أسعفني الظرف، بل كان واجبًا وضرورةً يفرضها البحث والدرس على امتداد حياتي العلمية وعلاقتي بالكتاب والقراءة، أن أدوّن مختاراتٍ ونتفًا من أشعار أو أقوال علقت بذهني واستبدت بفكري أوقاتًا وأوقاتًا، تجمع بين الجدة والطرافة والمتعة والفائدة. وأنا أعيد النظر فيها، وجدت فيها حكمًا وعبرًا سجلها أصحابها بعد معاناة وتجربة، قد تكون الاستفادة منها والعمل بمقتضاها أنفع للعامة والخاصة بدل الاحتفاظ بها في كراريس والاستمتاع بها والإفادة منها بصورة شخصية. لذا، حرصت على استخلاص ما رأيته مفيدًا، متمثلةً بما قاله السهروردي: فتشبّهوا إن لم تكونوا ** فإن التشبّه بالكرام فلاح وفي قول أحدهم منبهًا إلى ما للقراءة والكتابة من حلاوة في الطعم وراحة في الفكر: لمحبرة تجالسني نهاري ** أحب إليّ من أنس الصديق ورزمة كاغد بالبيت عندي ** أحب إليّ من عدل الدقيق وإذا كانت هذه الاختيارات غير مصنفة أو مرتبة تبعًا لموضوعاتها، فإنها تصب جميعًا في وعاء التمثل والاستشهاد بما حفرته في ذاكرتي وما عمل قلمي على تدوينه بدون ترتيب تبعًا لقراءات متنوعة في ظروف مختلفة، وفي أوقات متضاربة. لذا، فليكن عذري أنني أحرص على تقديمها كما وجدتها في مدوناتي، ليشاركني القارئ متعة ما خطته أقلام الأدباء والشعراء، فتركوا بصماتهم واضحة في تاريخ الكتابة والتدوين، وخلدوا بذلك أسماءهم في سجل العلماء المجلِّين والمبدعين الملهمين. ومن ثم، ستتناول هذه الشذرات الموضوعات الآتية: أولاً: الحديث عن القلم باعتباره الآلة الأكثر صحبة لأي قارئ أو كاتب، فهو أشرف آلات الكتابة وأعلاها رتبة، أقسم الله تعالى به في (سورة القلم/1): "ن، والقلم وما يسطرون". ومن ثم، فهو أرقى الوسائل وأقربها للقراءة والكتابة والتعلم، والتبصر في حقيقة الكون والتدبر في كنه الحياة والممات. فقيل عنه: "الأقلام مطايا الفطن ورسل الكرم، وعقول الرجال تحت أسنة أقلامها". لقد فُتِنَ الأقدمون بالحديث عن القلم وسيلة البيان وسهم الكتاب، به ينفذون إلى التعبير عن خوالجهم والإفصاح عن مكنوناتهم، ينفثون به سحرًا ويزهون به حليًا في حياتهم وبعد مماتهم. تحدث عنه الأعشى في صبحه فقال: "القلم آلة يخف محملها وتثقل قيمتها، ويعظم نفعها ويجلّ خطرها، يجعل للكتب ألسنًا ناطقة، وأعينيًا ملاحظة". وجاء في التذكرة الحمدونية (1/264): "عقل الكاتب في قلمه". وقال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا العلم بالكتابة". ويقول الجاحظ في البيان والتبيين (1/79): "القلم أحد اللسانين، كما قالوا: القلم أبقى أثرًا، واللسان أكثر هذرًا". أما فضل الكتابة فأوضحه الجاحظ في كتابه الحيوان (1/47)، يقول: "ولولا الكتب المدونة، والأخبار المخلدة، والحكم المخطوطة، التي تحصِّن الحساب، وغير الحساب، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو تم ذلك لحرمنا أكثر النفع". وقال عبد الحميد الكاتب: "القلم شجرة ثمرها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة، وفيه ريُّ العقول الكامنة". وقيل: "ما أعجب شأن القلم! يشرب ظلمةً ويلفظ نورًا، قد يكون قلم الكاتب أمضى من شبا المحارب". وقال الشاعر الأندلسي أبو الفتح البستي في فضل القلم (صبح الأعشى 2/445): إذا افتخر الأبطال يومًا بسيفهم ** وعدّوه مما يكسب المجد والكرمْ كفى قلم