بنشعبون: 2020 آخر فرصة لتصريح المغاربة بأموالهم في الخارج    نقطة نظام.. حنث وحيد    تسريبات تكشف عن الفائز بالكرة الذهبية 2019    الشرطة تكتشف كوخا تحت أرضي لصنع "ماحيا"    فرانس فوتبول تعلن عن قائمة المرشحين للكرة الذهبية    مظاهرات لبنان.. الحريري يقر إصلاحات اقتصادية لاحتواء الأزمة    خيارات الأكراد في سوريا    حرب الشرق الأوسط الباردة الجديدة بين السعودية وإيران.. إلى أين؟    جلالة الملك يدعو إلى خلق فضاء آمن للاستثمار بكل أبعاده    الحقيقة في الصحافة ليست واحدة    الحساني تضع ترشيحها لخلافة العماري في جهة الشمال.. كودار: انتصار لتيار “المستقبل”    ثلاثي برشلونة "المرعب" يبدأ تهديد فرق إسبانيا    عموتا يتسبب في اقالة مدرب الجزائر    نجم المولودية يغيب أمام الوداد    مالية 2020 .. تخصيص 91 مليار درهم لقطاعات التعليم    الحسن عبيابة: تم تسليم حوالي 50 بطاقة مهنية لفنانين مغاربة    الحريات الفردية بين إفراط المجيزين وتفريط المكفرين    حوار حول الحرية    لاعبو كرة القدم أكثر عرضة للوفاة بهذه الأمراض التي تصيب الرأس والأعصاب    مانشسر سيتي ليس حاسما بما فيه الكفاية للفوز باللقب القاري    ارتفاع التبادل التجاري بين تركيا والمغرب بنسبة 30.6 %    إلقاء مواد حارقة على مسجد في مدينة دورتموند الألمانية    إجهاض محاولة تهريب 595 كيلوغرام من مخدر الشيرا بمارتيل    الحكومة ستواصل دعم أسعار «البوطا» والسكر والقمح سنة 2020    بعد إقرار سعداني بمغربية الصحراء.. هذا أول رد رسمي جزائري    "سبورت" | حاريث عرض موهبته على الإدارة التقنية لبرشلونة.. وهو لاعب "مختلف" يستحق الاهتمام    الجزائر تتبرأ من تصريحات سعداني وتُجدد الدعم لجبهة البوليساريو    بسبب الحجاب.. المرابط ترد على منتقديها: « اتركوا للنساء الحرية «    أخنوش يدافع عن التكنوقراط ويقول: لا فرق بينهم وبين السياسيين    الخُضر يحققون مكاسب تاريخية في انتخابات سويسرا    بالفيديو.. طرامواي يدهس شابا بالبيضاء وشاهد يروي تفاصيل الواقعة    السلفي الفيزازي يوزع الاتهامات يميناً وشمالاً.. بعد أن هاجم بلافريج وصف الصحافية الريسوني ب”المدافعة عن قوم لوط والزنا”    أرباح اتصالات المغرب ترتفع إلى 4.6 مليار درهم نهاية شتنبر    طقس يوم غد الثلاثاء.. أجواء غائمة وأمطار رعدية قوية    أساتذة يُحملون العميد مسؤولية الأزمة بكلية الآداب بالرباط ويطالبون بتدخل نقابة التعليم العالي    مارتيل: إجهاض محاولة تهريب 595 كيلوغرام من مخدر الشيرا    النجم المصري هاني رمزي من المغرب: الكوميديا السياسية ذات وقع أقوى على المواطن    المندوبية السامية للتخطيط: مؤشر ثقة الأسر تابع منحاه التنازلي الذي بدأه منذ أكثر من سنة    عبد النباوي: القضاء مطالب بجعل المستثمرين مطمئنين على استثماراتهم    لتهدئة الأوضاع.. لبنان تتجه لتخفيض رواتب الوزراء والنواب بنسبة 50%    مقفعيات ..الكل كان ينتظر الريسوني ليكشف عن سرته    دراسة: دهون السمنة تتراكم في الرئة وتسبب الربو    أصبح معتادا على ذلك.. لمجرد يبلغ أرقاما قياسية بعد سويعات من إصدار كليب “سلام”    الجواهري: المغرب قادر على الانتقال إلى المرحلة الثانية من إصلاح نظام سعر الصرف    مصرع ثلاثة نسوة وإصابة 12آخرين بعد سقوط سيارتهم في منحدر    النقابات التعليمية الخمس تعلن دعمها ومساندتها لإضراب المتعاقدين    وزارة الصحة تتعهد بتوفير الدواء المضاد للنزيف عند الحوامل انطلاقا من يومه الإثنين    تسليم جائزة المغرب للكتاب برسم دورة 2019 بالرباط    الواقع والخيال.. الصحافة والسياسة    الإعلان عن الفائزين بجوائز الدورة السادسة للمسابقة الدولية للأفلام القصيرة «أنا مغربي(ة)» بالدار البيضاء..    