، فقد كنت أراوح في عملي بين النص الشعري وخمسة أمور : التراث الصوفي الإسلامي الذي تخرج به الحراق أولا، والكتابات الصوفية التي حبرها ثانيا، والتراث النقدي والبلاغي العربي القديم ثالثا، وبعض من الدراسات النقدية والصوفية العربية الحديثة رابعا، وتحليلنا الخاص للنصوص الشعرية، وهو ما استثمرنا فيه كل ما سبق من غير هالة ولا إكبار خامسا.
3 – الخطوة الثالثة: وهي التي نهجتها في كل من الدراسة والتحقيق- عبرتلة من أدوات البحث العلمي الإجرائية- والمتجسدة جملة وتفصيلا فيما يلي :
المقارنة : وقد كانت حاضرة سواء في إطار ” المعارضة “، أم في التمييز بين النسخ المعتمدة في صنع ديوان الحراق.
التصنيف : اعتمدته بشكل مكثف سواء في الدراسة أم التحقيق، في الدراسة بفرز المؤلفات النثرية للحراق عن الشعرية، وبفرز مؤلفاته الصوفية عن غيرها، هذا فضلا عن تمييز مضامين النص الشعري عن خصائصه الفنية. أما في التحقيق فقد كان جليا في فرز النسخ المخطوطة عن المطبوعة (بما فيها الحجرية).
الوصف : بغض الطرف عن الوصف الأدبي الذي يحكمه الذوق والمتخيل، كان الوصف العلمي أحد خصائص هذه الأطروحة، حيث إنني اعتمدته في كل من وصف المخطوطات والتعريف بالأعلام ووصف كتابات الرجل النثرية.
الاستنتاج والتعليل والتعليق : لم أترك العنان لنفسي في تقديم هذه القضية عن تلك، وتمييز واحدة دون أخرى، بقدر ما سعيت وإزاء كل قضية، إلى إضفاء طابع المشروعية على عملي في هذه الأطروحة، وذلك باستخراج ما تنطوي عليه النصوص (شعرية أو نثرية) من أحكام وإفادات مع تعليلها والبرهنة عليها، هذا مع الإجابة عن أسئلة محددة من قبيل لماذا ؟ ومتى ؟ وكيف ؟.
التوثيق : اعتمدته غاية في ربط النصوص بمصادرها ومراجعها ضبطا علميا غايته الإتقان، كما وظفته في مجال المعالجة البيبليوغرافية.
التعريف : عمدت إليه في كل مهاد نظري لكل فصل أو مبحث، وذلك لتقريب المتقبل والقارئ من الصورة العامة لكل منهما (فصل – مبحث)، كما عمدت إليه للتعريف بالمصطلحات الصوفية وكذا المصطلحات التي قد تحمل لبسا ما.
ثالثا : التصميم
تشكلت تقاسيم هذا البحث في أفق محاولة إضافة كتاب محقق ومدروس لحظيرة المكتبة المغربية، من مدخل وبابين رئيسيين وملحق. ينهض الباب الأول بصرح الدراسة، ويقوم الثاني بصرح التحقيق، في حين يعنى الملحق بتقديم أشعار جديدة لمحمد الحراق لم يثبتها صاحب النور اللامع، وتغيب عن حفاظ شعر الحراق وأهل زواياه.
المدخل :
شكل مقدمة ماهدة عن المعطيات السياسية والسوسيواقتصادية والفكرية لعصر محمد الحراق، معطيات يتوقف عليها فهم جملة من الأفكار والأحداث :
التوجه الصوفي المعتدل لمحمد الحراق، وتفسير بعض مواقفه السياسية المتأنية والاجتماعية الإصلاحية، وتعليل قوة الطريقة الدرقاوية في حياته.
الباب الأول : الدراسة.
وقد تناولته في فصلين محوريين :
الفصل الأول : حياة وآثار.
افتتحته بالحديث عن حياة الحراق التي عاجت بنا الرغبة إلى رواية أدق تفاصيلها وذلك من حيث : الاسم واللقب، المولد والنشأة، الشهرة والنكبة، التصوف، الشيوخ، الوفاة ثم الشخصية. ثم ختمته بإماطة اللثام عن مؤلفات الحراق النثرية، والتي تصب غالبيتها ( ) في بحر الرمزية الصوفية.
مؤلفات استوجبت مني وقفة متأنية، وذلك لما تنبجس به من معان صوفية، تطوي في عمقها أسس النظرة والتوجه الصوفيين لدى الرجل.
الفصل الثاني : مضامين وخصائص.
