كان من المفترض أن يكون نهائي كأس أمم إفريقيا بالمغرب 2025 عرسا كرويا يُتوّج شهرا من الفرجة والإبداع فوق المستطيل الأخضر، لكنه تحول بسرعة إلى واحد من أكثر الملفات التأديبية تعقيدا في تاريخ المنافسة القارية. فبعد أسابيع من الإثارة داخل الملاعب ونجاح البطولة الاستثمارية تنظيميا، وجد المغرب والكرة الإفريقية نفسيهما أمام شهر آخر لا يقل إثارة، لكن هذه المرة في ردهات اللجان التأديبية ومكاتب المحاكم الرياضية، حيث تنتظر الجامعة الملكية المغربية والمملكة قرارات رد الاعتبار لما أحدثه المنتخب السنغالي وجماهيره في نهائي أجمل عرس إفريقي شهدته القارة السمراء على مر التاريخ. الشارع الرياضي الإفريقي يترقّب اليوم، ومعه المتابعون للشأن القانوني الرياضي، ما ستؤول إليه مداولات اللجنة التأديبية التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم "الكاف"، بخصوص الأحداث التي رافقت نهائي البطولة. نهائي لم يُكتب له أن يُختزل في الأهداف والمهارات، بل اتسعت دوائره ليصبح نقاشًا حول النزاهة، والحياد التحكيمي، وكيفية تدبير الأزمات في أكبر تظاهرة كروية بالقارة.
اللقاء الذي جمع المغرب والسنغال عرف توترا غير مسبوق في لحظاته الحاسمة، حيث تصاعد الجدل حول قرارات تحكيمية أثارت احتجاجات قوية داخل الملعب، وتداولت وسائل الإعلام حديثًا عن انسحابات مؤقتة وتشنجات ميدانية أربكت السير الطبيعي للمباراة. تلك المشاهد خرجت عن السياق الرياضي المعتاد في النهائيات، وجعلت من المباراة واجهة لإشكاليات أعمق تتعلق بضبط الانفعالات وحماية صورة المنافسة القارية.
ومع انتقال الملف إلى دهاليز "الكاف"، أصبحت المؤسسة القارية أمام اختبار حقيقي للنزاهة والحياد. فقد راجت معطيات عن إجراءات داخلية لتفادي أي تضارب محتمل في المصالح، من بينها إبعاد مسؤولين بعينهم عن مسطرة التأديب الخاصة بالنهائي. خطوة، إن تأكدت رسميًا، تعكس حجم الضغط المحيط بالقضية، ومحاولة حماية القرار النهائي من الطعون والتشكيك في استقلاليته.
قانونيا، تتعدد السيناريوهات أمام اللجنة التأديبية، من غرامات مالية وتوقيفات للاعبين أو أطقم تقنية، إلى قرارات أشد في حال اعتُبر ما وقع مساسًا خطيرًا بمبدأ استكمال المباراة أو تهديدًا للنظام العام الرياضي. بعض التحليلات ترى أن "الكاف" قد تميل إلى الصرامة، لأن الحديث لا يتعلق بمباراة عادية، بل بنهائي قاري يُفترض أن يكون نموذجًا للانضباط والاحتراف.
وقد أعادت الأحداث الأخيرة إلى الواجهة واقعا بات يتكرر في الكرة الإفريقية، إذ كلما ارتفعت قيمة البطولة، ارتفعت معها احتمالات النزاع حول التفاصيل التحكيمية والتنظيمية. وهنا تدخل كرة القدم منطق المرافعات القانونية، حيث تصبح الاحتجاجات والطعون والملفات التأديبية جزءًا من المشهد، لا مجرد توابع له. بل إن تقارير دولية لم تستبعد إمكانية لجوء أطراف معنية إلى مسارات قانونية موازية، ما يفتح الباب أمام امتداد القضية خارج حدود "الكاف".
ويستحضر المتابعون أن الاتحاد الإفريقي كان قد شرع خلال البطولة نفسها في تفعيل مساطر الانضباط بشكل أوضح، عبر قرارات تأديبية في ملفات أخرى مرتبطة بسوء السلوك داخل المباريات. وهو ما يجعل القرار المرتقب في ملف النهائي لحظة مفصلية، ليس فقط لمعاقبة المخالفين، بل لتحديد فلسفة "الكاف" في إدارة الأزمات الكبرى.