أخنوش: 743 جماعة تستفيد حاليا من منظومة خدمات أساسية متكاملة    كتل ضبابية مرفوقة بأمطار في توقعات اليوم الخميس بالمغرب    صيف 2026.. إطلاق خط بحري جديد يربط طنجة المتوسط بإيطاليا مروراً ببرشلونة    بايرن يقصي الريال من دوري الأبطال    أرسنال يواجه أتلتيكو في أبطال أوروبا    أخنوش: حصيلتنا الحكومية رؤية إصلاحية متكاملة في سياق دولي يتسم باللايقين    تدشين ثانوية "بول باسكون" بالعيون    مستجدات ملف انهيار عمارتين بفاس    تيزنيت : تعبئة متواصلة لإنجاح مشروع "دعم الصحة المدرسية بمؤسسات دور الطالب والطالبة بإقليم تزنيت"    لعلج يستعرض الحصيلة العامة .. ويدعم ترشح التازي لرئاسة "الباطرونا"    الأحمر ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    سيدي يحيى الغرب تحتفي بالشاعر محمد بلمو والحروفي مصطفى أجماع    تَرِّقُ موالاة ُوأنت تعارض    القيادة الملكية الرشيدة رسخت مفهوما تنمويا قائما على التوازن بين القوة الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية (رئيس الحكومة)    المغرب يعزز سيادته الطاقية.. 8 مشاريع للهيدروجين الأخضر باستثمارات تناهز 43 مليار دولار    الحسيمة تحتضن الملتقى الإقليمي للتوجيه في نسخته 17 وسط إقبال قياسي للتلاميذ    إشبيلية تُكرّم مركز الذاكرة المشتركة بجائزة إيميليو كاستلار لحقوق الإنسان    مغاربة الدانمارك يدعمون الأسر المتضررة من فيضانات القصر الكبير    يوم احتجاجي وطني للتنسيق النقابي بالغرف المهنية بحمل الشارة تعبيرا عن الإقصاء وتهميش القطاع    ارتفاع ضحايا إطلاق النار بمدرسة تركية    بنعبيد يرفض شروط ايت منا ويؤجل حسم التجديد مع الوداد        ترامب: النظام الجديد بإيران "عقلاني" ولا اتفاق معهم حاليا    مجلس الأمن والصحراء: الحرب، و الأمة والأمَمية و...الوطن!    الإعلان عن نتائج الجائزة الوطنية للقراءة بالمغرب    تصعيد خطير داخل رونو طنجة.. تجميد الحوار ومقاطعة الاجتماعات تمهيدًا لاحتجاجات مرتقبة    المغرب يعزز موقعه الجوي دوليا عبر اتفاقيات وشراكات استراتيجية على هامش "GISS 2026" بمراكش    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    النيابة العامة تسمح للطالبة "أماطو" بحضور جنازة شقيقها وتقديمها غداً أمام القضاء    هجوم رافينيا على التحكيم يضعه في مرمى عقوبات "اليويفا" حسب "موندو ديبورتيفو"    مؤسسة "الرسالة التربوية" في سلا تنبض بألوان الحياة    تونس.. حكم جديد بسجن الغنوشي و3 قياديين ب"النهضة" 20 عاما        أسعار الجملة بالدار البيضاء تسجل تبايناً ملحوظاً في الخضر والفواكه وسط ارتفاع لافت في الأفوكادو    البوحِ السياسيّ بين شح الاعترافِ وبلاغةِ المسكوت عنه    "الصحة" توفد 44 إطارا لمرافقة الحجاج    المغرب ضمن فريق البيت الأبيض لتعزيز أمن كأس العالم 2026    مجلس المنافسة يرصد اختلالات في مدونة الأسعار بسوق المحروقات    دعماً للابتكار التكنولوجي..إطلاق أضخم منظومة حوسبة ذكية وسط الصين.    واشنطن تراهن على الرباط.. المغرب يفرض نفسه شريكاً أمنياً في مونديال 2026    استعدادا لحج 2026.. وزير الصحة يحث البعثة الصحية على تعبئة الجهود وضمان رعاية طبية متكاملة للحجاج    الشرطة الأسترالية تحقق في ادعاءات اعتداء جنسي ضد كايتي بيري    انخفاض أسعار النفط في ظل توقعات باستئناف المفاوضات في الشرق الأوسط    غارتان إسرائيليتان جنوب بيروت وحزب الله يقصف شمال إسرائيل بنحو 30 صاروخا    النفط يهبط وسط توقعات استئناف محادثات أمريكا وإيران    أربيلوا: ريال مدريد لا يستسلم.. والعودة أمام بايرن ميونخ ممكنة    الصين: اطلاق أول منصة للأطباء الرقميين مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمرض باركنسون    حكام دون لياقة في البطولة المغربية    وزارة الثقافة تعلن فعاليات الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026 واحتضان المعرض الدولي للنشر والكتاب    قبل 31 غشت.. الفاعلون في القطاع السينمائي مطالبون بملاءمة وضعيتهم بعد استكمال الترسانة القانونية        دراسة تحذر من مخاطر المنظفات على الأطفال دون الخامسة    وزارة الأوقاف تطلق تطبيق "المصحف المحمدي الرقمي" بخدمات علمية وتقنية شاملة        مشروبات الطاقة تحت المجهر: دعوات عاجلة لحماية القاصرين من "إدمان مقنّع"    الإدمان على المشروبات الطاقية يهدد صحة الشباب المراهق    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جربها المغاربة لأول مرة و"صدقات"..دروس المقاطعة
نشر في الأيام 24 يوم 04 - 05 - 2018

