الحسنية تستعيد نغمة الفوز على حساب الدفاع الجديدي    لندن.. إطلاق حوار الأعمال بين المغرب والمملكة المتحدة    المغرب يتشبث بترسيم الحدود.. غدا الأربعاء التصويت بمجلس النواب على مشروعي قانونين    العثماني: التهويل لا يحارب الفساد والتشويه لا يقوي ثقة المغاربة    وجدة.. لقاء جهوي حول البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب    تراجع المبلغ الخام للخزينة إلى 104 مليار درهم في سنة 2019    إسبانيا .. تنظيم الدورة 40 للمعرض الدولي للسياحة بمشاركة المغرب    دولة جديدة توجّه ضربة موجعة ل”البوليساريو”    قرعة تصفية نهائيات كأس العالم 2020 تضع المغرب في مجموعة “سهلة”    إدارة الرجاء: بنحليب يغيب 4 أشهر عن الملاعب    رشوة 11 مليون تطيح برئيس جماعة بمراكش !    استئنافية باريس تصدم لمجرد وتحيل ملف الاغتصاب إلى الجنايات    الفلاحون يستبشرون بأمطار الخير ومديرية الأرصاد تتوقع استمرار التساقطات المطرية    الدوزي يغني “راي” مرة أخرى في جديده “خليك معايا” – فيديو    زيادة منتظرة في الحد الأدنى لتسعيرة سيارة الأجرة بطنجة    الناصري يكشف تفاصيل وشروط تعيين دوسابر على رأس الوداد    حجز سيارة بتطوان وعلى متنها حوالي 500 قرص اكستازي    ارتفاع الإنتاج الوطني للطاقة الكهربائية ب 18,4 بالمائة متم نونبر    الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام تدعو لتعاون الجميع لتطوير القطاع السينمائي    المشتركون الصغار يفاجئون المدربين بتنوع مواهبهم وثقتهم بأنفسهم    بدء محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ    المغرب يغيب عن تصنيف مؤشر بلومبرغ للاقتصاديات الأكثر ابتكارا    عبد الحق بلشكر يكتب: تعقيدات الوضع الليبي    الجواهري يدعو إلى مراجعة الإطار القانوني ل”النظام الإحصائي الوطني”    فاخر يودع رسميًا عن تدريب حسنية أكادير    سوق ''الميركاتو''.. الريال يحدد سعر حكيمي وميونيخ الأقرب لاقتناص الصفقة    عاصفة غلوريا تواصل اجتياحها لإسبانيا متسببة في مقتل 3 أشخاص و قطع الطرق و إغلاق المدارس    تارودانت/عاجل: هذا ما تقرر في حق الأبوين المتابعين في قضية حرق الأعضاء التناسلية لإبنتهما ذات السبع سنوات    بعد استثنائه من مؤتمر برلين.. هل انتهى دور المغرب في الأزمة الليبية؟    زيدان يؤكد ان مجال التعاقدات مازال مفتوحا    إدارية أكادير تؤجل النظر في قضية عزل رئيس جماعة أيت ملول    القضاء المغربي يقرر التصفية القضائية لممتلكات مسؤولي "سامير"    عبيابة يستقبل وفدا عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي لاتحاد كتاب المغرب    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    هجوم إلكتروني “خارجي” يوقف خدمة الإنترنت لعدة ساعات في تركيا    وزارة التوفيق تخرج عن صمتها وتكشف أسباب “انتفاضة الأئمة المجازين”    انفجار عجلة سيارة يستبب في مصرع سيدتين وإصابة آخرين ضواحي قلعة السراغنة!    تطوان تُسجّل أعلى مقاييس التساقطات في المغرب خلال 24 ساعة    ايت بوازار: قراءة في أحداث ما بعد اغتيال قاسم سليماني    أكادير : بالصّور ..