بعض الكوارث الطبيعية ورغم ما تحمله من معاناة إنسانية فإنها تقيم العدالة فوق الأرض...ما حدث في الدار البيضاء بداية الأسبوع كشف أن الفوارق الاجتماعية لا تصمد أمام الطبيعة ، لكن من الإجحاف أن نحمل الطبيعة وحدها كل ما جرى رغم أن الأمطار التي سقطت دون توقف تعادل نصف كمية الأمطار التي تهطل على البيضاء خلال سنة ..العجز الذي سجله المواطنون يتعلق بغياب ثقافة الطوارئ في تدبير الشأن العام سواء بالنسبة للسلطات المحلية أو بالنسبة للهيئات المنتخبة وأيضا بالنسبة للمجتمع المدني ، حيث غابت ثقافة التطوع وانحسر العمل التطوعي الذي لم يحظى لمدة سنوات طويلة بأي دعم سواء مادي أو معنوي ، في حين أن العديد من البلدان المتقدمة والتي تملك كل الوسائل للتدخل في ظروف الكوارث ، تعمل في مدارسها وجامعاتها ووحداتها الصناعية على غرس ثقافة التطوع في المجتمع ، فحين تعجز الدولة يكون المجتمع على استعداد للتدخل ..هذا لا يمنعنا من تحية كل أولئك المغاربة البسطاء اللذين يغامرون بحياتهم في كل حادث من أجل إنقاذ الضحايا وفي كثير من الأحيان يتحولون هم أنفسهم إلى ضحايا ، فعمليات الإنقاذ تحتاج إلى معرفة دقيقة وتكوين يوفر السلامة للمتطوعين ، ولعل الكوارث التي تتوالى على المغرب خلال السنوات الأخيرة توضح كم هي حاجتنا إلى إعادة الاعتبار للعمل التطوعي وتشكيل مجموعات من الاحتياطيين جاهزين للتدخل عندما يتطلب الأمر ذلك. لكن هل كل ما وقع في الدارالبيضاء هو مجرد غضب للطبيعة مما لا نقدر على رده ؟ الوقائع تقول أن البنية التحتية لعدد من المدن لا تخضع للمعايير التي يمكن أن توفر من خلالها السلامة الكافية للمواطنيين ، وشاهدنا في الرباط كيف خلفت الأمطار حفرة لا تقدر على صنعها سوى طائرات الشبح الأمريكية إذ كيف يمكن لطريق عمومي داخل المدار الحضري أن ينهار بتلك الكيفية ؟ وهو ما جعل البعض يتساءل، هل المقاولة التي أنجزت الطريق، أنجزتها فوق « التِبن « حتى تنهار بتلك الكيفية ؟ وإذا كانت الأرض هشة إلى تلك الدرجة ، فما هو دور مكاتب الدراسات التي تحولت في المغرب المعاصر إلى موضة « لِسَفِ « ، حيث تصرف أموال طائلة على دراسات سرعان ما توضع في الرفوف ليتم تقديم طلب عروض جديدة لدراسات أخرى ، ما جعل المبالغ التي صرفت على الدراسات أضعاف مضاعفة للتكلفة الحقيقية للمشاريع هذا دون التساؤل عن الكفاءة الحقيقية لهذه المكاتب التي يغلب عليها طابع الزبونية وغياب الشفافية ...ما وقع في الدار البيضاء وما وقع في الغرب وتونفيت في سنوات سابقة ليس كله يحسب على الطبيعة بل وراء ذلك مسؤوليات بشرية يجب تحديدها بدقة ومسائلتها بجدية ، فالدارالبيضاء ليست فقط مدينة سكنية ، بل هي القلب النابض للاقتصاد الوطني سواء في الصناعة أو التجارة أو الخدمات ، وتوقف هذا القلب سيصيب الوطن ككل في مقتل مما سيؤثر على تنافسيتنا وقدرتنا على مواجهة التحديات ..ما وقع في الدار البيضاء يثير أسئلة جدية حول مستقبل الجهوية عندما نركز كل مؤهلاتنا الاقتصادية في منطقة واحدة ، إذا غرقت غرق الوطن كله... [email protected]