بصرف النظر إلى هذا الفصل الثاني، نجده يطوي مبحثين دالين :
المبحث الأول : وقد اتجهت فيه إلى رصد دقيق لقصائد شعر الحراق الصوفي، بغية الإمساك بالمضامين الكبرى التي تنبجس منها، والتي هي حسب المقام التصاعدي كالآتي : الحب الإلهي، الحب المحمدي، السكر الصوفي، زوال الحجب ثم وحدة الشهود.
نزعت في القضية الأولى إلى سؤالين هامين : ما هو اتجاه الحراق في هذه المحبة؟ وإلى أي حد لم يكن عروجه عن قضية الحب الإلهي من قبيل الاستنساخ المرجعي فقط ؟
سؤالان، حررت جوابيهما من خلال رصد ثلاثة فضاءات لهذا الحب عند الحراق :
1- فضاء الوجدان بأسمائه ومفرداته
2- فضاء المكان بجغرافيته ورسومه
3- فضاء الزمن واللازمان بديمومته وفنائه.
واتجهت في القضية الثانية، إلى إبراز الحدود الفاصلة بين احتفاء الشاعر بنظرية الإنسان الكامل كصورة للتجلي الإلهي الأزلي (الحقيقة المحمدية)، وبين تغنيه بالذات المحمدية كصورة بشرية مشخصة للنبوة، هذا مع الإحاطة بكل منها على حدة.
وعمدت في قضية السكر الصوفي إلى التعريج على جملة من النقط المحورية :
1- الإبهام الذي قد يخامر الماسك بتلابيب المعجم الخمري في شعر التصوف.
2- حالة الصحو الدائم التي هي غاية غايات الصوفي.
3- المعاني التي تطويها خمرة الوجدان في شعر الحراق.
نقط خلصت منها، إلى أن الرجل معاقر لشراب الصفاء والتمكين، مستنكف عن شراب النشوة والخمار.
وقبل أن أنعطف إلى قضية وحدة الشهود، باعتبارها أخص مظهر من مظاهر الحياة الصوفية إطلاقا، وأخوض في مميزاتها في شعر الرجل، عرجت على قضية زوال الحُجُب، لأزيح الستار عن خصوصية ذلك السوى المعوق لخطوات الرجل في رحلته اتجاه الذات العلية، وأسلط الضوء على كل من العوامل المحفزة له على نجح هذه الرحلة، والعوامل المعاكسة التي تحول دون ذلك النجاح.
المبحث الثاني : تحولت فيه إلى الخوض في الخصائص الفنية في شعر محمد الحراق، مبتدئة بأصناف نصه الشعري، سيما وأن أول لقاء للعين بهذا النص الشعري في جملته، يوحي بكتابة شعرية تتجاوز الوثيرة الواحدة (نظام الشطرين، تخميسات، موشحات) والنمط الواحد، هذا فضلا عن الطابع الازدواجي الذي يسم نصه الشعري : أدب مدرسي وأدب شعبي، من هناوعلى هذه الجديلة، خلصت إلى أربعة أصناف شعرية :
1- القصائد، 2- المخمسات، 3- الموشحات، 4- البراول.
أصناف خرجت من تناولي لمميزاتها بملاحظ هامة.
أما في قراءتي لآليات النص الشعري لمحمد الحراق باعتبارها (أي الآليات)، قدساهمت في إثراء فاعليته الشعرية، وملامسة الهاجس الصوفي فيه، فقد اهتديت إلى ثلاث آليات هي على التوالي :
الآليات الأسلوبية والآليات البلاغية ( بديعية وبيانية ) ثم آلية المعارضة.
حُمْتُ حول كل أداة من الآليتين الأوليتين، فبينت المقصود منها لذاته والعارض، وأفصحت عن أهميتها في خدمة تجربة الرجل الصوفية.
أما عن آلية المعارضة، فقد كانت مما لا يمكن أن يغفل في معالجة شعر الحراق الصوفي،سيما وهو الشعر الذي ينضح بأصداء قوية لنصوص غائبة قرأها الرجل وحفظها، فجرب إعادة كتابتها محتذيا أحيانا، ونازعا إلى التجاوز أخرى.
احتذاء وتجاوز، شدني السعي في هذه الآلية (المعارضة)، إلى إضفاء المشروعية عن الأول وإظهار ملمح الثاني، وذلك بتقديم نماذج شعرية للحراق مقابل نماذج مماثلة لشعراء آخرين.
وبالتحول إلى آخر نقطة من نقط الفصل الثاني والتي خصصتها لإطار النص الشعري (الوزن والقافية) باعتباره أشهر إيقاعات هذا النص، أمضيت النية على رصد أهم ملامحه في كل صنف من أصناف النص الشعري الحراقي على حدة، ودونأن أدَّعِيَ الإحاطة بأسباب اختيار الرجل لهذا الإطار أو ذاك، تلك هي المحاور الكبرى التي دارت بي ودرت معها خضم هذا الباب.