الموروث و الإبداع الغنائي بإقليم تيزنيت يعيد الحياة لممر و ساحة أيت سوس بمدينة الإنبعاث    لمجرد بين أحضان والديه..”لقطة مميزة” في بداية عودته إلى الحفلات – فيديو    غوارديولا يطالب بإلغاء إحدى المسابقات الإنجليزية    الداودي يعتمر بعد نجاح حفله في السعودية- صورة    وسط ضغط دولي.. إيران تكشف تفاصيل جديدة عن الصاروخ الذي أسقط “بالخطأ” الطائرة الأوكرانية    الحكومة تقرر تخفيض سعر 126 دواء.. القرار صدر بالعدد الأخير للجريدة الرسمية    بوليفيا تسحب اعترافها ب”جمهورية البوليساريو” وتراهن على المغرب لتعزيز علاقاتها بالعالم العربي    هل تحتفلون باليوم العالمي للعناق في هذا التاريخ؟    عبد اللطيف الكرطي في تأبين المرحوم كريم تميمي    رحيل منظر المسرح الثالث عبد القادر عبابو    في اليوم العالمي للعناق 21 يناير.. هذه فوائده الصحية والنفسية    مخاوف من انتشار الوباء بعد تأكيد الصين انتقال فيروس كورونا الجديد بين البشر    كارترون: الداخلة "معجزة" يمكن تقديمها كنموذج للتنمية بالنسبة للدول الإفريقية    الصين تعلن تسجيل 139 حالة إصابة بالفيروس الغامض وانتقال الفيروس لمدن جديدة    الريسوني عن تطبيق الحدود.. أصبحنا نعيش تحت سطوة إرهاب فكري    دراسة : بذور متوفرة في جميع البيوت .. مضادة للكوليستيرول و السرطان و أمراض القلب    معرفة المجتمع بالسلطة.. هواجس الخوف وانسلات الثقة    خطيب : من يسمح لسفر زوجته وحيدة ‘ديوث' .. ومحامي يطالب بتدخل وزير الأوقاف !    معرفة المجتمع بالسلطة.. هواجس الخوف وانسلات الثقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رجل في ضوء قنديل

“يحيى حقي تملكه حب ماري فنقله من الدبلوماسية إلى التجارة”
الوطن ليس دائما المكان الذي انتمى إليه أناس لنا صلة بهم. الوطن مكان وأناس ومعايشة يومية، يكتسب خلالها الإنسان علاقة روحية بمن حوله وما حوله، فيتعزز ارتباطه بالمكان وأناسه، وقد يصبح أقوى من ارتباط غيره بهما ، هذا ما حدث مع الأديب المصري المبدع يحيى حقي، المنحدر من أصل تركي .
يقول يحيى حقي عن نفسه : إن، كالزلطة، إن كسرتني لوجدت داخلي يصرخ : “أنا مصري” ، وكان يوصف بأنه مصري حتى النخاع وابن بلد .
والحكاية مع يحيى حقي طويلة، وتبدأ مع جده إبراهيم حقي، الذي هاجر من الأناضول الى مصر وعمل لدى الحكومة حتى وصل إلى منصب وكيل مديرية البحيرة حيث تزوج وأنجب أبناءه الثلاثة، محمد،والد يحيى حقي، ومحمود طاهر، ثم كامل حقي، وكان أبو والدة يحيى حقي، واسمها سيدة هانم حسين، تركيا وأمها لبانية. وقد التقت الأسرتان في بندر المحمودية في البحيرة، حيث تزوجت سيدة هانم بمحمد حقي الموظف في نظارة الأوقاف.
بيئة شعبية ومثقفة
كانت سيدة هانم تجيد القراءة والكتابة في زمن كانت الأمية متفشية فيه بوجه عام بين النساء. وكانت أغلب قراءاتها في الكتب الدينية، فانعكس ذلك على أسماء أولادها السبعة الذين أنجبتهم، إذ أطلقت عليهم أسماء استمدتها من الكتب التي قرأتها وهم على الترتيب : إبراهيم وإسماعيل ويحيى و زكرياء وموسى وفاطمة ومريم .
