يُعد تقرير نفقات الميزانية الجبائية لسنة 2026 مرآة دقيقة لمدى توازن السياسة الضريبية المغربية بين هدفين متناقضين ظاهريا، تعبئة الموارد المالية لفائدة الخزينة العامة من جهة، ودعم النشاط الاقتصادي والاجتماعي عبر الامتيازات الجبائية من جهة أخرى. فمن خلاله، يمكن رصد طبيعة الخيارات التي تتبناها الدولة في توزيع الأعباء والإعفاءات، وكيف تؤثر هذه السياسة على العدالة الضريبية ومردودية النظام الجبائي ككل. من الوهلة الأولى، يبرز التقرير استمرار الاعتماد المكثف على النفقات الجبائية كأداة للتدخل العمومي، إذ بلغت قيمتها الإجمالية سنة 2024 نحو 73 مليار درهم، أي ما يعادل 14 في المائة من مجموع المداخيل الجبائية للدولة، وهو رقم يعكس حجم الموارد التي تتنازل عنها الخزينة سنويا لفائدة قطاعات أو فئات اقتصادية بعينها، في إطار ما يُفترض أنه دعم للتنمية والاستثمار والتشغيل، غير أن هذا الدعم لا ينعكس دائما في شكل نتائج ملموسة، بل يتحول في حالات كثيرة إلى عبء مالي خفي يكرس الفوارق بين القطاعات ويضعف العدالة الجبائية.
فعلى المستوى البنيوي، تكشف معطيات التقرير أن أكثر من 50 في المائة من النفقات الجبائية تتركز في خمسة قطاعات فقط: الفلاحة، العقار والصناعة والنقل والطاقة، حيث يستفيد من الجزء الأكبر منها الفاعلون الكبار أو المؤسسات المنظمة، بينما تظل المقاولات الصغرى والمتوسطة، والقطاع غير المهيكل، والفئات الهشة في موقع المستفيد الهامشي.
وبذلك، يبدو أن الامتيازات الجبائية في المغرب لا تشتغل بعد بوصفها أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، بقدر ما تميل إلى دعم الدينامية الاقتصادية للمجموعات القوية التي تملك القدرة على الاستثمار والضغط في آن واحد.
ويلاحظ التقرير كذلك أن أكثر من 60 في المائة من هذه الامتيازات تُمنح في شكل إعفاءات من الضريبة على القيمة المضافة، وهو ما يعني أن الدولة تتنازل عن جزء كبير من مواردها الضريبية في حلقات الإنتاج والاستهلاك.
كما أن غياب آليات دقيقة لتتبع أثر هذه الإعفاءات يجعل من الصعب التأكد مما إذا كانت تُترجم فعليا إلى انخفاض في الأسعار أو إلى تحفيز حقيقي للاستثمار، فالكثير من الدراسات السابقة للمجلس الأعلى للحسابات تؤكد أن جزءا مهما من هذه الامتيازات يُعاد توجيهه لصالح الفاعلين الاقتصاديين أنفسهم بدل أن يصل أثره إلى المستهلكين أو إلى الاقتصاد الحقيقي.
ومن الزاوية المؤسساتية، يُظهر التقرير أن عدد التدابير الجبائية ذات الطابع التحفيزي بلغ حوالي 470 تدبيرا سنة 2024، منها 330 تدبيرا نشطا و140 لم تعد فعالة، لكنها ما زالت قائمة في النصوص.
هذا التشتت في التدابير يعكس ضعف التنسيق بين القطاعات، وغياب سياسة جبائية موحدة، بحيث تتحول الامتيازات إلى آلية تراكمية أكثر منها إستراتيجية منسقة، والأهم أن التقرير لا يقدم مؤشرات قياس واضحة لمدى تحقيق هذه التدابير لأهدافها الأصلية، مما يجعل الحديث عن تقييم الأثر مجرد عنوان دون مضمون فعلي.
