جلالة الملك يهنئ رئيس جمهورية الدومينيكان بمناسبة العيد الوطني لبلاده    كونفدرالية إسبانية تدين الهجوم على شاحنة مغربية    وزارة الصحة تقصي وسائل إعلام وطنية من ندوة صحافية حول فيروس “كورونا”!    حادثة سير خطيرة تخلف مقتل سيدة وحفيدها بضواحي الحاجب    اعمارة متفائل : المغرب يقارب المعدل الأوروبي فيما يتصل بعدد قتلى الطرق    خطير.. عقوبات حبسية صارمة ضد من يروج لانتشار “كورونا” بالمغرب    السردين غني بالفيتامينات    البرلمان التونسي يمنح الثقة لحكومة الفخفاخ    “أبناء مبارك” ينعون وفاة قائدهم    من وكيف يتم ترويج الشماريخ؟    مباراة الموسم    المنخرطون يؤجلون الجمع العام السنوي للحسنية    جامعة كرة القدم تحتفي بالمنتخب النسوي المتوج ببطولة شمال إفريقيا    مزراوي لا يفكر في الرحيل عن أياكس خلال الصيف    الذكرى 50 لمعاهدة الأخوة وحسن الجوار والتعاون بين الرباط ونواكشوط .. الحسن الثاني والمختار ولد داداه ينتصران للمستقبل يوم 8 يونيو 1970    بنعبدالقادر: اختزال النقاش حول الإثراء غير المشروع شعبوية جنائية لا تحقق سوى الأصوات الانتخابية    مجموعة OCP تطلق المحطة التاسعة من آلية “المثمر المتنقل” بشفشاون    استفادة 2317 شخصا من قافلة طبية بالعرائش    وزارة العدل تبسط تدابيرها لمحاربة الاستيلاء على عقارات    قاضي أم جلاد؟.. حقيقة تبرئة عائشة عياش لدنيا بطمة من “حمزة مون بيبي”    “سويز” تفوز بعقدين لتدبير نفايات رونو و “ب س أ” ب 17,6 مليون أورو    الحبابي ل « فبراير »: ثمن « الكمامات » وصل إلى 129 درهما للواحدة    بسبب كورونا.. حزب الاستقلال يدعو إلى اجتماع عاجل بالبرلمان    بعد يوم واحد من رسم مندوبية التخطيط صورة قاتمة عن سوق الشغل بالمغرب وزير الشغل يقول: إحداث مناصب الشغل عرف ارتفاعا و نسبة البطالة تراجعت!!!    تأهل 4 ملاكمين مغاربة إلى أولمبياد طوكيو    أخنوش يستنفر مسؤولي المياه والغابات لتنزيل “غابات المغرب” اجتمع بهم في الصخيرات    رفضوا للمرة الثانية استقبال وزيرة الخارجية الإسبانية.. التحالف الاستراتيجي بين الرباط ومدريد يثير حكام الجزائر    في يوم دراسي حول: «موقع الحدود في النموذج التنموي الجديد، جهة الشرق نموذجا» .. خولة لشكر: الدولة القوية تدافع عن مصالحها الوطنية    5 قتلى في إطلاق نار بمصنع للخمور بأمريكا    سابقة في تاريخ الجزائر … محاكمة ابن الرئيس عبد المجيد تبون !    مسؤولون يناقشون محاربة العنف في فضاءات المدن    40 ملف فساد أمام جرائم الأموال    «الجسد في المجتمعات العربية » ضيف السيدة الحرة بالمضيق    قصة قصيرة : «أمغاري»    الفرقة الوطنية بالبيضاء تواجه دنيا بطمة بعائشة عياش بسبب حساب “حمزة مون بيبي”    من تنظيم شعبة القانون العام بجامعة الحسن الأول بسطات .. ندوة علمية حول «النموذج التنموي الجديد: قراءة في السياق وسؤال التنمية بالمغرب»    الصحراء المغربية .. مجلس النواب الإسباني يدعو إلى "حل عادل ودائم ومقبول "    بعد انتشار شائعات دخول “كورونا” للمغرب.. العثماني يطمن المغاربة    تقرير أسود عن سوق الشغل في المغرب .. 