وعاشت أسرة محمد حقي موظف الأوقاف في حي السيدة زينب في القاهرة . وولد يحيى حقي يوم 7 يناير 1905 في درب الميضة، خلف مسجد أم هاشم في السيدة زينب. وكان لمولده في ذلك الحي أثره في أن تكون الأحياء الشعبية، والسيدة زينب خاصة، مسرحا أثيرا ومحببا إلى قلبه، وما أبدع من إنتاج أدبي.
أكثر من مدرسة
وانتقلت الأسرة من السيدة زينب إلى حي الخليفة. وألحق يحيى بمدرسة أم عباس (خديوي مصر، عباس باشا الأول)، في حي الصليبية، وهي مدرسة مجانية للفقراء. ومكث فيها يحيى من عام 1912 حتى نال الشهادة الابتدائية عام 1917، فانتقل إلى المدرسة التجهيزية التابعة لها، وكانت تسمى “المدرسة الإلهامية” في حي الحلمية الجديدة . وظل فيها سنتين ، حتى نال شهادة الكفاءة .
والتحق بعد ذالك بالمدرسة السعيدية لينتقل في العام التالي إلى المدرسة الخديوية ، التي حصل منها على شهادة البكالوريا بترتيب الأربعين بين مجموع تلاميذ القطر المصري كله. وأتاح له تفوقه فرصة الالتحاق بمدرسة الحقوق السلطانية، وكانت من كليات القمة في ذلك الوقت، حيث لم تكن تقبل بين طلباتها سوى المتفوقين جدا في دراستهم وتدقق كثيرا في اختيارهم.
وتخرج في شهر يونيو من العام 1925، في مدرسة الحقوق وعمره كان عشرين عاما ونصف العام. وكان ضمن دفعة ضمت الدكتور عبد الحكيم الرفاعي، وحلمي بهجت بدوي، وطه السيد نصر، وعبد العزيز بدر وعبد الكريم أبو شفة، وتوفيق الحكيم .
تخرج يحيى حقي في مدرسة الحقوق ليتجه إلى العمل في الحكومة لسببين حددهما هو بنفسه :
” الأول : لأن جميع أسرتي من الموظفين، فليس فيهم أحد من أصحاب المهن الحرة، حتى أقتدي به، أو أسير في “شق محراثه”.
“والثاني : إن ترتيبي جاء في أوائل المتقدمين، فكان من الطبيعي والمنتظر ألا أجد صعوبة في الالتحاق بوظائف النيابة العامة ، وكانت تعتبر حينئذ هي ووظائف قلم قضايا الحكومة أقصى ما يصبو إليه حامل الليسانس “.
يحيى المحامي
عمل يحيى حقي في النيابة فترة من الزمن دون أن يكون راضيا عن عمله، ثم تركها إلى المحاماة متوقعا الفشل فيها. وبدأ في الإسكندرية عمله في المحاماة بمرتب شهري قدره ستة جنيهات لم يقبض منها شيئا. ثم انتقل إلى مكتب محام آخر بمرتب ثمانية جنيهات ، لكنه لم يستمر في مهنة المحاماة أكثر من ثمانية شهور ، وبدأ بعدها القلق يسيطر على الأهل حول مستقبل ابنهم يحيى ، حتى وجدوا له وظيفة معاون إدارة في منفلوط.
كانت وظيفة معاون الإدارة شاقة، وعرف خلالها يحيى حقي الحسرة والألم وكرب الحياة، وامتحن فيها امتحانا عسيرا، لكنه أيضا حقق منها فائدة كبيرة ككاتب قصة.
يقول يحيى حقي : ” إن تجربة منفلوط، التي استمرت سنتين، شكلت أهم أحداث حياتي على الإطلاق “.
