مغالطة    ثقافة الاستحقاق السريع            بيعة الخوارزمية    الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المغربية – المصرية.. السيد أخنوش يحل بالقاهرة على رأس وفد وزاري    "أشبال الأطلس" يتوجون ببطولة شمال إفريقيا بالعلامة الكاملة    ترامب يرى "فرصة جيدة" للتوصل إلى اتفاق مع إيران الاثنين    بوخنفر يبرز أثر التدخل الاستباقي للحكومة في احتواء صدمات الشرق الأوسط    وفاة الدبلوماسي المغربي السابق عزيز مكوار    الثلاثي المغربي يسطر التاريخ مع أيندهوفن في ليلة التتويج بالدوري الهولندي    إيران تلوح بإغلاق "باب المندب" إلى جانب "هرمز"    بعد اضطرابات لوجستية .. انفراج في انسيابية الحاويات بطنجة المتوسط            أخنوش: الحكومة استكملت برنامج تأهيل 1400 مركز صحي في مختلف مناطق المملكة    غضب نقابي بعد الاعتداء على أستاذ من طرف أسرة تلميذ بضواحي الحسيمة    وقفة احتجاجية بمراكش تطالب بالتحقيق في فساد مشروع المحطة الطرقية الجديدة    بيتيس يضع أمرابط ضمن أولوياته ويخشى ارتفاع قيمته بعد المونديال    الحوار الاجتماعي يعلّق اجتماعات اللجنة التقنية لإصلاح التقاعد بالمغرب    انخفاض كبير في مفرغات الصيد الساحلي بالحسيمة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    "فسيفساء العالم" بالرباط: جامعة محمد الخامس تحتفي بتعدد الثقافات وتحوّل الحرم الجامعي إلى فضاء للحوار الكوني    خسائر مادية جسيمة جراء هجوم إيراني على مرافق شركتين تابعتين لمؤسسة البترول الكويتية    غياب الأطر الطبية يعطل مصلحة الطب النفسي بالحسيمة    انقلاب مروع على طريق أوزود يخلف 16 مصابا بينهم أطفال ويعيد دق ناقوس خطر السلامة الطرقية        لامين يامال يخطف الأنظار ويؤكد تربعه على عرش مواهب أوروبا    "مايكروسوفت أيه آي" تعلن إطلاق ثلاثة نماذج أساسية للذكاء الاصطناعي    رياح قوية بالغبار تضرب عدة أقاليم    السنغال تعلق سفر وزرائها إلى الخارج في ظل الصعوبات الاقتصادية    الداخلية الليبية ترحل مهاجرين مغاربة    إيران تعلن تدمير 3 طائرات أمريكية خلال مهمة إنقاذ الطيار    أزمة "كان 2027" تربك الكاف... والمغرب يبرز كطوق النجاة الوحيد    في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!    جوائز سوس ماسة للاستثمار: تكريم رواد الأعمال وتعزيز جاذبية الجهة الاقتصادية    العدول يعلنون إضرابا مفتوحا ووقفة وطنية احتجاجا على مشروع قانون المهنة    الدارالبيضاء تحتضن النسخة السابعة من "Her day for Her" بمشاركة شخصيات نسائية بارزة    دراسة تحذر: "مؤثرون" يروجون معلومات طبية مضللة مقابل المال    عون يدعو إلى مفاوضات مع إسرائيل    أنفوغرافيك | ⁨تراجع أسعار الواردات ب 4.6% وارتفاع طفيف في الصادرات نهاية 2025⁩    توقيف مشتبه فيه في محاولة قتل بشعة بالدار البيضاء بعد مطاردة أمنية انتهت بمشرع بلقصيري    تفاعل واسع مع وفاة شوقي السدوسي وإجماع على خصاله الإنسانية    ترجيست .. دعوات لتعزيز التنمية المحلية خلال افتتاح مقر للاتحاد الاشتراكي    استنفار تربوي بالحسيمة لمواجهة شبح الهدر المدرسي    النصيري يواجه شكوكا حول مشاركته المقبلة مع الاتحاد        بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار.. يايموت: الحرب على إيران استراتيجية أمريكية لتأسيس "دولة إسرائيل الثانية"
نشر في الأيام 24 يوم 05 - 03 - 2026

قال الدكتور خالد يايموت أستاذ العلاقات الدولية والجيوبوليتك بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ذات خلفيات وأهداف جيوسياسية بعيدة المدى وفقا للتصور الأمريكي و"الإسرائيلي" المعلن عنه رسميا، مضيفا أنها حرب مرتبطة أساسا بعنف تقلبات النظام الدولي وليس فقط بتقلبات منطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا.