الكتاب عزًا ورفعةً ** مدى الدهر أن الله أقسم بالقلمْ أما الأصفهاني فيقول في خريدة القصر (1/42): للسانه حجج يردّ بها ** جزمًا قضايا الألسن اللُّد ظمآن يُروي كل ذي ظمإ ** فاعجب لذي ورد بلا ورد ملك كتيبته كتابته ** فردٌ بجيش النصر في جند وقال المتنبي في وصف القلم (2/353): يمُجُّ ظلامًا في نهار لسانه ** ويُفهم عمَّن قال ما ليس يسمع أما أبو تمام فيقول في مدح امتلاك عبد الملك بن مروان آلة القلم (3/122): لك القلم الأعلى الذي بشباته ** تُصاب من الأمر الكُلى والمفاصل له الخلواتُ اللاء لولا نَجِيُّها ** لما احتفلتْ للملك تلك المحافل له رِيقةٌ طلٌّ ولكنَّ وقعَها ** بآثاره في الشرق والغرب وابل وقد أحسن من وصفه بقوله: "القلم بيانك، وهو طوع بنانك، مدادك ماؤه، وكفك حذاؤه". وللشعراء آراؤهم وأقوالهم في وصف القلم والتذكير بأهميته، فهو كما يصفه أحد الشعراء: متحذلق يقظ فإن أرسلته ** أجرى لعاب رحيقه من صدره بتّار أعناق الأنام بلفظه ** سلاّب أفئدة الملوك بسحره وجاء في الأثر: "القلم أفصح من اللسان، وأحفظ من الإنسان، يسمعك وليس له أذنان، إن نمت نام، وإن قمت قام، وإن جوّعته صام، وإن أهملته هام". ثانياً: القراءة ووسيلتها الكتابة والتدوين. نصح يحيى بن خالد ولده في مقدمة ديوان الصبابة لابن أبي حجلة قال (ص8): "اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وحدثوا بأحسن ما تحفظون، وخذوا من كل شيء طرفًا، فإنه من جهل شيئًا عاداه". وقد عُني الجاحظ كثيرًا بالكتاب والقراءة والتدوين، فالكتاب كما يقول في الحيوان (1/50): "والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملّك، والمستميح الذي لا يستريثك، والجار الذي لا يستبطيك، إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بنانك، وفخّم ألفاظك، ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر". هكذا يمنحك الكتاب متعة القراءة، فله سحره وتأثيره، تتلألأ كلماته في الذاكرة وتومض في الوجدان، فعلى المرء أن يعتصر حباته الواحدة بعد الأخرى ليستجلي نداوته واستعصاءه، بعد أن طرّز برودها وقماشها، لا تزيده الأيام إلا بهاءً ومضاءً. فكيف لا نعود إلى رقائقه ودقائقه؟ ونفيد من حقائقه وبواطنه؟ ونستمتع بمكنون جواهره وأعلاقه؟ لقد نبه الله تعالى إلى ما للقراءة من مفعول في الإيمان بالله واتباع هدى نبيه في قوله تعالى في أول آية نزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم "اقرأ باسم ربك الذي خلق" (العلق/1)، ويُلحُّ الله تعالى على التمسك بواحدة من وسائل القراءة والتدرج فيها في قوله "اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم" (العلق/2-3). هكذا، فإننا نعود إلى الكتاب لننتقي درره ونختار غرره، ونطرز بها ما قد يسعف القلم بكتابته تمثيلاً وتطعيمًا. فالكتاب خير مؤدب وأفضل معلم، يبحر بك إلى عالم تشرق آفاقه، وتضيء جنباته. يقول ابن ليون التجيبي: "إن تأديب النفوس أولى ما بدر إليه العقلاء وأخذ به النبلاء والفضلاء، فإن الآداب حلية الإنسان ولبسة الجمال والإحسان". وفي هذا الباب يقول أحدهم عن استفادته من الكتاب: "عليّ أن أجمع شتاته، وأسائل فتاته، وأكشف حقائقه، وأستوفي رقائقه، بعيون لاقطة، ومشاعر واعية، أفكك مكوناته، وأضبط دلالاته، أجزّئ خصوصياته وألملم جزئياته". ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لكل شيء زينة في الورى ** وزينة المرء تمام الأدبْ قد يشرُفُ المرء بآدابه ** فينا، وإن كان وضيع النسبْ ثالثًا: أما طلب العلم والتزود به مدى الحياة، فهو النبراس الذي يجلو الظلمات، ويرفع الدرجات. يقول تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" (المجادلة/11)، وفي قوله تعالى إلحاح على طلب العلم: "وقل رب زدني علمًا" (طه/114). وجاء في الحديث النبوي الشريف: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، و"اطلبوا العلم ولو في الصين". وتعددت أقوال الحكماء والعلماء في تبيان ما للعلم من فضائل وما لطالبه من حظوة، منها: "العلم زين، فكن للعلم مكتسبًا، وكن له طالبًا ما عشت مقتبسًا". أما الشاعر أحمد شوقي فيقول: العلم يرفع بيتًا لا عماد له ** والجهل يهدم بيت العز والشرف ويقول الإمام الشافعي: "العلم بطيء اللزام، بعيد المرام، لا يدرك بالسهام، ولا يرى في المنام، ولا يورث عن الآباء والأعمام، إنما هو شجرة لا تصلح إلا بالغرس، ولا تغرس إلا في النفس، ولا يحصل إلا بالدرس". وقيل: "لا تكون عالمًا حتى تكون متعلمًا، ولا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملًا". وفي نفس الموضوع: "أول بركة العلم الإفادة، ولا ينتفع بالعلم ما دام مكنونًا لا ينشر، ولا يستفاد منه". ويقول غوستاف لوبون: "يُستدل على عقل المرء وخلقه بعلمه وعمله". ويقول الإمام الشافعي: تعلم فليس المرء يولد عالمًا ** وليس أخو علم كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده ** صغير إذا التفت عليه الجحافل وإن صغير القوم إن كان عالمًا ** كبير إذا ردّت إليه المحافل وقيل: "العلم قفل مفتاحه المسألة". وقيل: "مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء"، و"خير العلم ما حوصر به". كثرت الأقوال في موضوع العلم، منها: "العلم زينٌ في الرخاء، ومنجاة في الشدة، ومن تعلم ازداد، كما أن من حلم ساد". وقال النبي داود لابنه سليمان: "اجعل العلم مالك والأدب حليتك". وسئل أبو عمرو بن العلاء: "هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ فأجاب: إن كان يحسن به أن يعيش، فإنه يحسن به أن يتعلم". ومن ثم فالعلم أنفس بضاعة، وطلبه أفضل تجارة كما جاء في الأثر. وروي عن الإمام مالك أنه قال: "نصف العلم السؤال". وجاء في الدعاء: "اللهم أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وجملني بالعافية، وكرمّني بالتقوى". وقيل: "ملاك أمورك الدين، وزينتك العلم، وحصون أعراضك الأدب، وعزك الحلم، وصلتك الوفاء" (التذكرة الحمدونية 1/105). وجاء فيها أيضًا (1/37): "قال ابن عباس: خُيّر سليمان بن داود بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطي المال، والملك معه". كثيرة هي الأقوال والحكم التي تلح على طلب العلم وعلى الارتشاف من ينابيعه والتزود بأخبار أعلامه، ففيها العبرة والنصح بوجوب التمسك بأهدابه في كل وقت وحين. فطلب العلم غير مقيد بزمان ولا مكان، ينشده المرء أينما وجده، ويغرف من بحاره ما يستطيع إلى ذلك سبيلاً، فبالعلم يرقى العقل وينضج الفكر وتسمو النفس، ولا شيء يعدل العلم مكانة في كل زمان ومكان. رابعًا: الخُلُق. للأخلاق في سلوك الأفراد دور في ترسيخ القيم