فجأة اكتشف المغاربة سلاح المقاطعة، كشكل احتجاجي سلمي للتعبير عن ضغط اجتماعي كان أولى نتائج إلغاء دعم مواد معينة من طرف صندوق المقاصة الذي اتخذته حكومة عبد الإله ابن كيران، وجرب نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المقاطعة كأداة مدنية للتعبير عن عدم الرضا على السياسات العمومية. بدأت الدعوة عبر صفحتين على الفايسبوك، ثم اتسع مجال النشاط ليصيب بالعدوى مرتادي وسائط الاتصال الجماهيري، كان الأمر أشبه ببقعة الزيت التي تتسع رقعتها بشكل مذهل، ثم بدأت تبرز دعوات أكثر راديكالية للخروج إلى الشارع للاحتجاج، فيما دعوات أخرى تدعو إلى توسيع المواد المشمولة بالمقاطعة، وبدأت التساؤلات ترتفع من هنا وهناك، حول هوية الداعين إلى المقاطعة والمستثمرين لها سياسيا.

الورقة التالية هي محاولة لفهم ما يجري مع سياق المقاطعة التي شغلت المغاربة هذه الأيام، وانقسم المواطنون بصددها.

المقاطعة أداة للتأثير والمشاركة السياسية

يعتبر الاحتجاج عُملة السياسة، إنه أحد الأوجه الأساسية التي تمرس عليها المغاربة منذ بداية التسعينيات، وظل الاحتجاج أداة للتعبير عن عدم الرضا، وفي ذات الآن يولد إحساسا عاما لدى المواطنين المحتجين بقدرتهم على المشاركة السياسية وعلى تعبئة الرأي العام والتأثير في صناع القرار بالمملكة !