كانت منفلوط وظروفها وطباع أهلها وعاداتهم وتقاليدهم وزرعهم وخفرهم وعمدهم وموظفيهم ودنياهم، هي مصر الحقيقة كما رآها يحيى حقي .
وفي عام 1929 كان يقلب صفحات جريدة في ليل الصعيد الصامت عندما وقعت عيناه على إعلان.
دبلوماسي بالمصادفة ، كان حافظ عفيفي وقتها وزيرا للخارجية، وقررت الوزارة عقد مسابقة للالتحاق بوظائفها. وتقدم يحيى حقي للمسابقة، ونجح ، وانتقل من منفلوط إلى خارج مصر، من سلك الشعب إلى السلك الدبلوماسي. وقفز دفعة واحدة من طبقة “الغلابة” إلى طبقة الخارجية وأبناء الأعيان والطبقة الأرستقراطية.
وكما اهتزت نفسه بعنف عندما سافر إلى الصعيد لأول مرة ، وكما شعر بعد هذه الهزة وكأنه انتقل من عالم إلى عالم آخر، ومن دنيا إلى دنيا أخرى شديدة الاختلاف، اهتزت نفسه بعنف أشد وهو ينتقل من الصعيد إلى جدة. فخلال أسابيع قليلة، وجد يحيى حقي نفسه أمينا للمحفوظات في القنصلية المصرية في جدة. وانتقل من التحقيقات وحكايات السرقة والقتل والغرام المحرم وليل الصعيد الساكت وقصص الدماء والطين، إلى حيث كان عليه أن يتعلم “البروتوكول والإتيكيت”، وكيف يأكل ، وكيف يشرب، وكيف يلبس، وكيف يمشي، وكيف يتكلم، وكيف يتصرف ؟
من جدة إلى تركيا
وفي جدة حدثت في حياته ثلاثة أشياء مهمة : فقد التقى العقلية الغربية المنظمة فاحترمها. والتقى المسلمين من جميع أنحاء الدنيا يأتون للحج كل عام، فيكونون أمام عين الفنان الثاقبة لوحة كان لها أبلغ الأثر في نفسه. وفي جدة، كان النشاط الدبلوماسي قليلا فراح يقضي وقته في المكتبة ليقرأ عبد الرحمن الجبرتي، المؤرخ، فيفتن بما كتب. لقد رأى فيه شعبه الذي أضنى نفسه في البحث عنه في السيدة زينب والحلمية والصليبية والخليفة حتى منفلوط .
وكان كتاب الجبرتي أول كتاب يهزه من الأعماق ويؤثر فيه تأثيرا مباشرا، فكتب ستة مقالات عن الفكاهة عند الشعب المصري، استند فيها الجبرتي، ووقعها باسم عبد الرحمن بن حسن، وهو اسم الجبرتي.
وفي جدة رأى المسلمين من كل أنحاء الدنيا. رآهم من الهند والصين ومن جاوة وأندونيسيا، ومن تركستان وأفريقيا فأمسك قلمه وراح يكتب ويرسل مقالاته إلى القاهرة، وفي ضميره أن يتحقق حلم الإسلام بوحدة كل المسلمين.
في جدة أيضا التقى جون فيلبي، المستشرق البريطاني الذي لعب دورا شهيرا في الشرق لحساب المخابرات البريطانية والذي اجتاز منطقة الربع الخالي ووضع عنها كتابا. وكان يحيى حقي يمر بعد منتصف الليل ليجد فيلبي ساهرا يقرأ ويكتب.
وكان فان دور مولن، قنصل هولندا في جدة مستشرقا أيضا، وتخصص في رسم خرائط الجزيرة العربية.