والمبادئ الخلقية الرفيعة. فقد نعت القرآن الكريم النبي عليه السلام بقوله: "وإنك لعلى خلق كريم" (القلم/4)، مؤكدًا ما تميز به طوال حياته من صفات خلقية نبيلة، فهو الأمين، الصادق، الحليم. وكانت عائشة رضي الله عنها تصف خلقه بقولها: "كان خلقه القرآن". إنه الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة لكل سلوك بشري ولكل مسلم يتغيّا التمسك بأخلاق القرآن. وقال عليه السلام: "عليكم بمكارم الأخلاق، فإن الله عز وجل يعتني بها". وفي حديث آخر قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ولعل أجمل ما يتحلى به المرء في حياته من خصال سامية وأخلاق عالية ما نبه إليه الحكماء في القديم وما ألح عليه القرآن الكريم في محكم التنزيل وفصل القول فيه الرسول الكريم، خلق الحلم باعتباره أسمى الصفات. فقد قال لقمان الحكيم لابنه: "لا يعرف الحليم إلا عند الغضب". وربط الله تعالى بين كظم الغيظ والحلم فقال: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس" (آل عمران/134). فالحلم كظم الغيظ وملك النفس. وكما قال الرسول عليه السلام: "الحلم سيد الأخلاق". ويروى أن الرسول قال لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". وقيل: "ليس الحليم من ظلم فحلم، حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم، ثم قدر فعفا". وقال الشافعي: إذا سبّني نذل تزايدت رفعةً ** وما العيب إلا أن أكون مساببه وقال آخر: ليست الأحلام في حين الرضا ** إنما الأحلام في حين الغضب وقال كعب بن زهير: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ** أصبت حليمًا أو أصابك جاهل وقال آخر: ولربما ضحك الحليم من الأذى ** وفؤاده من حره يتأود ولربما شكل الحليم لسانه ** حذر الجواب وإنه لمفوه ولما للذة الحلم والعفو عند المقدرة من لذاذات، فقد كان الخليفة المأمون العباسي يقول: "لذة العفو لا تعدلها لذة، ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب". وكثرت الأقوال والحكم المتعلقة بالحلم ودعوة الناس إلى التغاضي عن سفاهة السفهاء وتجاهلها. وفي ذلك يقول الشاعر: يخاطبني السفيه بكل قبح ** فأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة فأزيد حلما ** كعود زاده الإحراق طيبا ويقول آخر: إذا نطق السفيه فلا تجبه ** فخير من إجابته السكوت فإن كلمته فرجت عنه ** وإن خليته كمدًا يموت ويقول آخر: قل ما بدا لك من زور ومن كذب ** حلمي أصم وأذني غير صماء ومن الخصال الخلقية السامية التي يجب أن يتحلى بها المرء مهما بلغ شأوه من عز ومجد أو ثروة وجاه، التواضع. فهو قيمة خلقية رفيعة، وصفة حميدة، تدعو إلى المحبة والمودة. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: "ولا تمش في الأرض مرحًا، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً" (الإسراء/37). وفي آية أخرى يقول تعالى في سورة لقمان/18: "ولا تصعّر خدك للناس، ولا تمش في الأرض مرحًا، إن الله لا يحب كل مختال فخور". وقال لقمان عليه السلام: "لكل شيء مطية، ومطية العلم التواضع". وقال لابنه: "يا بني، تواضع للحق تكن أعقل الناس". وروي عن الرسول عليه السلام أنه قال: "من تواضع لله درجة رفعه الله درجة حتى يبلغ أعلى عليين، ومن تكبر على الله درجة وضعه الله درجة حتى يبلغ أسفل