76 % من الطبقة العاملة محرومة من التغطية الصحية 79 % لا حق لها في التقاعد و 55 % تشتغل بدون عقد عمل و 95 % بدون انتماء نقابي    رسميا.. السعودية توقف إصدار تأشيرات العمرة بسبب كورونا إلى حين توفير إجراءات الحجر الصحي    مانشستر سيتي يقلب الطاولة على ريال مدريد في عصبة الأبطال    السعودية تُعلّق دخول المملكة لأداء مناسك العمرة بسبب فيروس “كورونا”    هذه توقعات الأرصاد الجوية لطقس اليوم الخميس    المغرب.. الحالات 17 المحتملة لفيروس كورونا المستجد “خالية من هذا الفيروس”    في ذكرى رحيل والده .. أنور الجندي يصرخ في وجه الحسن عبيابة    إغلان يرهن تكوين "مجتمع المعرفة" ب"مواطن قارئ"    "كورونا" يحصد أرواح 2744 شخصا بالصين    صراع المغرب والجزائر ينتقلُ إلى "حلبات" الدّبلوماسية بمنطقة الخليج‬    طنجة : توقيف مشتبهين لتورطهما في ارتكاب سرقة تحت التهديد بالسلاح الأبيض من داخل وكالة لتحويل الأموال        انسجام الخطاب الشعري في ديوان "أسأتُ لي" للشاعر "ادريس زايدي"    "تلوث الهواء" يبوئ نيودلهي "صدارة" المدن بالعالم    بسبب كورونا.. وزارة الحج تعلق بالسعودية إصدار تأشيرات العمرة    جمعية فلكية: فاتح شهر رمضان بالمغرب سيصادف هذا التاريخ    خَطَأُ الْفَقِيهِ أَحْمَدَ الرِّيسُونِيِّ!    المرابط: الاستغلال السياسي و"القراءات الأبوية" وراء مشاكل الإسلام    مقاطعة بالدارالبيضاء يترأسها البيجيدي تنصح المواطنين بالوضوء لتجنب فيروس كورونا !    عرض خاص وغير مسبوق لوكالة الأسفار Morocco Travel بتطوان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عتبة الإهداءات في الديوان الشعري المغربي المعاصر
نشر في طنجة الأدبية يوم 06 - 05 - 2009


تقديم
إن التطور المهم الذي شهدته الدراسات النقدية المعاصرة ، أفضى إلى ظهور مفاهيم و مصطلحات جديدة، هذه المفاهيم أعادت الاعتبار إلى جوانب أساسية في النص الإبداعي ، حيث طل التعامل معها هامشيا إلى وقت قريب، ومن أهم هذه المصطلحات : النص الملحق أو الموازي paratexte . النص الموازي أو الملحق - أو المصاحب - 1 هو ما أصطلح عليه في أغلب الدارسات النقدية العربية بالعتبات – أو عتبات الكتابة - و يقصد بذلك ، جميع العناصر المرتبطة بالنص أو الأثر الأدبي و التي تشكل مدخلا لقراءة النص فهذه العتبات هي التي ستقود القارئ ، الناقد إلى مركز الانفعالات ، و حركية الحياة في مسالك النص 2 ، بمعنى آخر تشكل هذه العتبات قنطرة أساسية للعبور إلى النص ، و النص بدون هذه العتبات أو المداخل سيكون عالما مغلقا يصعب اقتحامه. و يعتبر الناقد الفرنسي جيرار جينيت g. genette من أهم المنشغلين بالنقد في هذا المجال ، خصوصا عند صدور كتابه الهام – عتبات - - seuils - الذي صدر سنة 1987 . وقد تحدث جينيت عن ما أسماه المتعاليات النصية ، ومن أبرز هذه المتعاليات : pratexte أو المناص و يعتبره كل ما يدور في فلك النص من بعيد أو قريب و قد قسمه إلى النص الملحق المباشر peritexte- - مثل العنوان و التمهيد و الإهداء و النص الملحق غير المباشر Epitexte مثل الاستجوابات و المراسلات... 3