غير أن تجربة يحيى حقي في جدة لم تدم لأكثر من عام. ففي عام 1930 انتقل إلى تركيا مسقط رأس جده إبراهيم حقي . وهناك عاش تجربة من أعمق تجارب حياته، فقد رأى بعيني رأسه المرحلة الثالثة لكمال أتاتورك، وهي المرحلة التي أراد فيها أن يحول تركيا من دولة مسلمة إلى دولة علمانية لا دينية .
بين أتاتورك وموسوليني
وفي تركيا ارتدى القبعة لأول مرة وتعلم أن للقبعات علما وأصولا. وفي تركيا أيضا ، تعلم اللغة التركية وأتقنها. وشاهد كمال أتاتورك عن قرب، وسمعه يخطب وعاصر تحويل الحروف التركية من العربية إلى ألاتينية، والتقى الشاعر عبد الحق حامد، والشاعر يحيى كمال.
أمضى أربع سنوات في تركيا، عذبته وعلمته، ومارس فيها الدبلوماسية والسياسة والأدب والدين والعلم، ونقل بعدها إلى روما، وانتقل بذلك من دكتاتورية كمال أتاتورك، إلى “فاشية” موسوليني، التي كانت الجماهير في روما تزأر في وحشية استجابة له، وهو يهدر كأعظم الخطباء.
وكما تعلم يحيى حقي التركية في تركيا تعلم الايطالية في ايطاليا وراح يغترف من الأدب الايطالي بنهم شديد،حتى قرأ لموسوليني الكاتب المسرحي الفنان مسرحية باسم “مائة يوم”، وكتابا آخر بعنوان “أخي أرنالدو”، وعرف أن موسوليني كان يكتب بياناته الرسمية بنفسه. وكانت تلك البيانات قطعا من الأدب الملتهب.
وفي روما كان يراقب التوسع الايطالي في شمال إفريقيا ويدرك نية السلطة الايطالية التهام مصر. وأصابه القلق عندما زار الزعيم النازي الألماني هتلر، روما. وشاهد هتلر وهو يمشي بصلف وكبرياء. ثم زار ألمانيا وهو لا يعرف كلمة واحدة من اللغة الألمانية، لكنه وقف مبهورا وسط عشرات الألوف من الناس يستمع لهتلر وهو يخطب في برلين. وبلغ به الانفعال مع كلمات الرجل التي لم يكن يفقه منها كلمة إلى حد أن دموعه راحت تنهمر.
أيام باريسية
وعاد إلى مصر عام 1939، فتلبسه إحساس غريب، حيث بدأ له كأنه يراها لأول مرة، فكتب رواية “قنديل أم هاشم” ، وظل في مصر عشر سنوات وعمل مديرا لمكتب وزير الخارجية، وفي هذه الفترة تزوج وأنجب ابنته الوحيدة. لكن زواجه لم يقدر له الاستمرار لوفاة زوجته بعد شهر واحد من ميلاد ابنته. وظل يحيى حقي وفيا لذكرى زواجه الأول عشر سنوات كاملة،انتقل بعدها إلى باريس عام 1949، سكرتيرا أول للسفارة المصرية، وكان أهم ما يشعر به هو الإحساس الفياض بطعم الحرية التي لم يعرفها في اسطامبول أو روما، ولم يصادفها في جدة من قبلهما. فقال عنها : في باريس كل واحد حر. الحكومة هناك هي عسكري المرور وبس”.
غير أنه كان يعرف ما يريده من ” مدينة النور”، فعرف طريق الفن وزار معارض الفن التشكيلي وتعرف إلى رفيقة مشوار حياته الفنانة التشكيلية جان ماري جيهو التي تزوجها بعد ذلك، وشاركته حياته حتى أخر نفس .
ونقل بعد عامين إلى أنقرة، فعاد إلى تركيا وقد انحسرت عنها الموجة “الكمالية”، لكنه عاد هذه المرة مستشارا للسفارة وليس أمينا للمحفوظات . وبعدها أصبح أديبا ناضجا، يمارس الكتابة، وبدأ اسمه يملأ الأسماع .