وأضاف يايموت، في حوار مع "الأيام 24″، أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الشمال الأطلسي "الناتو" وقواه المركزية، تعمل عبر هذه الحرب، على خلق بيئة جيوسياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط يكون المركز الاستراتيجي والثقل الاقتصادي والسياسي والثقافي فيها هو "دولة إسرائيل الثانية".

وتابع أن الهدف من هذه الحرب هو إعادة تأسيس "دولة إسرائيل الثانية" فالمرحلة الحالية تشبه تماما من الناحية الجيوسياسية، ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية في 1948 بخصوص "عملية تأسيس إسرائيل الأولى" عن طريق متوالية من الحروب شملت منطقة الشرق الأوسط.


ويرى يايموت، أن المنطقة تشهد مرحلة جديدة من تأسيس "إسرائيل الثانية" عن طريق موجة واسعة النطاق من الحروب ذات البعد الجيوسياسي، والذي يعني محاولة خلق منطقة جديدة للحلف الأطلسي تمتد من مصر مرورا بكل دول الخليج وكذلك العراق واليمن وسوريا والشام الكبير وصولا إلى شبه الجزيرة الهندية، بحيث تكون إسرائيل هي مركز هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية.

ولتكون إسرائيل هي المركز في هذه المنطقة، فإن الولايات المتحدة الأمريكية محتاجة، حسب يايموت، إلى مسألتين أساسيتين الأولى: تعطيل قواعد القانون الدولي والمؤسسات الدولية التي أصبحت تعيش موتا سريريا حقيقيا وعميقا، والثانية، هي الجانب المالي لإنشاء هذا الموقع الاستراتيجي لإسرائيل أو هذا المشروع الجيوسياسي.

وأردف أن الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول المركزية في الحلف الأطلسي تسارع الخطى إلى نوع من الضم العملي لدول الخليج حيث تكون هذه الدول هي الممول الرئيسي لإنشاء هذه المنطقة الجديدة في الجغرافية السياسية وتكون قيادتها ل"إسرائيل الثانية".


وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

1- في رأيكم ما هي الخلفيات والأهداف الحقيقية للحرب التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران، بعد يوم واحد من انتهاء المفاوضات الدبلوماسية بخصوص البرنامج النووي لطهران؟

أولا يجب أن نبدأ من بعض المنطلقات لتفسير هذه الحرب غير القانونية وفقا لقواعد القانون الدولي. فهي حرب جيوسياسية لتغيير الجغرافية السياسية للشرق الأوسط وباب آسيا، وهي بكل تأكيد امتداد لحرب 2023 على غزة وكذلك على لبنان وصولا إلى الضربات على سوريا وكذلك حرب ال 12 يوما على إيران. وبالتالي فهي حرب تسلسلية واحدة عرفت بعض الاستقطاعات ولكنها مستمرة وستستمر وهي حرب طويلة وواسعة النطاق.

انطلاقا من هذه الصورة يمكن أن نفهم الكثير من الأشياء، أولها أن هذه الحرب منذ انطلاقها هي حرب ذات خلفيات وأهداف جيوسياسية بعيدة المدى وفقا للتصور الأمريكي و"الإسرائيلي" المعلن عنه رسميا. ومن جهة ثانية فالحرب القائمة مرتبطة أساسا بعنف تقلبات النظام الدولي وليس فقط بتقلبات منطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا.