رشيد بوجدرة: الإبداع خطاب مرتبط بالواقع ومستمد من الجرح والمعاناة    قصيدة أنا والمرأة    بالصور.. الأغنام تغزو مدريد    دراسة: التمارين الرياضية قد تقلل خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى المدخنين    خبيرة تغذية ألمانية تحذر من خطر الأغذية الجاهزة على القلب    أحمد الريسوني يكتب.. أنا مع الحريات الفردية مقال رأي    الريسوني يكتب.. أنا مع الحريات الفردية    "مترشح" لرئاسة الجزائر: سأضيف ركنا سادسا للإسلام!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ألبير كامو و جان بول سارتر : علاقة مضطربة
نشر في العلم يوم 13 - 09 - 2013

يعتبر جان بول سارتر و ألبير كامو وجهين من الوجوه البارزة في الحياة الفكرية الفرنسية في القرن العشرين .و يعد سارتر و كامو روائيين موهوبين (رواية الغريب لكامو و الغثيان لسارتر)، كما يعتبران أيضا من رواد كتاب المسرح (كاليغولا لكامو، و الجلسة السرية ? الذباب لسارتر). لقد عبر سارتر و كامو عن أفكارهما عبر توظيفهما لمجلات محكمة ( الكفاح لكامو و الأزمنة الحديثة لسارتر) و أخيرا، وهذا ما يفسر شدة صداقتهما و منافستهما و خلافهما، كونهما فيلسوفين و مفكرين ملتزمين و عضوين في المقاومة الفكرية، إنهما قريبان من الشيوعية ويؤمنان بالثورة.
غير أن كامو لا يدعي أنه فيلسوف بل ينعت نفسه بكل عفوية بالفنان : " لماذا أنا فنان و لست فيلسوفا؟ ذلك أني أفكر بمقتضى الكلمات و ليس بمقتضى الأفكار" ردد كامو باستمرار هذه العبارة بخصوص هذا الموضوع.
لكن رؤية كامو للعبث نابعة في الواقع من رؤية فلسفية، ذلك أن " أسطورة سيزيف" هي بحث فلسفي أكثر بكثير من مجرد رواية. لا يُعتبر كامو مُنظّرا فلسفيا، إنه رجل متحمس و انفعالي يحتاج إلى قدوة و يتحدث من خلال شخصيات أخرى في أعماله الفكرية، حتى عندما يكتب ما يشعر به في أعماق نفسه وحتى في روايته "السقوط" أيضا. و مع ذلك، نجد في رواياته الأخرى خلفية فلسفية، فكرة على شاكلة لوحة يقوم القارئ برسمها كلما تقدم في القراءة، لقد كان كامو واعيا بذلك، بطبيعة الحال، فحسب كامو إن "الرواية ليست شيئا آخر سوى فلسفة مجازية غنية بالصور".
لا يتفق جان بول سارتر مع هذه الرؤية، لهذا السبب لم ينظر أبدا إلى كامو كفيلسوف حقيقي. يجب التذكير بأن سارتر يتسم بوضع فيلسوف إذا جاز القول "وضعا رسميا". لقد تخرج سارتر من المدرسة العليا للأساتذة بحصوله على المرتبة الأولى ( في الحقيقة بالتساوي مع سيمون ذي بوفوار) في امتحان التبريز الخاص بالفلسفة ( وذلك بعدما فشل في المحاولة الأولى لأنه حاول أن يكون"مفكرا أصيلا"على حد قوله). يُعتبر سارتر واحدا من زعماء رتل الفلسفة الوجودية، إنه فينومونولوجي (ظاهراتي)، وفضلا عن هذا لقد تم الاعتراف بمواهبه كباحث على نحو شاسع في فرنسا و في الخارج خصوصا بفضل بحثه الفلسفي المصباح " الوجود و العدم".
بالطبع كان محتوما أن يصطدما فكريا و يصبحا مع ذلك أصدقاء، لا شيء كان مؤكدا. فيما وراء اختلافهما بصفتهما كاتبين، فحياتهما الشخصية و خصوصا طفولتهما الخاصة لم تتسما بنقاط مشتركة. وُلد كامو في الجزائر في عائلة متواضعة بينما انحدر سارتر من عائلة ألزاسية بروتستانتية برجوازية. على هذا المستوى، فالقاسم المشترك و الأكبر بلا شك هو أن الاثنين لم يعرفا أبويهما.