في أنقرة ظل يحيى حقي عامين شبت أثناءهما في مصر ثورة يوليو 1952. وبعد قيامها بعامين قفز إلى قمة السلك الدبلوماسي، حيث عين وزيرا مفوضا في ليبيا سنة 1954 .
أهم من السياسة
عاش يحيى حقي عاما عصيبا، حيث كانت تلك هي المرة الأولى التي يتولى فيها رئاسة بعثة دبلوماسية. كان الصراع مرهقا في ليبيا ، التي كانت مقدمة على توقيع معاهدات مع أمريكا وانجلترا وفرنسا. وكان الصراع في قلبه أشد، مع حب جان ماري جيهو. لكنه لم يكن يستطيع الزواج بها إلا إذا ترك السلك الدبلوماسي، بموجب قوانين وزارة الخارجية، وحسم يحيى حقي الموقف، وقرر أن ينفض يده عن العمل الدبلوماسي بعدما عاش فيه كل هذا العمر.
كان يعرف أن الفن هو طريقه، وكان قد بلغ التاسعة والأربعين من عمره وقد آن الأوان أن يدفئ الحب قلبه وبيته، وتقدم يحيى حقي إلى وزارة الخارجية بطلب الانتقال إلى وزارة أخرى، ووافقوا على الطلب فانتقل من الخارجية إلى وزارة التجارة.وهكذا استطاع أن يتزوج حبيبة قلبه بعد أن عاد إلى القاهرة مرة أخرى، وكان زواجه في يوم لا ينساه هو 22 شتنبر من عام 1953 .
وفي عام 1955 أنشئت مصلحة الفنون فكان هو أول وأخير مدير لها، إذ ألغيت عقب تركه لها ، وبعد أن أصبحت هناك وزارة للثقافة تؤدي عملها. ثم عين يحيى حقي مستشارا لدار الكتب، وهي الوظيفة التي استقال منها عام 1961 قبل أن يعين رئيسا لتحرير مجلة “المجلة” من عام 1962 وحتى عام 1970 حين تبنت الحكومة سياسة التقشف وضغط المصروفات، لتغلق المجلات الثقافية وتطفئ بذلك كل المصابيح التي أضاءت سماء الثقافة والأدب في مصر حقبة زاهرة من الزمن .
ستون عاما مع الأدب
قال يحيى حقي مرة ردا على سؤال للناقد الراحل فؤاد دراوة، في كتابه “عشرة أدباء يتحدثون “.
“بدأت أكتب في سن مبكرة ، في حوالي السادسة عشرة، ومعظم هذه الكتابات لم أجمعها بالطبع، ولكني بدأت في كتابة القصة القصيرة بشكل منتظم بين عامي 1922 و 1923، حين تخرجت في مدرسة الحقوق السلطانية، وكنت متأثرا بالأدب الروسي أكثر من الأدبين الإنجليزي والفرنسي . تسألني لماذا ؟ لأنني وجدت كل شخص في الأدب الروسي تقريبا، مشغولا بقضية كبيرة هي خلاص الروح ، ويخيل إلي أن الأدب الصادق هو الأدب الذي وإن سجل وعبر وحلل وكتب بأسلوب واقعي إلا أنه لا يكتفي بذلك ، بل ويرتفع إلى حد التبشير، وهذا ما وجدته في الأدب، وهذا ما سحرني” .
“ولماذا القصة القصيرة بالذات؟
يقول : لم أكتب الشعر قط، ولا الزجل ، وإنما اتجهت فورا إلى القصة القصيرة لأنها أقرب قوالب الأدب إلى الشعر. لي نزعة شديدة لحب الشعر، وأشترط أن تكون القصة القصيرة فيها نغمة شعرية نحس بها إحساسا خفيفا دون أن تكون طاغية على القصة، وسر عبقرية اللغة هو الشعر، ويجتمع هذان السببان في أني فضلت القصة “.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.