رسميا.. المحكمة الإسبانية العليا تستدعي زعيم جبهة البوليساريو للمثول أمام قضاتها في الأول من يونيو    وزارة الداخلية تؤكد على ضرورة مواصلة التقيد بالإجراءات المعلن بخصوص مراسم الدفن    تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان 2020: إصدار تقارير ومذكرات لملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية    الصين تتوقع سقوط "صاروخها" الضال خلال يومين    تونس تفرض إغلاقا شاملا خلال عطلة عيد الفطر    لاعب المغرب التطواني يذهل الجميع بتصديه لركلات الترجيح بعد طرد الحارس (فيديو)    الوداد البيضاوي يواجه تحديات قوية خلال شهر ماي    إلقاء القبض على مروج مخدرات اعتدى على عناصر الشرطة بالسلاح الأبيض    استثناء خلال عيد الفطر..مندوبية السجون تسمح للنزلاء بتلقي قفة المؤونة    "أونسا": بذور البطيخ الأحمر بالمغرب غير معدلة جينيا    لجنة الدعم تقرر عدم سحب تمويل "كوبل سعيد"    وزارة الصحة تعلن عن تسجيل 298 إصابة بفيروس كورونا و275 حالة شفاء جديدة    الفتح الرياضي يعلن انتقال "سلتو" إلى أهلي طرابلس بنظام الإعارة    الجيش الاسرائيلي يوقف مشروع نجم كرة قدم برصاصة    كورونا إفريقيا.. تسجيل 342,932 حالة نشطة خلال ال24 ساعة الأخيرة    اشتوكة أيت باها.. حجز 190 كلغ من المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك    شركة توتال تلغي حملة إعلانية في جريدة "لوموند" بسبب اتهامها بتمويل المجلس العسكري الحاكم في بورما    بطولة انكلترا: سولشاير ينوي تكثيف مبدأ المداورة في ظل زحمة المباريات    ‪أولياء التلاميذ يطالبون بتأجيل امتحانات الباكالوريا    كم كنت موفقا يا امحند العنصر! الانتخابات لا تربح بالكلام وبالبرامج السياسية بل بالحكمة والصمت    المجلس العلمي الأعلى يحدد قيمة الزكاة في 15 درهما    وزارة الداخلية تصدر بلاغا حول مراجعة اللوائح الانتخابية للغرف المهنية    البروفيسور هيكل: من شأن الأدوية المتوفرة تدبير السلالة العادية والمتحورات الأخرى    الدكتور جعفر هيكل: الأدوية المتوفرة قادرة على تدبير السلالة العادية لكورونا والمتحورات الأخرى    تلميذة ابتدائي تطلق النار داخل مدرسة وتصيب زملائها في ولاية أمريكية    قصيدة من وحي لوحة    بوريطة: إيران تستهدف المغرب عبر تسليح البوليساريو    حماة المال العام: الحكومة أصبحت رهينة لوبيات الفساد والإرادة السياسية لمواجهة الفساد غائبة    برايثوايت يعود إلى قائمة برشلونة في مواجهة أتلتيكو مدريد    ردا على استدعاء المغرب لسفيرته.. ألمانيا: تفاجئنا بالقرار ونعمل بطريقة بنّاءة مع المغرب لحل الأزمة    في الذاكرة.. وجوه بصمت خشبات المسرح المغربي    الداخلية تدعو إلى عدم تجاوز 10 أشخاص في مراسم الدفن والتأبين لمنع تفشي كورونا    جريمة بشعة تهز طنجة.. شخص يطعن خياطا ويرسله إلى الإنعاش    وزير الداخلية يستقبل زعماء أحزاب المعارضة اليوم    منظمة الصحة العالمية تحذر من موجة جديدة لكورونا في إفريقيا    المكتب الوطني المغربي للسياحة ينظم "الأيام الجهوية للتسويق السياحي"    أكادير.. التوقيع على اتفاقية شراكة بين المركز الجهوي للاستثمار لسوس ماسة و" كلوفو المغرب"    بعد دعوة بايدن رفع براءات اختراع اللقاحات.. جدل حول الملكية الفكرية ومخاوف من سوء الاستعمال    كتل ضبابية وزخات رعدية الجمعة بمختلف مناطق المملكة    الكونغولي مابيدي يزيد متاعب الرجاء    رسالة من هيرفي رونار لحسين عموتا    دراسة علمية.. وجود "دوامة محيطية" ببحر البوران في عرض الحسيمة    "الأولى" حيحات فهاد رمضان.. الأخبار شافوها أكثر من 6 ملايين ديال المغاربة ومسلسل "بنات العساس" تبعوه 8 ملايين    كلام الله... قول النبي في القرآن الكريم    اسبانيا تسجل تراجعا "هاما" لعدد السياح الأجانب    تويتر يعلق حسابا ينشر رسائل لدونالد ترامب    العلاقات الدولية لا تحتمل الخطاب الاختزالي حول صراع الأديان والحضارات    بين العقل والخبل    السعودية.. أخبار غير سارة عن أداء مناسك الحج هذا العام..    إسلاميات… تقرير الحالة الدينية في المغرب (2018 2020): الطرق الصوفية (2/3)    ستروين تودّع C1 بموديل خاص    السينما.. مصنع ترفيهي أو أداة تحكم في العقول؟    إشادة بالحسناوي "اللاعب الحارس" بعد صناعته ل"التاريخ" في مسابقة كأس العرش    إصدار سندات للخزينة عن طريق المناقصة بقيمة 1.05 مليار درهم    الكتاب الجامعي المغربي ورهانات الثقافة والتنمية    نبضات : أبي    ألبير كامو: عاشق أم دونجوان؟    قبيل "العيد".. تشديد إجراءات التنقل بالمملكة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





إسلاميات.. التصوف الرقمي بين مطالب الحضور ومأزق التباهي
نشر في الدار يوم 17 - 04 - 2021

كان حضور الخطاب الديني في العالم الرقمي، وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، حافلاً بالخلاصات حول طبيعة ومآل هذا الخطاب، ومن ذلك "حقيقته" وأفقه، سواء كان أفقاً وعظياً أو سياسياً أو قتالياً.. إلخ.