نصل إلى أحداث 1943 بباريس، يتجه كامو إلى مقر جريدة "الكفاح". عُقد في السادس عشر من يونيو سنة 1944 موعد هام عند ميشيل ليريس، يشتغل الفريق المكلف بقراءة مسرحية بابلو بيكاسو " الرغبة الممسوكة من الذيل" على إخراج المسرحية. الحاضرون ألبير كامو، سارتر، بابلو بيكاسو و سيمون ذي بوفوار. هذه هي بداية الصداقة بين الرجلين (سارتر و كامو) على الرغم من الخلاف الذي نشب بين كامو و سيمون ذي بوفوار. في الواقع، لقد أطلق كامو لنفسه العنان في أن ينتقد بطريقة ساخرة و صريحة زي طائر القندس (على هذا النحو سماه سارتر) من أجل تمثيل المسرحية. لم تنس أبدا سيمون ذي بوفوار هذا النقد، و على كل حال فسيمون ذي بوفوار رمز للحركة النسوية، إنها مؤلفة كتاب "الجنس الثاني"، الكتاب المقدس للنسوة الأحرار. ليس هناك مجال لمقارنة فكر سيمون ذي بوفوار بفكر زوجها (سارتر)، إلا أن سيمون ذي بوفوار تتمتع داخل "العائلة الفكرية" في باريس بسمعة مشرفة نسبيا.
غير أن هذا الحادث لم يفسد العلاقة بين كامو و سارتر. أدخل كامو سارتر إلى مجلة "الكفاح"، في مقابل ذلك أدمج سارتر كامو في "العائلة الفكرية" لسان ? جيرمان ذي بري و مقهى دي فلور.
هكذا أصبح للثنائي (سارتر- كامو) وزنا كبيرا في كل من الأدب و الفلسفة. على هذا النحو أصبح اتجاههم الفكري و الأخلاقي مرجعا مشهورا و معترفا به.
على الرغم من أن التنافس الذي كان من المفروض أن يوجد بين عقلين لامعين أخذ يتلاشى، إلا أن سنة 1947 عرفت نشوب أول خلاف بين سارتر و كامو. نجم هذا الخلاف من نقد موريس ميرلوبونتي (الفيلسوف الوجودي الظاهراتي) المنشور في مجلة " الأزمنة الحديثة". نقد يطعن في آراء ألبير كامو.
انطلاقا من هذا التاريخ، بدأت الخلافات السياسية تتجلى بشكل أكثر وضوحا. فالعنصر الذي أجج النقاش كان عبارة عن شهادة عن الترحيل القسري إلى معسكرات الكولا? السوفيتية. سارتر المرتبط بشكل كبير بالشيوعية، يستخدم النموذج السوفياتي (رغم أنه يعرف أنه نموذج كلياني و قاسي) لكي ينتقد الحكومة الفرنسية. لا يؤيد كامو هذا الأسلوب و يجنح إلى التنديد بالفظاعات المرتكبة في جمهورية الإتحاد السوفياتي الاشتراكي. ( ينبغي التذكير بأن التمرد هو جزء لا يتجزأ من القضايا الأساسية لفكر الكاتب، نستشهد بعبارة يرددها كامو من تلقاء نفسه " أتمرد إذن أنا موجود").
أصبح الوضع يتسم أكثر فأكثر بالخلاف و الصدام الإيديولوجي بين كامو و سارتر، فكتاب "الرجل المتمرد" الذي ظهر في نهاية سنة 1951 أثار استياء الشيوعيين. ظهرت الانتقادات الأولى مع أب السريالية أندري بريتون، لقد مست هذه الانتقادات عمل كامو فوسمته ب"شبح التمرد" كما مست الكاتب أيضا ووسمته ب"متمرد يوم الأحد". لم يقم سارتر بأي رد فعل علني، لكنه أعلم كامو أن صداقتهم أصبحت فاسدة و أنه لا يمكن أن يتبع المسار الذي اختاره. أصبح القلق و التوتر سائدا بين سارتر و كامو وأتت الضربة القاضية من فيلسوف سارتري، فرنسيس جونسون الذي نشر في مجلة "الأزمنة الحديثة" (بموافقة سارتر)، مقال يسخر فيه بدهاء، بل يسب و يشتم الكتاب (الرجل المتمرد) و مؤلفه كامو.
