بالرغم من حملات التحسيس والرسائل التي تبث في أكبر الملاعب عبر القارة العجوز الهادفة الى مكافحة العنصرية، ما تزال هذه الظاهرة ترخي بظلالها على كرة القدم الأوروبية. هتافات تمييزية، وعبارات تحث على كراهية الأجانب، وإشارات مهينة، أو هجمات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كلها حوادث تؤكد أن المعركة لم تحسم بعد. وفي هذا الاطار، يواصل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم التأكيد على التزامه من خلال حملة "لا للعنصرية"، كما تتعهد الدوريات المحلية بالحزم وفرض عقوبات صارمة، غير أن الوقائع الأخيرة تظهر أن بعض السلوكيات المنفردة لا تساير تطور الترسانة القانونية. قضايا توقد فتيل الغضب من أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام واسع النطاق، حالة البرازيلي فينيسيوس جونيور، جناح ريال مدريد، الذي أفاد بتعرضه لعبارة عنصرية خلال مباراة لفريقه أمام بنفيكا في لشبونة ضمن دوري أبطال أوروبا،موجها أصبع الاتهام للاعب الفريق البرتغالي جيانلوكا بريستياني. وبحسب تقارير عديدة، فإن ملابسات الواقعة تتعلق بنعت جيانلوكا بريستياني لفينيسيوس بلفظ مهين يحمل في طياته طابعا عنصريا. وبينما يعود ترتيب الجزاءات وتحديد المسؤوليات التأديبية إلى الجهات المعنية، فقد أعادت القضية النقاش حول العنصرية بين اللاعبين أنفسهم، وهي ظاهرة أقل حدوثا مقارنة بنظيرتها في المدرجات، لكنها لا تقل خطورة. وفي هذا السياق، فتحت "يويفا" مسطرة تحقيق في الاتهامات، وبادرت إلى اتخاذ إجراء احترازي بإيقاف بريستياني مؤقتا لمباراة واحدة، في انتظار ما ستفضي إليه نتائج التحقيق. وخلال الجولة ال18 من الدوري الإسباني لكرة القدم، أعادت حادثة أخرى ملف التمييز إلى الواجهة، حيث كان المغربي عمر الهلالي (22 عاما)، الظهير الأيمن لإسبانيول برشلونة، ضحية عبارة "كراهية الأجانب" تحمل في طياتها أيضا إساءة عنصرية من طرف مهاجم فريق إلتشي رافا مير خلال مباراة جمعت الفريقين. ودفعت الواقعة إلى تفاعل رسمي من لدن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إذ أعلنت تضامنها مع لاعبها الدولي، كما أدانت كل أشكال العنصرية أو التمييز داخل الملاعب وخارجها. ويعكس هذا الدعم المؤسساتي الدور الذي تضطلع به الاتحادات الوطنية في الدفاع عن لاعبيها المحترفين خارج بلدانهم. كرة القدم والمسؤولية الجماعية تظل كرة القدم مرآة لواقع المجتمعات الأوروبية، إذ قد تجد التوترات المتعلقة بالهوية والتجاذبات السياسية ونقاشات الهجرة صدى لها في المدرجات وعلى أرضية الميدان. وبالرغم من ذلك، تبقى الرياضة أداة للالتئام حول قيم مشتركة. غير أن المواقف الرمزية التي يعبر عنها اللاعبون بالجثو على ركبة واحدة، أو الرسائل الموجهة قبل انطلاق المباريات تعكس إرادة للمقاومة، لكنها لا تكفي ما لم تترجم إلى إجراءات ملموسة، من قبيل تكوين الحكام، وتعزيز بروتوكولات إيقاف المباريات، وتسريع وتيرة مساطر البحث، وضمان الشفافية. تحد لمصداقية كرة القدم الأوروبية إن الواقعتين التي طالت فينيسيوس جونيور وعمر الهلالي تذكر بأن العنصرية، سواء صدرت من المدرجات أو من داخل الملعب، تمس بنزاهة اللعبة، كما تقوض مصداقيتها الأخلاقية للمنافسات، وتثير التساؤل حول قدرة المؤسسات على حماية الفاعلين فيها. فإلى جانب النتائج والألقاب، تخوض كرة القدم الأوروبية مباراة أكثر حساسية، مباراة الاحترام وصون الكرامة الإنسانية. وما دامت الإساءات العنصرية أو عبارات كراهية الأجانب تطفو بين الفينة والأخرى، سيظل هذا التحدي قائما، لأن الانتصار الأكبر لا يقاس بالأهداف، بل بترسيخ القيم الانسانية العالمية المشتركة التي تجسدها الرياضة.