وعندما نتحدث عن الحرب بهذه الكيفية نعني بها أن حلف الشمال الأطلسي "الناتو" وقواه المركزية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإلى حد ما إيطاليا، تعمل على خلق بيئة جيوسياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط، يكون فيها المركز الاستراتيجي والثقل الاقتصادي والسياسي والثقافي هو "دولة إسرائيل الثانية". بمعنى أن الهدف من هذه الحرب هو إعادة تأسيس "دولة إسرائيل الثانية" وهو ما ذكرته في كتابات تعود لسنة 2023 حيث كنت أول من أشار إلى مسألة "تأسيس إسرائيل الثانية".

وإذا أردنا الاستفادة من التاريخ الدولي، يمكن القول أننا في مرحلة تشبه تماما من الناحية الجيوسياسية، ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية في 1948 بخصوص "عملية تأسيس إسرائيل الأولى" عن طريق متوالية من الحروب شملت منطقة الشرق الأوسط.

واليوم نشهد مرحلة جديدة من تأسيس "إسرائيل الثانية" عن طريق موجة واسعة النطاق من الحروب ذات البعد الجيوسياسي. هنا قد يتساءل غير المتخصص ما المقصود بالبعد الجيوسياسي؟ والجواب أنه يعني محاولة خلق منطقة جديدة للحلف الأطلسي واسعة تمتد من مصر مرورا بكل دول الخليج وكذلك العراق واليمن وسوريا والشام الكبير وصولا إلى شبه الجزيرة الهندية، بحيث تكون إسرائيل هي مركز هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية.

ودائما لكي تكون إسرائيل هي المركز فإن الولايات المتحدة الأمريكية محتاجة إلى مسألتين أساسيتين الأولى هي تعطيل قواعد القانون الدولي والمؤسسات الدولية، وهو ما تنجح فيه بشكل كبير جدا، بحيث أنه منذ 2023 إلى الآن يمكن القول إن النظام الدولي وقواعده ومؤسساته المعروفة يعيش موتا سريريا حقيقيا وعميقا.

أما المسألة الثانية، فهي أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج إلى الجانب المالي لإنشاء هذا الموقع الاستراتيجي لإسرائيل أو هذا المشروع الجيوسياسي. وهذا التمويل المالي ليس موجودا عند الاتحاد الأوروبي الذي يعيش مشاكل عويصة وبنيوية كبيرة جدا تجعله يشكل عبئا على الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن الاتحاد الأوروبي في تراجع من ناحية تأثيره على المستوى الدولي، وبالتالي فالولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول المركزية في الحلف الأطلسي تسارع الخطى الآن إلى نوع من الضم العملي لدول الخليج حيث تكون هذه الدول هي الممول الرئيسي لإنشاء هذه المنطقة الجديدة في الجغرافية السياسية، وتكون قيادتها ل"إسرائيل الثانية". وهذا يحقق لأمريكا حصارا طويل المدى للصين وروسيا، بحيث تشير التقارير الدولية المختصة إلى أن خريطة الطاقة العالمية ستعرف تحولات مهمة للغاية، ومثال ذلك إنتاج روسيا من الغاز والنفط سيتراجع ابتداء من سنة 2035، وسيجف إنتاج بعض الدول الأوروبية، لكن الاكتشافات مستمرة في الخليج.

المهم هنا أن أمريكا تعتبر "الشرق الأوسط" في مرحلة انتقال للنظام الدولي وأيضا منطقة جيوسياسية تسمى منطقة "الصد للصين". ولذلك فهي تحتاج لإيران باعتبارها حليفا أو دولة مهزومة، كما أن كل الدول التي تمتنع أو لا تريد الدخول في هذا المشروع ستتعرض لما تتعرض له الآن إيران سواء بذريعة أو بدونها.

ويكفي أن نختم الجواب عن هذا السؤال بالإشارة إلى أن دبلوماسيين أمريكيين ودبلوماسيين بريطانيين سابقين أشاروا إلى أن الجولة الأخيرة التي كان فيها الوسيط هو وزير الخارجية العماني تم فيها فعلا التوصل إلى اتفاق كان يحتاج إلى التشاور فقط قبل توقيع المرشد الإيراني عليه، ولذلك عملت الولايات المتحدة الأمريكية في أول ضربة على اغتيال المرشد بما يثبت أن الأهداف الجيوسياسية هي التي تفسر ما يقع وليست الأعمال الحربية التي تنشب بين الفينة والأخرى.