هذا ما عايناه مع الحضور الإخواني في العالم الرقمي، ومعه الحضور السلفي الوهابي، أو الحضور "الجهادي"، ولا نتحدث عن الحضور في المواقع الإلكترونية والمدونات، وإنما نتحدث عن حضور هذا الخطاب في مواقع التواصل الاجتماعي بالتحديد، سواء تعلق الأمر بموقع "فيسبوك" هنا في المغرب والمغرب العربي بشكل عام، أو موقع "تويتر" هناك في المشرق والخليج العربي.
كانت النتائج كاشفة، من قبيل ما صدر عن الإخوان المغاربة في عدة محطات، منها محطة "الفوضى الخلاقة" مثلاً، أو تعاملهم مع قضية الصحراء المغربية، كما هو الحال مع جماعة "العدل والإحسان"، وقس على ذلك باقي الأمثلة، وهذا متوقع من هؤلاء (يجب التذكير هنا أن مؤتمر كوالالمبور المؤرخ في 19 دجنبر 2019، وعرف مشاركة محور تركيا قطر إيران، لم يشارك فيه المغرب، بينما شاركت فيه حركة "التوحيد والإصلاح" وجماعة "العدل والإحسان"، بمقتضى الانتماء للمشروع الإخواني الدولي).
يهمنا هنا التوقف عند حضور الخطاب الصوفي، مع دخول أتباع طرق صوفية أو أقلام صوفية لا تنتمي بالضرورة إلى طريقة صوفية، وإنما محسوبة على ما اصطلحنا عليه من قبل ب"ما بعد الطرقية"، ويتعلق الأمر بفاعلين كانوا أتباع طرق صوفية، ولكنهم أخذوا مسافة من الانتماء الطرقي، مفضلين التحرر من الانتماء التنظيمي.
هناك اتجاهات اثنان في هذا السياق:
اتجاه يدافع عن الخطاب الصوفي، ونجده من عدة مرجعيات، سواء كانت مرجعية صوفية أو مرجعية لا علاقة لها بمرجعية دينية صريحة، ولكنها تتبنى الخطاب الصوفي باعتباره بديلاً للمرجعيات الدينية الإيديولوجية السائدة في الساحة، ونجد هنا فئة النساء والشباب، من الداخل والخارج، بل نجد حتى بعض أتباع المرجعيات اليسارية، من الذين شرعوا في مراجعات في التعامل مع المسألة الدينية، وهذه ظاهرة نعاينها بشكل كبير منذ عقد تقريباً، محلياً ودولياً، وخاصة في أوربا.
وهناك اتجاه آخر، ينتمي صراحة إلى مرجعية صوفية، وخاصة الانتماء إلى طرق صوفية، ويُعلن عن ذلك، وينخرط في الترويج للمرجعية الصوفية، كتحصيل حاصل، على غرار ترويج المتديّن الإخواني لخطابه الإخواني والأمر نفسه مع المتديّن السلفي الوهابي.. إلخ، ما دام الناس في ما يعشقون من أنماط التديّن، مذاهب، بصرف النظر عن مرجعية هذا التديّن، هل هو وسطي، أو متشدد أو متطرف، هذا موضع آخر.
ولكن هناك فوق كبير بين انخراط متديّن صوفي في الدعوة للمرجعية الصوفية (على غرار ما يصدر عن فاعلين لا علاقة لهم بالمرجعية الصوفية، ولكنهم يقومون بذلك، إيماناً منهم بأهمية هذه المرجعية في حقبة صعود الإسلاميين والإساءة التي تعرض لها الدين من قبل مجموعة حركات وجماعات إسلامية)؛ وبين انخراط المتديّن نفسه في الدعوة للمرجعية نفسها، مع إشهار تدينه الصوفي، أو إشهار طريقته الصوفية والتباهي بها أمام الأصدقاء الرقميين، وفي الحالتين معاً، نحن إزاء معضلة أخلاقية صوفية مركبة، وبيان ذلك كالتالي:
لا يمكن مؤاخذة المتديّن الإخواني والسلفي الوهابي والداعشي… إلخ، إن روج لمرجعيته الإسلامية الحركية، معلناً عن طبيعة الانتماء، أمام الملأ، لأن هؤلاء لا يفقهون كثيراً في مقتضى الإخلاص، كما سطرت معالمه الآيات القرآنية الكريمة، أو الأحاديث النبوية، أو مجموعة من الأدبيات الإسلامية لأعلام الأمة، وفي مقدمتها الأدبيات الصوفية.