لكن المقاطعة، يقول مختص في دور الحركات الاحتجاجية، تعتبر سابقة في الألفية الثالثة، تذكر بمقاطعة المغاربة للسلع الأجنبية كشكل من أشكال المقاومة زمن الاستعمار، حيث إن المتضررين اجتماعيا استثمروا إلى أبعد مدى وسائط الاتصال الجماهيري في التعبير عن غضبهم، ووجدوا في المقاطعة كنوع من العمل السياسي غير التقليدي متنفسا، لقد انتقلنا من الحماس الثوري إلى الاحتجاج الذي ظل لفترة طويلة عملا سياسيا متطرفا وكان يبدو كتحدٍّ للشرعية الأساسية للمؤسسات الرسمية للدولة، ويواجه بعمق أقوى.. حتى وصلنا إلى المقاطعة كأسلوب راقٍ في الاحتجاج، يخلو من العنف والاحتكاك المادي ومنخفض التكلفة إلى الدرجة الصفر، إنه فعل نضالي مريح وبأقل تكلفة وبأكبر مردودية.

المغاربة يشفون من داء فقدان المناعة الاجتماعية

تبدو المقاطعة التي يجهل حتى الآن من أطلقها، ومن يتحكم في توجيهها، وما هي الغايات التي يراد لها أن تحققها، يتيمة بلا أب، لكن مادام أنها وجدت لها صدى واسعا داخل المجتمع المغربي، وخلخلت الروتين والجمود الذي شل السياسة التقليدية بالمغرب، وزكى بعد النفور واللا ثقة في المؤسسات الرسمية، فمهمة البحث عمن وراءها ليست ما يهمنا هنا، لأن الأمر أشبه بالبحث عن أب لنكتة أو مؤلف لحكاية أو إشاعة غزت المجتمع وتبناها المواطنون وقدمت إشباعا للبعض وإجابات شافية للبعض الآخر، ورأى فيها آخرون حدا أدنى لإبلاغ غضبه لصناع السياسات العمومية.

يصرح مسؤول سياسي وازن رفض الكشف عن نفسه ل "الأيام": منذ نهاية 20 فبراير عام 2011، ودخول معظم القوى السياسية في تجربة المشاركة الحكومية، وانحسار الفعل السياسي في دائرة الوصول إلى السلطة والانقطاع عن الامتدادات التنظيمية للأحزاب "الجماهيرية"، وحصر "نضالها" في الوصول إلى السلطة عبر التوافقات البعيدة عن الدعم الشعبي وتحكم موجهي الرأي العام في كل جزئية، اعتقدنا أن المجتمع المغربي فقد جميع آلياته الدفاعية، وغدا انهزاميا، مشلولا واستسلاميا، لكن المقاطعة اليوم، يضيف ذات المسؤول، أبرزت حيوية الجسد الاجتماعي وقدرته على التفاعل، ثمة مناعة ما في قلب الكيان المجتمعي المغربي، ولا يجب اعتبار اتساعها مهددا للسياسة الديمقراطية ولا للنخبة السياسية، طالما أن مطالبها انحصرت في مقاطعة ثلاثة منتوجات تجسد تمثيلا نموذجيا لما يرفضه المواطن من غلاء المعيشة واستمرار الإضرار بالعيش البسيط لأغلب المواطنين.

المقاطعة لم تخل من إبداع وطرائف

"اليوم نسيت وشربت من سيدي علي، واش دايزة لي المقاطعة ولا نعاودها؟"، "من شرب حليب سنطرال أو ماء سيدي علي فلا جمعة له"، ورضيع يدير وجهه لرضاعة الحليب ويرفض "البيبرون" قائلا: "خليه يحماض"، "اللهم أتاي بايت ولا حليب الشمايت".... هذا مجرد غيض من فيض مما أبدعه الجيل الجديد من المقاطعين، إن الاحتجاج هنا يخلو من العنف ويمتلئ بالسخرية المرة.. إبداع على مستوى الانزياحات اللغوية والصورة والكاريكاتور والفيديو، على مستوى كبير من الذكاء لذاكرة جماعية تمتح من اليوم عبر سخرية عميقة تستخدم المثل والحكي والجمالية في الصورة والتعبير.

