تعيش مدينة طنجة مفارقة حضرية صارخة؛ ففي الوقت الذي تعزز فيه موقعها كقاطرة اقتصادية وصناعية للمملكة، وتتوسع بنياتها التحتية لتلائم طموحات ميتروبول دولي، فإنها في المقابل تغرق شوارعها في فوضى مرورية هيكلية أبطالها مراهقون على متن دراجات نارية. ومن ثم، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في مجرد سلوكيات فردية معزولة أو طيش شبابي عابر، وإنما هي العرض الأكثر وضوحا لأزمة أعمق في تدبير الفضاء العام، إذ تتقاطع فيها التشوهات القانونية، والاقتصاد غير المهيكل، والتردد السياسي في الحسم مع الملفات الشائكة. ولفهم جوهر هذه الإشكالية، يجب تفكيك المعطيات التقنية والمؤسساتية التي تغذيها. حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مستعملي الدراجات النارية يمثلون نسبة مقلقة جدا من إجمالي وفيات حوادث السير. وفي طنجة تحديدا، يتخذ هذا المعطى أبعادا أكثر خطورة بسبب تنامي ظاهرة محلات كراء الدراجات النارية العشوائية. ذلك أن هذه المحلات تستغل ثغرة قانونية وتقنية قاتلة؛ إذ إن معظم الدراجات المؤجرة تصنف نظريا ضمن فئة المحركات ذات سعة 49 سنتيمترا مكعبا، وهي الفئة التي لا يتطلب قيادتها رخصة سياقة متقدمة. غير أن الواقع الميكانيكي يثبت أن نسبة كبيرة من هذه الدراجات تخضع لعمليات تعديل غير قانونية لرفع سعة محركاتها إلى مستويات تفوق 110 سنتيمترات مكعبة. وهكذا، يتحول هذا التحايل إلى مصدر خطر بالغ، حين توضع هذه الدراجات بين أيدي قاصرين يفتقرون إلى أبسط أبجديات قانون السير، فيما يقودونها في شوارع مكتظة دون تغطية تأمينية حقيقية تحمي الأغيار في حالة وقوع حوادث مميتة أو التسبب في عاهات مستديمة. ولم يكن هذا الانفلات ليغيب عن الرادار المؤسساتي المتخصص. ومن هنا، يجب التوقف بموضوعية عند الدينامية الإصلاحية التي حاولت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية إرساءها. فقد قدمت الوكالة قراءة تقنية دقيقة واستشرافية لحجم المخاطر، كما باشرت، بشجاعة إدارية، تنزيل حزمة من الإجراءات التنظيمية الصارمة، استهدفت إجبارية الترقيم، وتوسيع دائرة الفحص التقني، وفرض رخص السياقة على فئات أوسع. وبذلك، كانت هذه الخطوات تمثل خارطة طريق بنيوية ضرورية لإنقاذ الشارع العام من قانون الغاب، كما كانت تعكس وعيا مؤسساتيا بخطورة ترك هذا القطاع خارج التغطية القانونية. إلا أن هذه الرؤية التقنية المتبصرة اصطدمت بحسابات السياسة والتردد الحكومي. ففي الصيف الماضي، وعلى وقع تململ اجتماعي قادته فئات واسعة، تدخل رئيس الحكومة لتعليق هذه الإجراءات. والحال أن هذا القرار السياسي، الذي صيغ تحت مبرر الحفاظ على السلم الاجتماعي ومراعاة الظروف الاقتصادية، شكل تراجعا مؤسساتيا مكلفا. فمن خلال تجميد قرارات وكالة السلامة الطرقية، اختارت السلطة التنفيذية شراء هدوء مؤقت على حساب أمن المواطنين، كما وجهت رسالة ضبابية شجعت الفاعلين في الاقتصاد غير المهيكل، ومن بينهم محلات الكراء في طنجة، على التمادي في استغلال هذا الفراغ التنظيمي المفتعل. وأمام هذا الشلل التشريعي، تجد المصالح الأمنية، وتحديدا ولاية أمن طنجة، نفسها في فوهة المدفع، مجبرة على معالجة أزمة بنيوية بأدوات زجرية بحتة. ومع ذلك، من الإنصاف الإشادة بالجهود المضنية التي تبذلها العناصر الأمنية في الميدان، عبر حملات تمشيطية يومية، وعمليات توقيف مستمرة، وحجز لمئات الدراجات المخالفة وإيداعها المحجز البلدي. فهي، بذلك، تمثل خط الدفاع الأخير لحفظ ما تبقى من هيبة القانون في الفضاء العام، بل تخوض حرب استنزاف حقيقية لتعويض الغياب الصارخ لسياسة وقائية متكاملة. لكن، مهما بلغت نجاعة التدخل الأمني وتفاني رجاله، فإنه لا يمكن أن يعوض تراجع المشرع والسلطة التنفيذية عن فرض معايير السلامة من المنبع. ولا تتوقف التداعيات السلبية لهذه الفوضى عند حدود الخسائر في الأرواح والممتلكات، بل تمتد لتضرب في العمق جودة الحياة داخل أحياء طنجة وشوارعها الرئيسية. فقد تحولت الكورنيشات والساحات العامة، التي خضعت لبرامج تأهيل حضري مكلفة، إلى فضاءات مستلبة يسيطر عليها صخب المحركات المزعج وسباقات السرعة الليلية. ومن ثم، يخلق هذا الوضع حالة من اللاأمن النفسي لدى الساكنة والزوار على حد سواء، كما يضرب في مقتل الجهود الرامية للترويج السياحي للمدينة. وواقع الأمر أن السكوت عن هذا التسيب العمراني يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ويجعل، بالتالي، المواطن العادي يشعر وكأنه الحلقة الأضعف في معادلة غير متكافئة بين تهور المراهقين وتراخي القوانين المنظمة. لذلك، فإن تحول طنجة إلى قطب حضري جذاب لا يستقيم مع استمرار التسامح مع أنماط تنقل عشوائية تهدد الأمن العام وتروع الساكنة. ومن هذا المنطلق، تتطلب المرحلة الحالية تجاوز منطق التردد السياسي، وإعادة الاعتبار لسلطة القانون عبر التفعيل الفوري والداعم للإجراءات الهيكلية التي هندستها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية. وبالموازاة مع ذلك، بات من الملح إرساء إطار قانوني صارم ينظم مهنة كراء الدراجات النارية، بما يحمل أصحابها المسؤولية المدنية والجنائية المباشرة عن أي تعديل ميكانيكي أو تأجير لقاصرين. وفي المحصلة، بدون هذه الرؤية الشمولية التي تزاوج بين الحزم القانوني، والصرامة التنظيمية، واستمرار اليقظة الأمنية، ستظل طنجة تدفع ضريبة باهظة من دماء شبابها وسلامة راجليها، كما ستبقى رهينة لقرارات سياسية فضلت تأجيل الأزمة بدلا من مواجهتها.