2- ما دلالات استهداف إيران للقواعد العسكرية الأمريكية ببعض دول الخليج؟ وهل يمكن أن ترد هذه الدول على هذا الهجوم؟

في ما يتعلق باستهداف إيران لدول مجلس التعاون الخليجي، أريد بداية أن أشير إلى أن القواعد العسكرية تبقى أرضا سيادية للدولة ولا تعتبر جزء من أراضي دولة القاعدة، لكنها تتمتع باختصاصات وامتيازات هذا ليس مجال التفصيل فيها.

للجواب على سؤالك: يُطرح تفسيران مختلفان، الأول يقول بعدم جواز مهاجمة إيران لدول الخليج لأن هذه الأخيرة (قطر، الإمارات والسعودية والكويت…) لم تمارس قواتها الوطنية السيادية هجوما على هذه الدولة. أما الرأي الثاني فيقول بأن الأعمال الحربية تشمل كل المعدات المستعملة في الحرب (الرادارات مثلا)، وأن الممارسة الحربية تقوم أساسا على مجموع العتاد الحربي، وبناء عليه فإن استعمال العتاد الحربي داخل منطقة معينة يعد مشاركة مباشرة في الحرب، وهذا هو التفسير الأكثر عقلانية للقانون الدولي.

هذه المسألة، فيها نقاش بين المختصين في العلاقات الدولية. وقد بينته محكمة العدل بدقة باجتهادها لسنة 1986 حين قالت "إن اتفاقية الرد على العدوان (المسلح) تتعلق باحترام معيار الضرورة والتناسب في التدابير المتخذة باسم الدفاع المشروع". لكن المحكمة نفسها لم تغلق باب اللجوء للحرب في حالة الضرورة، وقد شكل الأمين العام للأمم المتحدة "مجموع الشخصيات العالية المستوى" سنة 2005 والتي حضرت لقاء الجمعية العامة، وقد ذكر الأمين العام بالمادة 51 من الميثاق الأمم المتحدة، وتطرقت الفقرة 72 للوثيقة النهائية لقمة 2005 (رقم 1 مكرر) لمسألة أمن الدولة وقالت إن "أي دولة لا يمكن أن تحمي نفسها إذا لم تعتمد إلا على نفسها".

مسألة أخرى أرى أنه مسكوت عنها وهي أن إيران تتبع القيادة المركزية الأمريكية حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية قسمت العالم إلى مناطق متعددة من قبيل المنطقة الأوروبية والإفريقية، وأعطت تسميات حسب القيادة العسكرية التي تتبع لها في واشنطن، بمعنى أن للولايات المتحدة الأمريكية صورة عن العالم قسمته وخلقت هيئات عسكرية مشرفة على هذه المناطق في العالم، والقيادة التي تشرف على إيران هي القيادة العسكرية المركزية الأمريكية، وهذه الأخيرة وضعت وأنشأت قيادات ميدانية موجودة في كل من قطر والبحرين والكويت. وفي حالة نشوب الحروب فمعلوم عند كل المختصين العسكريين وكل الباحثين في الشؤون الدولية أن الذي يقود الحرب هي القيادات الميدانية، إضافة إلى أن هذه القيادات المركزية لها معدات عسكرية وبشرية في الإمارات والأردن والسعودية. مما يجعل التنسيق بين القيادة المركزية الأمريكية والقيادات الميدانية في كل الأعمال الحربية ضروري ومؤكد في نجاح أي عملية عسكرية، بينما الفشل يؤدي إلى كوارث حقيقية كما وقع عندما أسقطت الكويت ثلاث طائرات أمريكية. إذن الصورة يجب أن تكون واضحة بين ما هو نظري وما هو قائم على الأرض ولم يحسم بدقة في القانون الدولي.