هكذا تصبح هذه العتبات عبارة عن مداخل للنص ، تشرع أمام المتلقي الطريق لاقتحام هذا النص ، و من خلالها يبني أفق إنتظاراته و توقعاته ، وهذه العتبات لها وظائف متعددة ، و تتخذ أشكال مختلفة «... لها سياقات توظيفية تاريخية و نصية و وظائف تأليفية تختزل جانبا من منطق الكتابة. »4 فهذه العتبات إذن مثل اسم المؤلف ، العنوان ، العنوان الفرعي ، الإهداء ، التقديم ، الغلاف ، الصور ، الألوان ، الطباعة شكل الحروف... كل هذه العتبات تحمل في جوهرها دلالات مباشرة، أو غير مباشرة لها صلات و وثيقة بحمولة النص ، بالإضافة إلى دلالاتها الرمزية و الإيحائية و التي تشكل عنصر إثارة تدفع القارئ إلى التعامل مع النص انطلاقا من تمثله و تأويله لهذه المداخل . وهذه العتبات يتحمل كل من الكاتب و الناشر دورا أساسيا في تحديد معالمها ، ذلك أن المبدع أثناء كتابته للنص ، و اختياره للعنوان ، و الإهداء... يظل المتلقي حاضرا في ذهنه ، فهو يسعى إلى إثارة انتباه القارئ بل إلى استفزازه أحيانا ، ثم يأتي دور الناشر – الطبعة – من خلال طريقة إخراجه للعمل و اختاره لشكل الغلاف ، نوع الورق ، الخط ، الألوان ، التصدير ، الحواشي ... وقد يتم ذلك دون استشارة الكاتب . لكن ما يهمنا في هذه المداخلة هوالتركيز على عتبة واحدة من هذه العتبات : الإهداء ، مع محاولة إبراز نماذج من هذه الاهداءات المتصدرة للدواوين الشعرية المغربية المعاصرة .
الإهداء
الإهداء عتبة من عتبات الولوج إلى النص، وهو يندرج ضمن النص الموازي المباشر، و لا يقل أهمية في دلالته عن اسم المؤلف و العنوان، لأنه يشكل عنصرا مساعدا لاقتحام النص فهو « ...أحد المداخل الأولية لكل قراءة ممكنة للنص... » 5 و إن كان الإهداء كعتبة ليس ضروريا و ملزما لكل النصوص بخلاف العنوان و اسم المؤلف ، فإن وجوده يؤشر على أهميته ، أي أهمية المهدي إليه في علاقته بالكاتب من جهة، و من جهة أخرى قيمة النص – مضمونه – في علاقته بالمهدي إليه. و الواقع إن الاهداءات في مقدمات الكتب و المصنفات ليست ظاهرة جديدة ، فالعديد من أمهات الكتب التراثية نجدها مهداة لأشخاص معينين ، ففي مقدمات الكتب التي تناولت الآداب السلطانية ... يهدي المؤلف من خلالها كتابه إلى رجل السلطة، و غالبا ما يكون الإهداء صريحا اسميا... 6 لكن النقد المعاصر تكمن أهميته في محاولته تحليل هذه الاهداءات ، و اعتبارها جزءا من النص و مكملة له ، لها دور في إضاءة دروب القراءة، خصوصا عندما يكون مضمون هذا الأثر الأدبي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذا الإهداء. فالإهداء من هذا الجانب هو خطاب حول النص ، مرتبط بالكاتب. يحاول من خلاله الاحتفاء بالمهدي إليه ، بل أحيانا
نجد في الديوان نفسه ، اهداءات متعددة ، فكل قصيدة يتصدرها إهداء خاص. وعموما يمكن تحديد ثلاث صيغ يتخذها الإهداء : الإهداء العام ، الإهداء الخاص ، الإهداء المشترك. الخاص يتوجه إلى شخص معين تربطه علاقة حميمية بالكاتب كالأب ، الأم ، الزوجة. . .أما العام فإنه يتوجه إلى شخص أو أشخاص غير محددين قد يكون المتلقي نفسه... أما المشترك فيعنى بالتوجه إلى أشخاص محددين ، و يتواشج فيها الإهداء مع العنوان أو نصوص الكتاب 7 لكن الملاحظ أن بعض الاهداءات تكون مفتوحة ، أقصد أنها غير موجهة للأشخاص ، لكن الشاعر يهدي إليها إبداعه ، و سنرى نماذج من هذه الاهداءات المفتوحة . و مجمل القول ، فالإهداء هو تكريم و احتفاء بالمتلقي و تعبير عما يحضى به من اعتبار و تقدير من قبل المؤلف 8 ، له دلالات عميقة ، و سياقات متنوعة ، و أحيانا أبعادا جمالية ، تختلف من مبدع لآخر ، تتحكم فيها شروط الزمان و المكان و العلاقات، كذلك قيمة الشخص المحتفى به و المهدي إليه هذا العمل .
