في خضم تصاعد التهديدات الأميركية والتوتر العسكري مع إسرائيل مطلع 2025، بدا أن طهران دخلت مرحلة استنفار قصوى. وفي تلك اللحظة الدقيقة، أعاد المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي ترتيب دوائر النفوذ داخل النظام، مستدعيا اسما كان قد أُبعد نسبيا عن واجهة القرار: علي لاريجاني، الذي رُفض ترشحه للرئاسة سنة 2021.
في غشت 2025، ومع تصاعد مؤشرات المواجهة الإقليمية، عاد لاريجاني إلى موقع حساس بتعيينه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي. حيث لم يكن القرار بروتوكوليا، بل عكس توجها استراتيجيا لإعادة توزيع مراكز القوة تحسبا لأسوأ السيناريوهات، بما فيها احتمال اغتيال المرشد أو اندلاع حرب واسعة.
تقارير صحافية غربية، من بينها ما نشرته The New York Times وLe Figaro، تحدثت عن توسيع غير مسبوق لصلاحيات لاريجاني، بحيث بات يشرف فعليا على الملفات الحساسة: من إدارة القنوات الدبلوماسية والعسكرية، إلى رسم خطط استمرارية الحكم في حال استهداف رأس النظام، وصولا إلى الإمساك بخيوط الملف النووي.
عمليا، تراجع حضور الرئيس مسعود بزشكيان في القضايا المصيرية، فيما تكفل لاريجاني بالتواصل مع العواصم الكبرى، حيث زار موسكو وبكين طلبا للدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يناير 2026، في سياق سعي طهران لتأمين غطاء دولي في مواجهة الضغوط الغربية. كما أعاد ترتيب مسار المفاوضات النووية في جنيف، بتنسيق مع وزير الخارجية عباس عراقجي.
وتذهب بعض التقارير إلى حد وصف لاريجاني ب"الرجل الذي يحكم من الظل"، بعدما باتت قرارات حساسة تمر عبره، حتى إن الرئيس نفسه اضطر، بحسب تلك المصادر، إلى التنسيق المسبق معه في ملفات داخلية وخارجية شائكة.
أكثر المحطات حساسية كانت في يناير 2026، حين كُشف عن تحرك قاده الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته السابق محمد جواد ظريف لإبعاد خامنئي عن مركز القرار بدعوى تجنيب البلاد حربا مدمرة. لكن لاريجاني تحرك بسرعة، وأحبط المسعى، ما عزز مكانته لدى المرشد الراحل وأكد موقعه كحارس للنظام.
في فاتح مارس 2026، أعلنت طهران مقتل خامنئي في هجوم جوي عنيف. لحظة فارقة وضعت النظام أمام اختبار البقاء. وبموجب الدستور الإيراني، تشكل مجلس قيادة مؤقت لتولي مهام المرشد إلى حين انتخاب خلف دائم من طرف مجلس الخبراء الذي يضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، إلى جانب الفقيه علي رضا أعرافي.
ورغم أن لاريجاني ليس عضوا رسميا في هذا المجلس، إلا أن كثيرين يعتبرونه اللاعب الأبرز خلف الكواليس، والممسك بخيوط التوازن بين مراكز القوة: الحرس الثوري، والمؤسسة الدينية، والجهاز التنفيذي.
وتبدو معركة الخلافة مفتوحة على كل الاحتمالات. حيث يطفو اسم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، بقوة، مدعوما بنفوذ داخل الحرس الثوري وشبكات مالية واسعة. غير أن خيار "التوريث" يثير تحفظات داخل الحوزة العلمية في قم وداخل الشارع الإيراني. في المقابل، يطرح اسم محمد مهدي مير باقري ضمن لائحة الشخصيات ذات الخلفية الفقهية الصلبة.
أما لاريجاني، فيبدو أقرب إلى لعب دور "صانع الملوك" منه إلى اعتلاء المنصب الديني الأعلى. فافتقاره إلى مرجعية فقهية عميقة قد يجعله يميل إلى هندسة تسوية تقوم على اختيار مرشد ذي رمزية دينية، مقابل إدارة تنفيذية قوية يقودها هو من موقع سياسي مؤثر، مستندا إلى تجربة 1989 حين عُين خامنئي مرشدا رغم محدودية مرتبته الفقهية آنذاك.
اليوم، يقف لاريجاني أمام تحدي الحفاظ على تماسك الدولة وسط عاصفة إقليمية ودولية غير مسبوقة، حيث سيحاول توظيف علاقاته مع موسكو وبكين، والاستفادة من قنوات الوساطة في مسقط والدوحة، بحثا عن صيغة تهدئة تحفظ ماء وجه النظام وتمنحه فرصة لإعادة ترتيب أوراقه.
وبين من يراه رجل إنقاذ يسعى إلى منع تفكك الجمهورية الإسلامية، ومن يحذر من أن يتحول إلى "غورباتشوف إيران"، يبقى المؤكد أن "ثعلب طهران" يوجد اليوم في قلب معركة تقرير مصير نظام يترنح تحت ضغط الخارج واحتقان الداخل.