أما بخصوص إمكانية رد دول الخليج على إيران، فلا بد من التأكيد أن هناك مؤشرات قوية على تعرض الإمارات العربية المتحدة والسعودية لهجمات لم تكن إيران مصدرها، بمعنى أننا أمام طرف أخر يهاجم بعض دول الخليج. وأود أن أشير إلى أنه لأول مرة تجد هذه الدول نفسها أمام منعطف تاريخي لا يشبه بتاتا المنعطف الذي وقع في حرب الخليج الأولى 1991 والثانية 2003.

فدول الخليج تكتشف اليوم أنها بلا حماية سيادية اعتمادا على نفوذ القطبية الأمريكية، وفي نفس الوقت لا تملك أي فرصة للبقاء كجغرافية سياسية إذا ما دخلت في مواجهة مباشرة مع إيران، ليس لصعوبة هزيمة طهران، ولكن لأن تبعات التحولات الجغرافية والخلفيات والأهداف الأساسية التي ينطلق منها حلف الناتو في تعديل جيوسياسية المنطقة لن يغير من خريطة هذه الدول فقط ولكن قد تنمحي بشكل كبير جدا دول قائمة وستظهر تجمعات دولتية جديدة، لأن الهدف النهائي للحرب هو تعديل الجغرافية السياسية.

وبالتالي فإن الرد الخليجي معدوم، وفي نفس الوقت تجد هذه الدول نفسها أمام انكشاف كبير جدا على مستوى الحفاظ على السيادة، وكذلك القدرة على المحافظة على مقدراتها. بمعنى أن دخول أي دولة خليجية في مواجهة مع إيران سيعيد هذه الدولة حوالي نصف قرن إلى الوراء بكل تأكيد، لأن القدرة التدميرية في الحالة الإيرانية شديدة، كما أن القرب يتيح استعمال العديد من الأسلحة التي تتوفر عليها إيران خاصة قريبة المدى. ناهيك عن أن الدول الخليجية صغيرة المساحة بمعنى أن التدمير الواسع أو ضرب مركز الثقل فيها متاح بشكل كبير جدا. وإذا أخذنا كمؤشر على هذا الأمر الضربات على الإمارات العربية المتحدة فقد أدت فقط خلال يومين من الحرب إلى خسارة بنية تحتية بمليارات الدولارات، وهذا في إحصائيات أولية، دون أن تشمل العواقب الهجرات الجماعية لمئات رجال الأعمال ورؤساء الشركات الذين فروا برا إلى السعودية وسلطنة عمان إلى غير ذلك.


3- وهل يمكن أن يؤدي دخول وكلاء إيران في لبنان والعراق وربما اليمن مستقبلا، على خط المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة بالمنطقة؟


أعتبر أن إطلاق صواريخ من جنوب لبنان هو دخول أولي لحزب الله، وكذلك ما تم في العراق في ما يتعلق ببعض قوى الحشد الشعبي. وهذه كلها إرهاصات للدخول ولا يمكن أن نسميها دخولا حقيقيا بعد، بل هي مقدمة وبداية للمشاركة في هذه الحرب.

وأعتقد أن انخراط هذه القوى إلى جانب إيران، له خلفيات مذهبية وإيديولوجية خصوصا بعد اغتيال المرشد. فهم يرون أن هناك هجوما متعدد الأطراف على هذا المكون الشيعي في المنطقة، ولذلك يأتي رد الفعل من قبل هذه القوى، بشكل يؤثر على اتجاه الحرب ويعطيها الصبغة الإقليمية الحقيقية ميدانيا. هي حرب قائمة بالفعل لكن الذي يزكيها هو تمدد العمليات العسكرية من دول متعددة هي حتى الآن العراق ولبنان، وهذا البعد الإقليمي يعطي نفسا كبيرا ومؤشرا على أن الحرب ستتسع وأن أمدها سيطول.


4- أين هو موقع حلفاء إيران في هذه الحرب خاصة روسيا والصين؟

من ناحية المفاهيم، أولا، لا يمكن اعتبار الصين وروسيا حلفاء لإيران. نعم تربطهم علاقات شراكة فعلية، لكن لا يوجد أي تحالف بين طهران وموسكو وبكين، إضافة إلى أن روسيا منهمكة ومنهكة في أوكرانيا حيث تحارب كل قوى الحلف الأطلسي ولها التزامات سيادية وحربية في نفس الوقت.