في أعقاب ذلك، وجه كامو رسالة إلى سارتر عنونها على الشكل التالي : رسالة إلى مدير "الأزمنة الحديثة". كانت لهجة الرسالة حادة، لم يعد الأمر يتعلق بصديق يكتب لصديق آخر، بل كاتب ساخط و مستاء يكتب إلى مدير صحيفة أهانته. بدأ كامو رسالته ب"السيد المدير"، ومن بين انتقادات كامو التي يمكن عرضها يبقى هذا الانتقاد : " لقد تعبت من التعرض للانتقاد من قبل أناس يسعون إلى النجاح بسهولة عن طريق التلاعب بالحس التاريخي (يشير كامو إلى موقف سارتر من معتقلات الكولا? القسرية).
لم يتأخر جواب سارتر، بل بدأ رسالته بالإعراب عن خيبة الأمل و الأسف التي سببها لهم هذا الخلاف.
"عزيزي كامو،
كثير من الأشياء تقربنا و القليل يفرقنا، لكن هذا القليل أصبح لا يطاق: الصداقة، هي أيضا، تنزع لتصبح كليانية".
و الحال أن سارتر قد هُوجم و اعتبر أن رد فعل كامو غير مناسب و ينطوي على الكثير من الأنا، وجه له سارتر هجوما عنيفا" من أين جاء كامو؟ بحيث لن يكون بمقدور المرء أن ينتقد واحدا من كتبه دون أن ينزع عنها آماله في الطبيعة البشرية".
بما أن القطيعة بين رجلين من هذا الحجم لا يمكن أن تمر مرور الكرام في الساحة الفكرية و السياسية و حتى الشعبية، فإن الرسالتين قد نشرتا في مجلة الأزمنة الحديثة عدد 30 يونيو 1952. يتعلق الأمر بالنسبة لكل واحد من الرجلين و ربما أكثر من ذلك بقليل لسارتر أن ينقذ ماء وجهه في نظر الفرنسيين. في غشت من العام نفسه، أصبح بإمكان القارئ أن يقرأ في الصفحة الأولى لعدة صحف "سارتر، كامو، القطيعة مؤكدة".
لم يعد لكامو و سارتر نفس الاتجاه أبدا، ماعدا موقفهما بخصوص موت أندري جيد حين كتبت مجلة "الأزمنة الحديثة" و مجلة "الكفاح" عن أندري جيد أنه كان بلا شك "الكاتب الأكثر تحررا في القرن".
بعد ذلك بخمس سنوات، تم منح جائزة نوبل للآداب لألبير كامو الذي قبلها على مضض معتبرا أن أندريه مالرو يستحقها أكثر منه. في العاشر من ديسمبر 1957، أثناء تسلمه لجائزة نوبل في السويد، قدم كامو خطابا يصور بوضوح نابع من العبقرية وضع البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية : "سيشعر كل جيل بلا شك أنه محكوم عليه بإعادة صياغة العالم. يعرف جيلي أنه لن يصوغ العالم من جديد. لكن مهمته ستكون أكبر بكثير ،ستكمن هذه المهمة في الحيلولة دون وقوع العالم في بؤرة الانهيار و التلاشي". أهدى كامو بكل تواضع هذا الخطاب الذي مازال ساري المفعول إلى يومنا هذا إلى أستاذه في الجزائر العاصمة لويس جيرمان الذي مكنه من الحصول على منحة دراسية.
بعد ثلاثة سنوات من نيل جائزة نوبل، رحل عنا كامو في الرابع من يناير 1960 في الواحدة و خمس و خمسين دقيقة بعد الزوال عندما حادت السيارة لافصيل فيكا التي كان يقودها صديقه ميشيل غاليمار، لتتحطم على شجرة و تحرم بالتالي فرنسا بل العالم من ما كان سينجزه الرجل من أعمال فكرية، هذا الرجل الذي فهم في نهاية المطاف من خلال العبث العالم أفضل من غيره من الكتاب.
في عام 1964 وجد جان بول سارتر نفسه بدوره مكرما بجائزة نوبل لكنه رفضها. سيحاول سارتر دون هوادة و حتى نهاية حياته العمل على تغيير العلاقة التي تربط المثقفين بالشعب، لكن محاولته رغم طابعها الإيجابي و المفيد لا يمكن اعتبارها محاولة ناجحة. توفي سارتر في 15 أبريل 1980 من جراء أوديما رئوية بعد معاناة لمدة خمس سنوات من تفاقم هذا المرض الذي أثر على عينيه. لا تزال كتابات سارتر تُعتبر لحد اليوم مراجع مهمة في مجال الفلسفة كما هو الشأن في الأدب.
انظر المقال في:
12 /acturevue
janvier 2010
Albert Camus et Jean-Paul Sartre : une relation tumultueuse


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.