نماذج من الاهداءات الخاصة
ففي ديوان الشاعر محمد بشكار :ً ملائكة في مصحات الجحيمً يتخذ الإهداء دلالة مجازية و شاعرية و إن كان إهداءا خاصا ، وهو موجه إلى الأب و الأم ، الأب الذي يكد من اجل الرغيف ، يسهرالليالي لينير الطريق لعياله... و الأم – ايجة – التي يشبه اسمها أحد البحار في المتوسط – بحر إيجة – الموجود بين اليونان و تركيا ، لذلك فالبحار تغار من أم الشاعر ، تغار من اسمها و حنانها ، جاء في الإهداء « إلى أبي الذي احتطبته الليالي لتضرم قمرا صغيرا اسمه الرغيف... إلى إيجة أمي التي تغار البحار من اسمها.. » . و الملاحظ أن حضور الأبوين في القصائد يبدو نادرا جدا.
أما محمد عرش في ديوانه ً أحوال الطقس الآتية ً فالإهداء عنده يقترن بالمعاناة، الإحساس بالألم اتجاه قبر أمه الذي لا يعرفه ، و الشعور بالألم أمام الزوجة التي احترقت هي كذلك بالكتابة « إلى التي رحلت، دون أن تترك عنوان قبرها تلك أمي ! إلى التي اكتوت بلهيب الكتابة ، متحملة جوها زوجتي ! »
بخلاف الشاعر محمد الخمار الكنوني في ديوانه ً رماد هسبيريس ً جاء الإهداء مباشرا ، صريحا مفردا يعكس علاقة الشاعر بوالدته ، علاقة طبيعية مباشرة لا تخلو من حميمية و اعتراف « إلى والدتي » . وفي الصفحة الثالثة من ديوان الشاعر محمد الأشعري الموسوم ً سيرة المطر ً جاء الإهداء خاصا كذلك ، لكنه موجه إلى العم ، و أكيد أن العلاقة بين الشاعر و بين عمه علاقة قوية و حميمية ، و الإهداء هو اعتراف بالجميل ، هذا العم هو بمثابة الأب ، والذي رغم سنوات المعاناة التي عاشها، فإن الأمل ظل نبعا رقراقا « إلى العم... الأب الذي روض سنوات اليتم و استمر نبعا لا يعرف النضوب » . وفي مجموعته الشعرية ً قبلة بلا شفة ً لحسن منصور جاء الإهداء خاصا لكنه غير محدد ، ربما هو نوع من هروب أو مكر ، يستفز المتلقي يدفعه إلى فتراض هذا المهدي إليه . جاء في الإهداء « إلى التي ... وهي تدرك تتمة كلماتي ... مع صادق محبتي... حسن » .
لكن من خلال قراءة قصائد الشاعر يمكن إن نفترض هذا المهدي إليه ، مادام الأب و الأم و الزوجة غائبين في هذا الديوان ، و هذا الفراغ الذي تركه الشاعر عمدا يعكس هذا الهروب ، في عدم الإفصاح عن المهدي .
إليه .
نماذج من الإهداءات المفتوحة :
وهي اهداءات غير موجهة للأشخاص ، تتسم أحيانا بنوع من المفارقة ، و أحيانا بنوع من الشاعرية . في ديوان ً مزامير ً لحسن الامراني يتأسس الإهداء على نوع من المفارقة ، تجمع بين كلمتين تنتميان إلى المعجم الطبيعي ، مما يفتح المجال أمام تأويلات متعددة ، بالرغم من أن الإهداء جاء قصيرا « إلى الصحو الممطر » .