أما بالنسبة للصين، فهي تحتاج من الناحية العسكرية إلى أن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية توزيع قواتها في العالم وأن تُحركها لتعيد الانتشار بحيث يتركز ثقل الوجود العسكري البري والبحري في منطقة الشرق الأوسط مما يعطي مساحة مهمة للصين في بحر الصين والمحيطين الهندي والهادي، وهذا يتم بالفعل. إذ كلما اشتدت المعارك وطالت كلما أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية محتاجة إلى أن تنقل قواتها من مناطق متعددة وهي 183 منطقة في قواعد عسكرية حول العالم، ولذا فما يهم الصين هو أن تدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة الانتشار.

كما أن الصين تتوفر على أقمار اصطناعية تراقب بها كل تفاصيل الوضع بمنطقة الشرق الأوسط والتحركات العسكرية في المنطقة، لاستكشاف الوضع عملياتيا وفنيا بحيث تكتشف أنواع التقنيات الجديدة سواء المتعلقة بالأسلحة التقليدية أو بالأسلحة السيبريانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تستعملها الولايات المتحدة الأمريكية حاليا، ولذا تحتاج الصين إلى أن تكون هناك حرب طويلة في هذه المنطقة لاستكشاف ومعرفة وجمع المعلومات، تحسبا لأي مواجهة قد تكون محدودة وقد تكون إرادية أو غير إرادية، أو عند أي انفلات في منطقة بحر الصين الجنوبي ومنطقة تايوان بالخصوص.

إذن بالنسبة للصين، فليس من مصلحتها الدفع السريع حاليا لإنهاء العملية العسكرية. ويمكننا كذلك أن نضيف فرعيا أن الصين تخوض حربا اقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تعلم أن الحروب تؤدي إلى استنزاف مالي كبير جدا. فحرب 12 يوما الماضية، كلفت واشنطن في ما يتعلق فقط بتحريك العتاد العسكري وليس إجراء العمليات حوالي مليارين ونصف مليار دولار، بمعنى أن الصين واعية بأن التكاليف المترتبة عن هذه الحرب بالنسبة لأمريكا كبيرة وترهقها من الناحية الاقتصادية، وبالتالي فهي تريد أن تستمر الحرب لإنهاك الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديا خصوصا مع مشاكل ارتفاع المديونية الأمريكية إلى 37.67 تريليون دولار.

كما أنه كلما كانت في منطقة الشرق الأوسط توترات بعيدة المدى، وتشهد هذا النوع من المواجهات، فذلك يؤجل مشاريع الولايات المتحدة الأمريكية المتعلقة ببناء أحلاف مناطقية ضد الصين. كما أنه يؤدي إلى خلق عدم اليقين في ما يتعلق بالتحالفات الدولية، وبالتالي يُعرقل التحالفات الكبرى ويختبر صمودها خصوصا تلك المتعلقة بالتحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض القوى مثل "بريكس" والاتحاد الأوروبي.

بمعنى آخر، هذه الحرب بالنسبة للصين تزيد من غموض وضعية التحالفات الدولية خصوصا مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما يعطي للصين هامش حركة كبيرا رغم أنها ستتضرر من مشكل الطاقة العالمي. وبالتالي إذا نظرنا من هذه الزاوية فأكبر رابح في ما يقع حاليا هي الصين. غير أن ما أشرت إليه لا ينفي وجود تعاون معلوماتي بين الصين وروسيا وإيران وقت الحرب.