وفي ما يتعلق بالتحول نحو الشفافية، يُسجَّل أن التقرير حقق تطورا في منهجية العرض مقارنة بالسنوات السابقة، إذ أصبح أكثر تنظيما من حيث التصنيف حسب القطاعات والضرائب والآجال الزمنية، غير أن غياب تحليلات نوعية حول الكلفة والجدوى يبقي الوثيقة ذات طابع وصفي بالأساس،رفهي تظهر حجم الخسارة المالية الناتجة عن الإعفاءات، لكنها لا تناقش بشكل كاف من استفاد فعليا، وما النتائج الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عن ذلك.
ومن النقاط اللافتة كذلك، أن التقرير يُبرز استمرار الإعفاءات الواسعة في القطاع الفلاحي، رغم مرور أكثر من عقد على دمجه التدريجي في النظام الجبائي، فالفلاحة الكبيرة ما تزال تستفيد من تخفيضات وضمانات استثنائية، في حين أن الفلاحين الصغار لا يستفيدون فعليا إلا من برامج الدعم المباشر، مما يعكس استمرار اللاعدالة الضريبية بين الفئات المنتجة، ويثير تساؤلا حول مدى مساهمة هذه الامتيازات في دعم الأمن الغذائي بدل خدمة مصالح رأسمالية فلاحية ضيقة.
أما في ما يخص القطاع العقاري، فقد ظل بدوره من أكبر المستفيدين من النفقات الجبائية، خصوصا في برامج السكن الاجتماعي والسكن الموجه للطبقات المتوسطة، غير أن التقارير الموازية تظهر أن هذه التحفيزات لم تنجح في حل أزمة السكن بقدر ما غذت مضاربات عقارية وأرباحا سريعة للمطورين العقاريين، مما يدعو إلى إعادة تقييم شاملة لجدوى الاستمرار في هذا الشكل من الإعفاءات.
وعلى صعيد آخر، يشير التقرير إلى أن الحكومة بدأت في السنوات الأخيرة تطبيق مقاربة جديدة تعتمد على تقييم مرحلي للنفقات الجبائية عبر لجنة مشتركة بين وزارة المالية ومؤسسات التقييم، إلا أن النتائج ما تزال جزئية ومحدودة في النشر، مما يقلل من شفافيتها أمام الرأي العام، فالتقييم الحقيقي لا يكون فقط بتحديد حجم الكلفة، بل أيضا ببيان من استفاد ومن لم يستفد، وما أثر ذلك على النمو والتشغيل والعدالة الجبائية.
ورغم هذه الثغرات، يلاحظ أن التقرير يعكس جهدا مؤسساتيا حقيقيا نحو ضبط وتبويب هذه النفقات، في محاولة لتقريبها من مفهوم الميزانية الشاملة، غير أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في إخضاع هذه النفقات لمبادئ البرمجة متعددة السنوات والمساءلة البرلمانية، مثلها مثل أي إنفاق عمومي، فطالما أن الإعفاءات الجبائية لا تُناقش بالعمق ذاته الذي تُناقش به نفقات الميزانية، ستظل منطقة رمادية في المالية العمومية، تجمع بين الطابع التحفيزي والغموض المحاسبي.
في المحصلة، يُظهر تقرير نفقات الميزانية الجبائية لسنة 2026 أن الدولة ما تزال تميل إلى التحفيز الجبائي أكثر من التحصيل المالي، وأن أدوات التقييم لا تواكب بعد حجم هذه السياسة، فالنفقات الجبائية، التي يفترض أن تكون استثناء، أصبحت قاعدة مالية موازية تعيد تشكيل ملامح النظام الضريبي المغربي، في ظل غياب معايير دقيقة للإنصاف والفعالية.
وبالتالي، فإن إصلاح هذه المنظومة لا يمكن أن يقتصر على تقليص عدد الإعفاءات أو تحسين عرضها الإحصائي، بل يجب أن يتجه نحو مراجعة فلسفة الدعم الجبائي برمتها، بحيث تُربط الإعفاءات بتحقيق نتائج ملموسة في التشغيل والابتكار والتنمية الترابية، لا بمجرد مصالح فئوية أو توازنات ظرفية، عندها فقط يمكن للنفقات الجبائية أن تتحول من عبء على المالية العمومية إلى رافعة حقيقية للتنمية العادلة والمستدامة.