و بالعودة إلى ديوان مفدي أحمد المعنون ب ً في انتظار موسم الرياح ً نجد الإهداء لديه يجمع بين عناصر متعددة ، يجتمع فيها الشخصي بالطبيعي يقول « إلى الذي وضع يدي على جرح لما يندمل... . و نبه إحساساتي إلى كوامن المأساة ... إلى كل حبة رمل و قطرة ماء و ارتعاشة غصن و غضبة وجه في وطني ، أهدي هذه التوقيعات.. » . و بالرجوع إلى قصائد الديوان نكتشف العلاقة الموجودة بين الإهداء و مضمون النصوص ، حيث الإحساس بالمرارة و المأساة في وطن يدوس كرامة الإنسان . و في إهداء للشاعر أحمد الجو ماري في ديوانه ً أشعار في الحب و الموت ً في الصفحة الثالثة ، يمكن قراءة الإهداء قراءات مختلفة ، لكن ما نستخلصه هو ما تعكسه قصائد الديوان ، ذلك الصراع بين الألم و لأمل ، بين الحرية و الاستعباد ، بين المعاناة و الغد المأمول المشرق ، و تمجيد كل الذين قدموا أرواحهم من أجل الكرامة و الحرية . يقول الجو ماري : « إلى الطيور الوديعة التي أسقطها الجبناء في بداية رحلة... تحية إلى الأشجار الشامخة التي تقف وراء القضبان و خلف امتداد البحر لتعلن عن ميلاد طفلتنا المتمردة » . في حين يأتي إهداء حسن الامراني في مجموعته الشعرية ً الزمان الجديد ً على النحو التالي : « إلى حلم المطارد » . و يعكس ذلك الإحباط و الخيبة التي يعانيها الشاعر في وطن لم يمنحه سوى الألم و المعاناة .
نماذج من الاهداءات المشتركة
الاهداءات الموجهة إلى أشخاص متعددين و محددين نصادفها في عدة دواوين شعرية مغربية معاصرة ولعل أهم ما يجمع بينها هو النضال و التمرد ضد الاستبداد ، و السعي نحو الحرية و تحقيق العدالة المساواة في وطن يرزح تحت وطئة الحيف و الفقر . ففي ديوان ً نجوم في يدي ً لمحمد الحبيب الفرقاني جاء : « إلى الذين يمدون أيديهم في جنح الليل ينسجون من ظلمته ا شراقة الصبح الضاحي ليوم غد. .. إلى الذين يحرقون أنفسهم ترتمض ومضاتها على مجاني الطريق ... و إلى الذين حرمتهم الحياة اذرعها الحافية ، و لكنهم ظلوا مع ما يعفهم من حرمان و بؤس ، يحملون الأمل الأكبر في الحياة .. . من
اجلهم جميعا ، انزع هذه التأويهة من صدري » . و بالرجوع إلى قصائد الديوان نكتشف هذه العلاقة بين القصائد و الإهداء، باعتبار الشاعر مناضل سياسي عاش تجربة الاعتقال مرات عديدة . أما محمد بنعمارة فجاء إهداؤه قصيرا و معبرا في اضمومته الشعرية ً نشيد الغرباء ً يقول « إلى من يهدمون الأوثان ... إلى قوافل الغرباء » . و تتسم قصائد الديوان بنفحات دينية و صوفية و إسلامية واضحة، ولعل لكلمة الأوثان في الإهداء دلالة مهمة، تتفق و مضمون الديوان.
وفي ديوانه الثالث ً مشتعلا أتقدم نحو النهر ً يهدي رشيد المومني ديوانه « إلى سجناء الماء و الشموس المرعبة » . يعكس هذا الإهداء مفارقة واضحة ، بين الماء و الشموس كتعبير عن الحياة و الخصب و الضياء و الحرية ، ثم سجناء و المرعبة كدلالة على الاعتقال و السجن و الخوف و التعذيب . وفي قصائد الديوان يحضر عنصر الماء و النهر كبؤرة أساسية في تيمة النصوص .