للمتضررين من المقاطعة أسئلتهم المشروعة

انصب قرار المقاطعة على ثلاثة مواد أساسية هي ماء سيدي علي، حليب سنطرال، ومحروقات إفريقيا غاز التي تستحوذ على حوالي 60٪ من السوق المغربي، ويؤكد مسؤولون عن الشركات الثلاث أن استهداف منتوجاتهم وراءه أهداف سياسية، وأن المقاطعة الواسعة للمواد الثلاث لها انعكاسات خطيرة على الاقتصاد الوطني، فتراجع الشركات الثلاث عن الإنتاج بسبب الأضرار الناتجة عن المقاطعة، سيجعلها تكف عن تزويد السوق بموادها، وهو ما سيخلق خصاصا فظيعا يصل إلى 60 بالمائة، بالإضافة إلى أن حجم الضرر الاجتماعي بلا حدود، إنه سيؤدي إلى تشريد آلاف الأسر من مستخدمي الشركات المشمولة بقرار المقاطعة، وسينعكس هذا على تقلص العائدات الضريبية للدولة، وهو ما يعني حرمان الميزانية العمومية من عائدات مالية هامة للشركات المتضررة.

إطار في "غاز إفريقيا" تساءل كيف يمكن مقاطعة شركة تقدم المحروقات بأرخص ثمن مما هو معروض في السوق الوطنية؟ كيف تم استهداف شركة تقدم خدمات أحسن من باقي الشركات المنافسة؟ ويعلق: "إنها حملة مسعورة بخلفية سياسية، وتستغل الوضع الاجتماعي الناتج عن قرار الحكومة السابقة برفع اليد عن دعم المحروقات، وهو عمل لا يد "لإفريقيا غاز" فيه، يقول ذات المسؤول.

ذات الموقف عبر عنه ل "الأيام" قسم التواصل بشركة سيدي علي، التي أكد إطار منها أن الشركة لم تزد منذ مدة في ثمن منتوجها، والسعر الذي تعرضه ليس الأغلى في السوق الوطنية، فإذا كان قرار مقاطعة أي منتوج هو قرار حر لكل متضرر، فإن الشركة تتساءل عن السبب في استثناء شركات منافسة لا تقدم مياها معدنية بنفس جودة سيدي علي وبنفس ثمنه، أليس في الأمر إن...

المقاطعون.. السياسة مثل الهواء ولا تفزعنا

لم نجد مخاطبا نتوجه إليه بأسئلتنا للمقاطعين، الحركة التي أصبح من الصعب أن تجد من يمثلها، إذ تبدو كتيار عارم بلا رأس ولا ذيل، لكن ما يكتب وما يرسم، وما ينشر عبر الصورة والفيديو، والنكتة والكوميكس، والنقاشات المفتوحة في الواتساب والفايسبوك خاصة تؤكد أنه ليس للمقاطعين حسابات خاصة مع أي شركة ولا مع مدرائها، وأن المقاطعة تعبير عن صرخة المتضررين من الغلاء الفاحش للمعيشة.

لقد شغلت المقاطعة المغاربة، وبرغم محاولات الركوب على دفاع حيوي يتم بدون عنف وبشكل حضاري ويستهدف ارتفاع القدرة الشرائية للمسحوقين، فقد أبرز المغاربة أنهم يعيشون لحظة نقاهة بعد إصابتهم بما يشبه داء فقدان المناعة المكتسبة، بعد أن بدا أن كل الأنظمة الدفاعية للمجتمع قد تم تدميرها. إن المواطنين يبدون اليوم جد سعداء بانخراطهم في حركة مقاطعة واسعة، حيث إن مشاركتهم السياسية غير التقليدية ومن خلال وسائط الميديا كان لها التأثير المرجو في رفض واقع اقتصادي واجتماعي صبروا على أذاه طويلا، وحان الوقت ليقولوا: "باسطا"، توقفوا عن المس بقدراتنا الشرائية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.