سافلين". وقيل: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر". وقال أبو بكر الصديق: "وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع". وقد نسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله: ليس التطاول رافعًا من جاهل ** وكذا التواضع لا يضر بعاقل وقال آخر: ولا تمش في الأرض إلا تواضعًا ** فكم تحتها قوم هم منك أرفع هكذا يتضح أن التواضع أحد مصائد الشرف كما جاء في الأثر، وكل نعمة محسود عليها، إلا التواضع. لقد تحدث الشعراء عن هذه الخصلة كثيرًا في أشعارهم، وتركوا ما حبروه حكمة على الناس أن يعملوا بها، فالتجارب محك الرجال. يقول الشاعر: تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة ** فإن رفيع القوم من يتواضع وقال الإمام الشافعي: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره ** وأكبر الناس فضلاً من لا يرى فضله سئل عبد الملك بن مروان: أي الرجال أفضل؟ قال: "من تواضع عن قدرة، وزهد عن رغبة، وترك النصرة عن قوة". وقيل: تاج المرء التواضع، وهو سلم الشرف. وقال حكيم: "إذا سئل الشريف تواضع، وإذا سئل الوضيع تكبر". ومن ثم فثمرة التواضع المحبة والمودة. وروي في الحكمة: "خير الناس عند الله من كان متواضعًا". وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: "التواضع أن تخضع للحق، وتنقاد له، وتقبله ممن قاله". وقال طاغور الحكيم الهندي: "تدنو من العظمة بقدر ما تدنو من التواضع". وقال الإمام الشافعي: "ما جادلت أحدًا إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه دوني". ولعل التواضع نقيض الكبر والتكبر. وفي ذلك قيل: "الكبر على المتكبر صدقة، لأن المتكبر إذا تواضعت له تمادى في تيهه، وإذا تكبرت عليه تنبه إلى نفسه". ويأتي العدل كقيمة خلقية رفيعة ترقى بالأمم درجات وتبعدها عن الظلم مسافات. "فالعدل أساس الملك" كما قيل منذ القديم، باعتباره إنصافًا وإعطاء المرء ما له وأخذ ما عليه، وهو بذلك ضد الظلم. يقول تعالى: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" (النساء/58). والعدل اسم من أسماء الله الحسنى. وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا بينكم، فلا تظالموا". وقيل في الأثر: "عمل الإمام العادل في رعيته يومًا أفضل من عبادة العابد مائة سنة". لذا فالرجوع إلى الحق أفضل من التمادي في الباطل. ولم يفت الشعر العربي التذكير بقيمة العدل كقيمة خلقية، فقال الشاعر علي بن الجهم: هي النفس ما حملتها تتحمل ** وللدهر أيام تجور وتعدل وقال الشاعر ابن حيوس: من عفّ عن ظلم العباد تورعًا ** جاءته ألطاف الإله تبرعًا وقد أشارت آيات كثيرة إلى وجوب تحلّي المسلم بالعدل في صيغ مختلفة. يقول تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (النحل/90). ويقول في آية أخرى: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" (الأنعام/152). أما الرسول عليه السلام فقال: "العدل أحلى من الشهد، وألين من الزبد، وأطيب ريحًا من المسك". إن التجمل بهذه القيمة الخلقية يرفع المرء إلى مصاف الرجال الأخيار ممن هداهم الله إلى التشبث بالقيم الخلقية الرفيعة وإلى التمسك بالأوامر الشرعية لبناء مجتمع إسلامي رائد، دعائمه أوامر إلهية تدعو إلى المعروف وتنهى عن المنكر عبر العصور والأزمان.