في المغرب، كلما اعتقدنا أننا نخطو خطوة إلى الأمام في مسار البناء الديمقراطي وترسيخ الممارسة الانتخابية، سرعان ما نجد أنفسنا نعود بخطوتين إلى الوراء، يتجدد الأمل كل مرة في أن تفرز الانتخابات مؤسسات منتخبة تعبّر فعلاً عن تطلعات المغاربة، قبل أن تنطفئ شعلته سريعاً عندما نكتشف أن الوجوه نفسها، التي اعتادت الترشح منذ سنوات طويلة، تستعد من جديد لخوض الاستحقاقات المقبلة بلا حرج ولا أدنى إحساس بالمسؤولية السياسية أو الأخلاقية. إنهم ما يمكن تسميته ب"حزب الانتخابات"، ذلك الحزب غير المعلن الذي يحتكر عملياً جزءاً كبيراً من المؤسسات المنتخبة، لا يتعلق الأمر بتنظيم سياسي تقليدي ببرنامج أو مرجعية فكرية، بل بشبكة من الأشخاص الذين راكموا نفوذاً اقتصادياً واسعاً، غالباً عبر امتيازات الريع والصفقات، وانخرطوا مع مرور الوقت في منظومة من العلاقات المتشابكة التي يصعب تحديد بداياتها أو نهاياتها. ومع الزمن تحولت هذه الشبكة إلى بنية شبه مغلقة تعيق أي تغيير محتمل، وتفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي، بحيث تتحول المؤسسات المنتخبة في كثير من الأحيان إلى فضاءات صورية تشرعن تمرير قوانين مفصلة على مقاس فئة محدودة من المستفيدين من اقتصاد الامتيازات. أعضاء هذا "الحزب" يتحركون وفق اتجاهات الرياح السياسية والمصالح الآنية، لا تعنيهم كثيراً اليافطة الحزبية التي يترشحون تحتها، قد نجدهم اليوم في حزب، وغداً في حزب آخر، من دون أن يتغير شيء في طبيعة ممارستهم أو موقعهم داخل شبكة النفوذ نفسها. ينتقلون من حزب إلى آخر، من حزب الأصالة والمعاصرة إلى التجمع الوطني للأحرار، أو إلى الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية، بحسب ما تقتضيه اللحظة السياسية وما يخدم توازنات السلطة في البلاد. العنوان الحزبي يتغير، أما البنية فتبقى هي نفسها. في هذا السياق يستحضر المرء ما كتبه الصحفي والمناضل الراحل خالد الجامعي عندما وصف وزارة الداخلية في زمن الرجل القوي آنذاك إدريس البصري ب"الحزب السري". حينها رد عليه (مدافعاً عنه) زعيم حزب الاستقلال امحمد بوستة داخل البرلمان قائلاً إن الأمر لم يعد يتعلق بحزب سري بل أصبح حزباً علنياً، قد يبدو هذا السجال اليوم جزءاً من ذاكرة سياسية بعيدة، لكن المفارقة أن التاريخ يعيد نفسه أحياناً بشكل يكاد يكون كاريكاتورياً. اليوم لم يعد "حزب الانتخابات" يقتصر فقط على بعض الأعيان وأصحاب المال والنفوذ الذين يخترقون الأحزاب ويستعملونها كقنوات للوصول إلى المؤسسات، فقد انضافت إليهم في السنوات الأخيرة فئة من التقنوقراط ببدلات أنيقة وخطاب شديد الانضباط، يشتغلون على تزيين واقع سياسي مأزوم وتبرير ممارسات لا علاقة لها بالديمقراطية، هذه الفئة الجديدة تلعب دوراً أساسياً في إنتاج خطاب تبريري يقدّم الاستثناء كقاعدة، ويبرر الاختلالات باعتبارها ضرورات واقعية. وما يزيد من قوة هذا الخطاب أنه وجد في وسائل التواصل الاجتماعي مجالاً واسعاً للانتشار، هناك يتم تسويق سردية يمينية محافظة تقوم أساساً على شعارات من قبيل "الوطنية" في صيغتها الشعبوية، والاحتفاء المفرط بالفلكلور والرموز الثقافية مثل الزليج وغيره، والترويج لصورة بلد متفوق بلا تناقضات، مقابل تخوين كل صوت نقدي أو مختلف، إنها سردية تبسيطية تختزل السياسة في استعراضات رمزية، بينما تتجنب الخوض في الأسئلة الاجتماعية الحقيقية المتعلقة بالعدالة وتوزيع الثروة والسلطة. المفارقة أن هذا "الحزب غير المعلن" لم يعد عبئاً فقط على المسار الديمقراطي، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى عبء حتى على الدولة نفسها، فالمغرب مقبل في السنوات المقبلة على تحولات سياسية وتنظيمية مهمة، خصوصاً في سياق النقاش الدولي حول مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، في حال سارت المفاوضات الجارية برعاية أمريكية في الاتجاه الذي نتطلع له جميعاً كمغاربة، مثل هذه التحولات تتطلب مؤسسات ذات مصداقية، ونخباً سياسية قادرة على تدبير الشأن العام بقدر من الكفاءة والشرعية. لكن في الوقت الذي تحاول فيه الدولة التطلع إلى المستقبل، يبدو أن جزءاً من الطبقة السياسية ما زال أسير منطق الحفاظ على الوضع القائم، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة، وهنا يكمن الخطر الحقيقي: عندما يتحول الدفاع عن الامتيازات إلى عائق أمام أي إصلاح ممكن. لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى قدر أكبر من الحزم في تدبير الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فالمغرب مقبل على موعد انتخابي سيكون محط متابعة داخلية وخارجية، ومن الصعب إقناع العالم بجدية أي مشروع ديمقراطي أو تدبيري إذا كانت الانتخابات نفسها محاطة بشبهات استعمال المال والنفوذ وشراء الولاءات. أحد المدخلات الأساسية لذلك هو منع كل مرشح تحوم حوله شبهات فساد أو صدرت في حقه أحكام قضائية من الترشح، لأن جزءاً مهماً من الفاعلين داخل "حزب الانتخابات" يرتبط تحديداً بهذا النوع من الممارسات، كما أن الإدارة مطالبة بأن تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن تمارس دورها في المراقبة الصارمة لتمويل الحملات الانتخابية ومصادر الأموال المستعملة فيها، بدل الاكتفاء بدور المتفرج على من يفسدون واحدة من أهم الآليات الديمقراطية. لكن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، فالقوى الديمقراطية، خصوصاً اليسارية منها، مطالبة أيضاً بمراجعة أوضاعها وبذل جهد أكبر لتوحيد صفوفها، الواقع يبين أن هذه القوى تعاني بدورها من اختلالات داخلية معروفة: بيروقراطية تنظيمية، ضعف التداول على القرار، وصراعات ذاتية تستنزف طاقتها، ومع ذلك فإن اللحظة السياسية تفرض عليها التفكير في بناء جبهة ديمقراطية واسعة، تقوم على برنامج سياسي وانتخابي واضح يقدَّم للمغاربة ويتم التعاقد حوله. قد يبدو هذا الطموح صعباً في ظل موازين القوى الحالية، لكنه يظل شرطاً ضرورياً لإعادة الاعتبار لفكرة السياسة نفسها. فبدون قوى سياسية حقيقية تحمل مشروعاً مجتمعياً واضحاً، ستبقى المؤسسات المنتخبة مجرد فضاءات شكلية، وستظل الديمقراطية مؤجلة إلى إشعار آخر.