في خضم ما يطبع الكثير من الإنتاجات التلفزية التي تبثها القنوات العمومية خلال شهر رمضان، من رداءة في المضمون، واستخفاف أحيانا بالقيم والأخلاق، التي يفترض أن تميز هذا الشهر الفضيل، تبرز بين الفينة والأخرى أعمال فنية تستحق أن تُتابع بعين المشاهد الباحث عن المعنى، وأن تُرصد بعين المحلل الناقد. ومن بين هذه الأعمال ما تقدمه قناة العيون الجهوية من مسلسلات حسانية، استطاعت رغم محدودية الإمكانات، أن تفرض لنفسها مكانة محترمة لدى المتابعين. لقد راكمت هذه التجربة خلال السنوات الماضية حضورا لافتا من خلال أعمال مثل مسلسل "أم الرجال" و"الطير لاّ من فركَو" و "الكَرفاف"، وغيرها من الإنتاجات، التي حاولت أن تنقل جزءً من نبض المجتمع الصحراوي وثقافته وخصوصياته الاجتماعية، وهي أعمال لم تكن مجرد محاولة للترفيه، بل سعت أيضا إلى تقديم صورة قريبة من الواقع، تحترم البيئة المحلية، والذاكرة الجماعية لسكان الأقاليم الجنوبية. وفي الموسم الرمضاني الحالي، يتواصل هذا المسار مع مسلسل "سوگ اتاي" (سوق الشاي)، الذي يشكل بدوره إضافة جديدة لهذه التجربة الفنية الحسانية، وأهم ما يميز هذا العمل، قبل أي اعتبار آخر، هو احترامه للمشاهد، سواء من حيث طبيعة المواضيع المطروحة، التي تحاكي واقعا معاشا في مدن الصحراء، أو من حيث مراعاته لخصوصية شهر رمضان، باعتباره زمنا للتجمع العائلي والهدوء الروحي. فالعمل يتجنب كثيرا من مظاهر الابتذال أو الإثارة المجانية التي أصبحت، للأسف، سمة لبعض الإنتاجات الرمضانية، وبدل ذلك يختار الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية في مدن الصحراء، بما تحمله من عادات وتقاليد وعلاقات اجتماعية متجذرة، فيقدمها بلغة فنية بسيطة لكن المشاهد يستشعر صدقها. صحيح أن هذا العمل الفني، لا يخلو من بعض النقائص، سواء على مستوى السيناريو أو في بعض جوانب الحوار، وهو أمر طبيعي في تجربة ما تزال في طور التراكم والنضج، غير أن هذه الملاحظات لا تحجب القيمة الأساسية التي يحملها المسلسل، والمتمثلة في حرصه على إبراز الخصوصيات المحلية والقيمية للمجتمع الحسّاني، وعلى تقديم صورة فنية تحترم السياق الثقافي والاجتماعي الذي تنتمي إليه. إن مثل هذه المبادرات الفنية تستحق التنويه، ليس فقط بالعمل ذاته، بل أيضا بالجهود التي يبذلها القائمون على قناة العيون الجهوية، في دعم الإنتاج الدرامي الحساني، وإعطائه مساحة للظهور والتطور، فالفن حين يكون معبّرا عن بيئته وثقافته وقيمه، يصبح أكثر قدرة على التأثير والاستمرار، فضلا عن كون هذا الدعم يمثل جهدا فصيانة الحسانية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، وفق ما ورد في الفصل الخامس من الدستور. ولعل الرسالة الأهم التي تقدمها هذه التجربة، هي أن احترام المشاهد ليس أمرا مستحيلا، وأن تقديم عمل فني يحافظ على القيم والخصوصيات الثقافية، لا يتعارض مع الإبداع، بل قد يكون شرطا أساسيا لنجاحه. وفي زمن تتزايد فيه الشكاوى من تدني مستوى بعض الإنتاجات الرمضانية، تبدو هذه الأعمال الحسانية بمثابة تذكير بسيط لكنه مهم، وهو أن الفن الجيد يبدأ أولا باحترام الإنسان الذي يتوجه إليه.