في ظل نظام عسكري أخرق ومفلس، ليس فقط على المستوى السياسي والأخلاقي، بل على جميع المستويات الفكرية والدبلوماسية والثقافية، ويتميز بالبلادة والعبط المزمنين، لم يعد الكثير من المراقبين والمتتبعين للشأن المغاربي يباغتون أو يندهشون بما تأتي به المؤسسات الجزائرية في معظم الأحيان من إجراءات تثير أمواجًا من السخرية، لاسيما أن الإعلام الرسمي وغير الرسمي يكاد لا يتوقف عن نقل أخبار تكون في معظمها أغرب من الخيال، فضلًا عن نشر الأكاذيب والترويج للشائعات حول المملكة المغربية على وجه التحديد. فمنذ شروع المغرب في السنوات الأخيرة، وخاصة مع مجيء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في تحقيق العديد من الانتصارات الدبلوماسية بخصوص ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وأصبحت مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية، التي تقدم بها المغرب في أبريل 2007 للأمم المتحدة، تحظى بدعم دولي متزايد إلى جانب فتح عدد من الدول الأجنبية قنصلياتها في مدينتي العيون والداخلة الجنوبيتين، والنظام العسكري الجزائري يتمادى بإصرار شديد في التحرش بالمغرب واستفزازه، مستعملًا في ذلك جميع ما يملك من أساليب قذرة، ومسخرًا جل إمكاناته المالية في دعم ميليشيات البوليساريو الانفصالية، ضاربًا عرض الحائط بمصالح الشعب الجزائري ومشاكله الحقيقية. ذلك أنه لا يخفى على أحد اليوم داخل الجزائر وخارجها ما باتت تتسم به سياسات حكام قصر المرادية من تخبطات واضطرابات اقتصادية وهيكلية، لعل أبرزها يكمن في التدخل المباشر وغير المبرر لكابرانات العسكر في السلطة، رغم محاولات التعتيم الدستوري والتعددية الحزبية الصورية، خاصة أن النظام يعتمد على اقتصاد الريع ويفتقر إلى التنوع مع سيطرة قيادات عسكرية عليا يأتي في مقدمتها السعيد شنقريحة، الذي يعتبر الرئيس الفعلي للجمهورية، حيث تشير جميع المؤشرات المتوفرة ومظاهر الارتجال والعزلة الدولية إلى أن نظام العسكر الجزائري يصطدم بصعوبات كبيرة في محاولة تحقيق توازن بين التطلعات الشعبية للدولة المدنية والديموقراطية، والحفاظ على قبضته العسكرية والأمنية. ولأن هذا النظام العسكري الفاشل في الجزائر صار عاجزًا عن مجاراة المغرب وتعطيل مساره التنموي الناجح، والحد من انتصاراته السياسية والدبلوماسية المتوالية، فإنه لم يعد يكتفي بالترويج لكون المغرب بلدًا محتلًا للصحراء وعدوًا خارجيًا يهدد أمن واستقرار الجزائر، بل إنه، سعيًا إلى محاولة الحفاظ على بقائه، لا يجد من وسيلة عدا التمادي في مناوراته الدنيئة وتبديد ملايير الدولارات من أموال الشعب في دعم الحركات الانفصالية وعلى رأسها ميليشيات البوليساريو، وتجييش الشعب الجزائري ضد كل ما هو مغربي، والحرص على إلهائه عن أهم مشاكله الاجتماعية وأزماته الاقتصادية الحقيقية، حيث تعاني مختلف المناطق والتجمعات السكنية الممتدة من الإقصاء والتهميش وأبسط وسائل العيش الكريم. ففي إطار الاستمرار في تنويم الشعب الجزائري المغلوب على أمره والسعي إلى محاولة صرف انتباهه عن أهم قضاياه الأساسية التي تشغل باله منذ "الاستقلال"، خرج الفرع النقابي للاتحاد العام للعمال الجزائريين للمؤسسة الاستشفائية المتخصصة للأم والطفل "مريم بوعتورة" في باتنة يوم 4 مارس 2026، للإعلان عن تنظيم "طومبولا" لفائدة الموظفين، تتمثل في تخصيص 10 قسيمات للظفر بكيلوغرام واحد من لحم العجل، وذلك بمناسبة حلول الشهر الفضيل رمضان المبارك لسنة 2026، كهدية بسيطة، عربونًا لما يبذلونه من مجهودات مضنية ويقدمونه من تضحيات إنسانية. ترى، أي ذي عقل سليم فوق أرض الله الواسعة يقبل بمثل هذه الترهات التي ما انفكت تتناسل في بلاد "العم تبون" الغنية بثرواتها الباطنية ومن بينها البترول والغاز؟ لذلك لا نستغرب مما خلفه تنظيم هذه "الطومبولا" الرامية إلى منح عشرة موظفين من المحظوظين 10 قسائم، كل واحدة منها بوزن كيلو غرام واحد من لحم العجل، من ردود فعل ساخرة في الجزائر والمغرب على حد سواء، حيث اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بانتقادات حادة، لاسيما أن مثل هذه المهزلة تعكس بوضوح الصورة الحقيقية للوضع المتأزم الذي يعيشه الجزائريون، وتفضح تلك الشعارات الرنانة التي طالما حاول من خلالها "الكابرانات" في أكثر من مناسبة التعتيم عن هشاشة الواقع اليومي والطوابير التي لا تنتهي في مختلف جهات الجزائر. إنه من غير المقبول أن يتواصل في الجزائر الشقيقة العبث بمشاعر المواطنين والاستخفاف بعقولهم، في ظل الحكم العسكري الفاشي، الذي استطاع نشر عدوى الجبن والغباء في جميع مناحي الحياة، مما أدى إلى تنظيم "طومبولا" رمضانية بائسة ومخزية، بدعوى إشاعة روح التضامن والتكافل الاجتماعي وتكريس القيم الإنسانية النبيلة. فكيف لا يستمر تناسل المهازل والرئيس الجزائري نفسه يكاد لا يتوقف عن إثارة السخرية من خلال تصريحاته الإعلامية؟ أليس هو من قال أمام ملوك ورؤساء الدول والحكومات خلال إحدى دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك: إن الجزائر "انطلقت ببرنامج تحلية مياه البحر، وستصل مع نهاية سنة 2024 إلى إنتاج مليار و300 مليون متر مكعب يوميًا"؟ وهو الرقم الذي وصفه عدد من نشطاء مواقع التواصل بالرقم الفلكي، متهمين الرئيس بالعته ومحاولة تجفيف مياه البحر الأبيض.