محاور، خرجت من تناولي لها بخاتمة أكدت فيها ما توصلت إليه من نتائج، وأحطت فيها بأهم خصائص شعر محمد الحراق، وبأهم سمات سلوكه الصوفي، كما حاولت أن أفتح من خلالها بعض آفاق البحث في مجال التراث الصوفي عموما والأدبي خصوصا.
الباب الثاني : التحقيق
حققت فيه ديوان محمد الحراق، وقد قدمت له بمقدمة ماهدة تناولت فيها مصادر شعرالحراق وأنواعها وقيمتها التوثيقية.
واتجهت في صنع الديوان، إلى جمع الأشعار التي بلغ عددها اثنان وستون نصا، وتحقيقها تحقيقا علميا، حرصنا من خلاله على شكل النصوص، وشرح الغامض من المصطلحاتمع الالتزام الأمين بالمخطوط الأصل رغم ما قد يتخلله من أخطاء، ثم الإحالة في الحواشي على ما يستلزمه من صواب، هذا بالإضافة إلى إثبات نسبة عالية من النصوص المعارضة سواء في الأدب الفصيح أم العامي، وعزو الشعر المبثوث بين ثنايا القصائد إلى أصحابه، ورد الأبيات المخمس عليها إلى قائليها، ثم تخريج العلام الواردة في الديوان بالرجوع إلى كتب الأنساب والأعلام…
أما عن ترتيب الأشعار، فقد حرصت على ترتيبها مُبوَّبة على حروف المعجم، مقدمة الروي الساكن فالمنصوب فالمرفوع ثم المكسور، ومتجاوزة بذلك الترتيب حسب المضامين الشعرية، لكون الديوان محكوم بلغة الرمز التي يصعب معها تحديد ملامح مضمون قصيدة عن أخرى، هذا فضلا عن أن القصيدة الواحدة قد تندغم فيها جملة مضامين، ومتجاوزة في الوقت نفسه صنعة ” الدلائي الرباطي “، لأن الترتيب حسب البحور لا يستجيب للفضاء السمعي لبعض القصائد الملحونة والموشحة، إذ منها ما تنطمس فيه معالم العروض الخليلي كالبراول مثلا، ومنها ما يستوعب البحرين، الأمر الذي فاق حدود هذه المعالم هذا وقد خصصت للديوان فهرسين :
فهرس لقوافي القصائد حسب حروف المعجم، وفهرس لقوافي القصائد حسب البحور الشعرية، كما أنني أرفقته (الديوان) – خدمة للقارئ – بمجموعة من الفهارس تتعلق بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمصطلحات الصوفية، وقوافي الأبيات الشعرية المعارضة والمتضمنة والمخمس عليها، والأعلام والأماكن، وختمت هذه الفهارس بفهرس عام لمحتويات الرسالة.
الملحق :
إيمانا بأن ديوان الحراق جمع صنعة ” الدلائي الرباطي ” لا يمثل بحق كل الإنتاج الشعري لمحمد الحراق، أمضيت النية – وأنا بعد في الخطوات الأولى من هذا البحث الذي كانيحمل في البداية العنوان الآتي : شعر الحراق، جمع وتحقيق ودراسة – على البحث عن زائد موثوق من شعر الحراق.
بحث، إن كنت أنسى، فلن أنسى أنني وإن كنت قد أقدمت عليه وشعلة حماسي متوقدة، لم تكن نتائجه في مستوى تلك الشعلة ولا في مستوى الوقت والجهد المكرسين له، لأن ما عثرت عليه في قلب المخطوطات والطبعات الحجرية، هو زيادة متواضعة جدا لا تتعدى بعض النتف وقصيدة مبتورة الأول والأخير.
هكذا، وعلى إثر هذا أدْلفتُ زيادتي المتواضعة ضمن الملحق، في انتظار التفاتة مهتم جديد، وفي انتظار معالجة شاملة للمخطوط المغربي. وعمدت – وأنا على مضض، وبعد استشارة الأستاذ حسن جلاب – إلى تعديل عنوان البحث الذي صار كالتالي : شعر محمد الحراق الصوفي، تحقيق ودراسة وصفية تحليلية.
والذي أتمنى أن يكسوه الله وعلى أكبر تقدير، حلة القبول ليكون عند حسن الظن المأمول.
رابعا : الصعوبات
أما عن الصعوبات والعراقيل التي رافقت هذا البحث – في تواضعه وقلة طموحه– فإنني لا أجد في نفسي المدعاة للتأكيد عليها واستقصائها، لأن الحديث عنها هو من قبيل البدهي وتحصيل الحاصل ليس إلا، إذ ليس هناك بحث علمي أنجز دون أن تضيق فسحة صدر صاحبه لعثرة أو لأخرى.
والسلام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.