و بالعودة إلى ديوان أحمد هناوي ً قبرة الأيام العظمى ً فإن إهداءه يأتي في آخر الديوان ص 97 وهو ينطلق من مرجعية حزبية واضحة يقول « إلى مناضلي حزب التقدم و الاشتراكية بقيادة أمينه العام .. من زرعوا قبل ثلاثين سنة الاشتراكية و الفكر القومي في هذا البلد، من زحفوا اليوم في طليعة المسيرة الشعبية التي حررت صحراءنا و دمرت خمول العالم و كسله » . و بالرجوع إلى الديوان نلاحظ سيادة معجم لغوي و رموز تنتمي إلى اليسار و الاشتراكية مثل : الجماهير، الطبقية، المحرومون ، الرافضون الأغلال ، البوليس ، النكسات ، الفاشية ، التنين ، اندونيسيا ، الخرطوم ، الشيلي ، أثينا ، اسبانيا ، موسكو لينين ، نيرودا ،هانوي ، التقدم ، السلام ، الثورات ، تلك نماذج على سبيل المثال لا الحصر مما يجعل هذا الإهداء عاكسا لمضامين النصوص.
و نختم هذه النماذج بإهداء للشاعر بنسالم حميش و ديوانه ً ديوان الانتفاض ً جاء فيه « إلى شعراء و شاعرات الحسن في القول و الفعل و العلا قة : وما اقلهم ! وما اقلهن ! » أكيد إنه إهداء جميل و ماكر، جميل لأنه موجه إلى المبدعين من الشعراء و الشاعرات ، أصحاب الكلمة الصادقة المعبرة، و ماكر، لأنه احتجاج على زمن يولد فيه الشعراء كما تولد الطفيليات . و حيث العلاقة لا تتأسس دائما على الصدق و الوفاء و تتميز قصائد الديوان ببعدها الفلسفي و التراثي و الإنساني الجميل تتسم بالعمق و الحكمة ، و هذا ليس غريبا، مادام شاعرنا يجمع بين الفلسفة و الشعر ، و ليس غريبا كذلك أن نجد هذا التعجب في هذا الإهداء .
لكن ما يلفت الانتباه أحيانا كثيرة ، هو أن هذه الاهداءات في أوائل الدواوين الشعرية خصوص المهداة لأشخاص ، لا نجد ذكرا لهم ، أو الإشارة إليهم ، بل إن القصائد قد تكون مهداة إلى أشخاص آخرين في الديوان نفسه ، وتلك مفارقة عجيبة ؟؟؟ و عند عودتنا إلى نفس الدواوين الشعرية المذكورة سابقا أو دواوين أخرى مغربية نلاحظ كيف يتعايش الاهتداء الرئيسي مع الاهداءات الثانوية ، أي تلك التي تتموقع في الغالب تحت عنوان القصيدة مباشرة ، نشير إلى بعضها دون الإشارة إلى الديوان أو الشاعر تجنبا لكثرة الإحالات .

إلى أ – ش شلال ابتسام لا ينضب
إلى روح الإمام محمد باقر الصدر
إلى الدم المطول في المخيمات بدءا من تل الزعتر
إلى الشاعر حسن الحداد الذي راودت عقله ذات خريف امرأة الجنون
إلى عمر بن جلون سنوات بعد اغتياله
إلى صديقي العزيز الأستاذ عبد الله أنفيسي
إلى الشعراء الفاسقين من عصر الانحطاط إلى عصر اللواط
إلى محمد بنعمارة
إلى خليل حاوي
إلى أحمد بركات ... صديقي هناك
إلى فان غوغ
إلى م . م
إلى عبد القادر الشاوي
إلى إلياس خوري
إلى أبي في أرض الوطن.
هذه نماذج من الاهداءات الخاصة المتصدرة لبعض القصائد ، أغلبها مهداة إلى أشخاص هم شعراء أو كتاب أو مبدعون . و ذلك ليس بالأمر الغريب ، مادام هؤلاء يتركون بصماتهم في الحياة الإبداعية لأي أمة . ثم هذه العلاقة الحميمية التي قد تجمع بين بعض المبدعين . وخلاصة القول ، وما يمكن ملاحظته ، هو أن الإهداء عندما يكون خاصا، فإنه لا يعكس في الغالب انتظارات المتلقي ، بخلاف أنه عندما يكون مفتوحا ، فإن النصوص تتسم بهذا الطابع المأساوي الموشوب بالأمل .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.