5- ما هي تأثيرات هذه الحرب على منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة؟

أولا، يجب النظر إلى الأمور في سياقها. فهذه المنطقة من وجهة نظر المحور الأنجلوساكسوني المهيمن على حلف الناتو "منطقة نفوذ مقدسة". بمعنى أنها يجب أن تبقى دائما مهيمنا عليها من قبل هذا المحور. في حالة الحرب أو في حالة السلم يجب أن تبقى السيادة الحقيقية أمريكية بريطانية إسرائيلية، وتتبعها في ما بعد في بعض أماكن نفوذ فرنسا، وهذا ما يفسر خطاب ماكرون الأخير وتحريك حاملات الطائرات شارل دوغول، ولكن فرنسا لا تؤثر بشكل قيادي بمعنى أنها لا تصنع القرار الاستراتيجي، بل تقتات على مخلفاته.

أما عن تأثيرات هذه الحرب، فيمكن القول إنها وجودية لإيران ودول الخليج. فلها أثر كبير على الخيارات الاستراتيجية التي اعتمدت من طرف هذه الدول على الأقل لمدة تفوق نصف قرن، فقد ترى أنه حان الوقت لمراجعة جذرية لسياستها سواء الدفاعية أو الأمنية وحتى السياسة الخارجية المتبعة من قبل هذه الدول. مسألة أخرى كذلك، هي أنه اتضح أن رؤية إيران للمنطقة ومسارها واتجاهها كان خاطئا منذ حوالي نصف قرن، وأنه لا بد لها من تغيير وجهة نظرها بطريقة جذرية بحيث تعمل بتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي وكذلك العراق وسوريا واليمن، على خلق بيئة تتدفق فيها أبعاد جديدة تستقل بشكل أساسي عن القوى الأنجلوساكسونية في حلف الناتو وكذلك عن فرنسا والقوى الأخرى التي تأتي من أوروبا والغرب.


6- أخيرا، ما هي السيناريوهات المتوقعة لمستقبل هذه الحرب؟

يصعب حقيقة توقع ما سيحدث خصوصا أن الحدث كبير جدا وهو زلزال بكل ما تحمل الكلمة من معنى على المستويين الإقليمي والدولي. ومما يزيد من تعقيد التوقع أن الولايات المتحدة الأمريكية بَنت معطياتها لشن الحرب على معلومات غير دقيقة في ما يتعلق بالقدرة الإيرانية على الرد، وكذلك بما يتعلق بالصف السياسي الداخلي وردود فعل التيارات الإيرانية.

فرغم أن هناك عمل استخبارات مهم قام به المحور الأنجلوساكسوني لمدة شهور على مستوى التعبئة وتسليح بعض المعارضة الداخلية، ولكن السيناريو الذي بُنيت عليه العملية الحربية الحالية هو أنه بضرب قمة النظام السياسي سيخرج المعارضون للنظام إلى الشوارع، ويمكن إدخال وحدات أو جيوش صغيرة تنتظر في أذربيجان وكردستان العراق، فيحدث نوع من التشظي على المستوى الداخلي مما سيضطر الحرس الثوري إلى قيادة انقلاب ناعم، أو غير هذا من السيناريوهات التي كانت تفترضها الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن، لحد الآن يتبين أن هذه الأمور غير دقيقة ولا أظن أنه يمكن أن تكون هي الافتراض الصحيح. وثاني عامل هو أنه بعد مقتل المرشد تحولنا رسميا إلى إدارة الدولة والموارد، والعمليات العسكرية تحولت من الإدارة المشتركة بين العسكري والسياسي في إيران إلى إدارة الحرس الثوري للمعركة فباتت تأخذ دائما طابعا عقديا وسياسيا عسكري، مما يعقد السيناريوهات.

الحرس الثوري لن يتراجع إلى الوراء، وأفترض أنه حتى لو استعمل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية القنابل التكتيكية النووية خارج العاصمة ووسط البلاد، فلا أعتقد أن الحرس الثوري سيرفع الراية البيضاء ويستسلم كما يظن ويطالب بذلك ترامب.

ولذلك أعود وأجدد التأكيد على أن مسألة رسم سيناريوهات هذه الحرب تبدو صعبة. وكخلاصة، أنا أميل إلى أنها تشكل حلقة من حرب طويلة وواسعة النطاق ابتدأت منذ أكتوبر 2023 ولا أظن أن هناك مؤشرات تقول إنها ستتوقف قريبا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.