ولكن الأمر مختلف مع التباهي الديني في حال صدوره عن مرجعية صوفية، لأنه حينها، يناقض مقتضى تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والتراث الإسلامي الصوفي، ونذكر منها بضعة أمثلة، من باب التذكير:
أ في خانة الآيات القرآنية، نجد، على سبيل المثال لا الحصر: "فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى" (النجم، 32)، ضمن آيات أخرى تعج بالدروس الغائبة عند كل متديّن يُشهر تدينه أمام المجتمع، في الواقع المادي والواقع الرقمي، أياً كانت مرجعيته الدينية، لأن الآية هنا جامعة، وتهم الجميع، دون استثناء، بل إن الأفق الكوني للآيات القرآنية الكريمة، يجعلها موجهة للإنسانية جمعاء، وليس للمسلمين وحسب.
ب في خانة الأحاديث النبوية الشريفة، نجد، على سبيل المثال لا الحصر أيضاً: "إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". (حديث متفق عليه عند أهل الحديث).
ج أما في خانة الأدبيات التراثية، فالأمر نفسه مع كثرة النصوص والإشارات التي لا تخرج عن الخطوط العريضة المسطرة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويمكن الاستئناس مثلاً، بما في جاء في الإشارة 161 من الحكم العطائية، وجاء فيها: "استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك، دليل على عدم صدقك في عبوديتك"، أو إشارة للإمام الجنيد، وجاء فيها: "الإخلاص سرٌّ بين الله وبين العبد. لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله"، أو الإشارات التالية لأعلام أخرى:
"التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك. والصدق التنقي من مطالعة النفس. فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له. ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق، ولا الصدق إلا بالإخلاص. ولا يتمان إلا بالصبر".
"من شهد في إخلاصه الإخلاص، احتاج إخلاصه إلى إخلاص. فنقصان كل مخلص في إخلاصه، بقدر رؤية إخلاصه. فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص، صار مخلصاً مخلصاً".
وهذا غيض من فيض، لأنه يصعب عملياً حصر مُجمل النصوص الدينية التي تقوض هذا التباهي الرقمي الصادر عن فعاليات صوفية، بل إن هذا التباهي، يُسيء إلى الخطاب الصوفي، ونزعم أنه يغذي ظاهرة "ما بعد الطرقية" سالفة الذكر.
صحيح أننا نطالب بحضور الطرق الصوفية في العالم الرقمي، مساهمة منها في التصدي لخطاب اختزال الدين أو أدلجته، الصادر عن أغلب الحركات الإسلامية، سواء كانت دعوية أو سياسية أو قتالية، موازاة مع ضرورة حضور خطاب المؤسسات الدينية ، وهي شبه الغائبة رقمياً في الساحة المغربية، إلا أن هذا المطلب، يقتضي الكثير من الحذر النظري والعملي، حتى لا تسقط هذه الطرق الصوفية في مأزق تزكية الذات واختزال التديّن في هذه الطريقة الصوفية أو تلك، ولو فعلت ذلك، فالأمر لا يختلف حينها عما يصدر عن الحركات الإسلامية، التي تعمل بقاعدة "كل حزب بما لديهم فرحون"، حيث تجد كل طريقة تزكي نفسها، وتعتبر نفسها ممثلة الدين بشكل أو بآخر: عاينا ذلك بين الخطاب السلفي الوهابي والخطاب الإخواني، ونعاينه حتى بين الإسلاميين فيما بينهم، بين أتباع "الإسلام السياسي" مثلاً، كما هو الحال مع الخطاب الديني الإيديولوجي الصادر عن مَجَرة حركة "التوحيد والإصلاح" ومَجَرة جماعة "العدل والإحسان"، أو كما هو الحال مع الحركات الإسلامية "الجهادية" فيما بينها، من قبيل ما عاينا مع الخلافات الدموية بين "جبهة النصرة" وتنظيم "داعش"، ضمن أمثلة أخرى، بينما هذا أمر لا يليق، نظرياً على الأقل، بأن يصدر عن الطرق الصوفية على الخصوص، أو عن فاعل صوفي، يتباهى بتدينه الصوفي، كما لو أننا إزاء ميزة، تسيء له، ويعتقد خلاف ذلك، جهلاً منه بأبسط مقتضيات العمل الصوفي.
لذلك، نزعم أنه من مؤشرات الجهل بالعمل الصوفي، أن يتباهى فاعل صوفي ما، أمام الملأ، بأنه صوفي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.