في خطوة تثير الكثير من التساؤلات، خلت اللائحة الرسمية التي نشرتها الرئاسة الموريتانية عبر حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي للدول التي وجه إليها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ ولد الغزواني التهاني بمناسبة عيد الفطر من أي ذكر لجبهة البوليساريو أو زعيمها، على الرغم أن الأخيرة أعلنت توجيه رسالة تهنئة إلى نواكشوط بهذه المناسبة. هذا الغياب لا ينظر إليه مهتمون تحدثوا لجريدة هسبريس الإلكترونية كمجرد سهو بروتوكولي عابر؛ بل كمؤشر يحمل في طياته رسائل سياسية عديدة، خاصة ما يتعلق بتطورات ملف الصحراء المغربية التي باتت تفرض على نواكشوط الحذر وإعادة ترتيب إشاراتها وخطواتها الدبلوماسية المقبلة بما ينسجم مع التحولات في المنطقة. الشرعية الدولية قال جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، إن "تحاشي الرئاسة الموريتانية ذكر اسم جبهة البوليساريو وزعيمها إبراهيم غالي في القوائم الرسمية لرسائل التهنئة بمناسبة عيد الفطر، على الرغم من تهنئة غالي للرئيس الموريتاني، ليس صدفة بروتوكولية؛ بل إن الأمر عبارة عن مؤشر سياسي على تحول استراتيجي في تعاطي نواكشوط مع ملف الصحراء المغربية". وأضاف القسمي، في تصريح لهسبريس، أن "هذا السلوك الموريتاني الحذر في التعاطي مع كل ما يخص جبهة البوليساريو وسياسة التحجيم المتبعة يفيدان بأن نواكشوط لا تضع زعيم الجبهة في المرتبة الدبلوماسية والسياسية نفسها مع باقي رؤساء الدول؛ وهو أمر يرضي المغرب. وزاد المتحدث ذاته: "موريتانيا تقرأ جيدًا التحولات الدولية التي تصب لصالح السيادة المغربية على الصحراء؛ ومنها دعم قوى كبرى كفرنسا وأمريكا، والدعم العربي الواسع للطرح المغربي والمبادرة المغربية، وإدراك نواكشوط أيضًا بالعزلة التي باتت تعرفها أطروحة الانفصال. وبالتالي، فاستمرار مجاملة البوليساريو سيكون كمن يسير عكس التيار الدولي. لذلك، قد يكون مثل هذا السلوك من موريتانيا بدايةً أو تمهيدًا لفك الارتباط السياسي مع الجبهة". وشدد الباحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي على أن "نواكشوط تدرك جيدًا مكانة الصحراء لدى القيادة المغربية، وأنها النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم. كما أن المغرب شريك مهم لموريتانيا اقتصاديًا، وما يمثله معبر الكركرات للأسواق الموريتانية وغرب إفريقيا، بالإضافة إلى مكانة موريتانيا في المبادرات الإقليمية الكبرى؛ كالمبادرة الأطلسية لدول الساحل، ومشاريع الربط الطرقي والطاقي، حيث إن موريتانيا تتجنب أية خطوة استفزازية قد تعكر صفو هذه العلاقات القوية". وشرح القسمي بأن "موريتانيا تمارس نوعًا من الذكاء في تعاملها مع الموضوع؛ فهي من جهة لا تستطيع سحب اعترافها بشكل مفاجئ لتتجنب الدخول في أزمة مع راعي الجبهة (الجزائر)، لكنها في مقابل ذلك تعتمد سياسة تهميش ناعم؛ فعلى الرغم من قبولها أحيانًا بوجود غالي في بعض المناسبات، فإنها سرعان ما تمحو أثر ذلك من بياناتها وسجلاتها الرسمية. وقد نرى تحولًا في المستقبل القريب في الموقف الموريتاني بما يتطابق مع الشرعية الدولية وواقع السيادة المكتسب على الأرض". وعي في موريتانيا أوضح هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، أن "حذف أي إشارة إلى جبهة البوليساريو في الرسائل البروتوكولية الصادرة عن الرئاسة الموريتانية، رغم إعلان الجبهة عن مبادرة تهنئة، لا يمكن قراءته كتفصيل شكلي أو سهو دبلوماسي؛ بل يدخل ضمن ما يُعرف في هندسة التواصل السياسي ب'الاقتصاد الرمزي للخطاب الرسمي'. فالدول، خاصة في البيئات الحساسة، تختار بعناية من تُظهره في فضاء الشرعية الرمزية ومن تُبقيه في الهامش غير المعترف به". وبين معتضد أن "نواكشوط تعتمد مقاربة 'التبريد البروتوكولي' تجاه ملف الصحراء، أي خفض مستوى الإشارات العلنية دون الدخول في قطيعة مباشرة. هذا النمط يسمح لموريتانيا بالحفاظ على موقعها التقليدي كفاعل حذر يوازن بين الجوار الجغرافي والحسابات الاستراتيجية، دون أن يُستدرج إلى اصطفافات حادة. فالاعتراف، أو حتى الإشارة الرمزية في مناسبات رسمية، يُعد في العرف الدبلوماسي بمثابة تثبيت لمستوى من الشرعية؛ وهو ما يبدو أن موريتانيا تتفادى منحه في هذه المرحلة". وذكر المصرح لهسبريس أن "هذا السلوك يعكس وعيًا متزايدًا داخل دوائر القرار الموريتانية بتحول البيئة الدولية المحيطة بالملف، حيث لم يعد الحياد الكلاسيكي كافيًا؛ بل أصبح يتطلب إعادة ضبط دقيقة للأدوات الرمزية". وأبرز الباحث في الشؤون الاستراتيجية أن "التوازن لم يعد يُقاس فقط بالمواقف المعلنة؛ بل أيضًا بما يتم حذفه أو تجاهله في الخطاب الرسمي. ومن هذا المنظور، فإن تغييب البوليساريو من الرسائل الرئاسية يندرج ضمن إعادة تعريف 'الحياد النشط'، الذي يقترب تدريجيًا من منطق الواقعية السياسية". ولفت معتضد إلى أن "هذه الإشارة الموريتانية يمكن أن تُقرأ كجزء من إعادة تموضع موريتاني هادئ ضمن توازنات إقليمية آخذة في التشكل"، معتبرًا أن "ما تقوم به موريتانيا ليس تغييرًا فجائيًا في العقيدة الدبلوماسية؛ بل عملية 'إعادة معايرة دقيقة' للخطاب، حيث تُستخدم الأدوات البروتوكولية كوسيلة لإرسال إشارات منخفضة الحدة لكنها عالية الدلالة. وإذا استمر هذا النمط، فقد يشكل مؤشرًا مبكرًا على انتقال تدريجي من حياد تقليدي إلى حياد موجه، يراعي توازنات جديدة دون أن يعلن عنها صراحة".