الحلقة الخامسة: فنزويلا في لعبة المقايضات الكبرى: الصمت الروسي والبرود الصيني العلمي الحروني في خضم التصعيد الأمريكي المتكرر ضد فنزويلا، يلفت الانتباه موقف قوتين دوليتين كبيرتين يفترض، نظريا، أنهما الداعمان الأبرز لكراكاس: روسياوالصين. فبينما تُكثّف واشنطن خطاب التهديد والعقوبات، يسود نوع من الصمت الروسي، وبرود صيني محسوب، وهذا يطرح سؤالا مركزيا: لماذا لا تتحول فنزويلا إلى ساحة مواجهة دولية مفتوحة؟ وهل هذا ممكن الوقوع الآن وهنا؟ وما هي سيناريوهات المستقبل؟ لفهم هذا السلوك، لا بد من الخروج من منطق التحالفات الأيديولوجية المبسطة، والدخول إلى منطق المصالح والمقايضات. فروسياوالصين لا تنظران إلى فنزويلا باعتبارها قضية مبدئية، بل كورقة ضمن لوحة جيوسياسية أوسع، تتداخل فيها ملفات أوكرانيا، تايوان، الطاقة، والتوازنات العالمية. بالنسبة لروسيا، تربطها بفنزويلا علاقات عسكرية واقتصادية تعود إلى عهد تشافيز، شملت صفقات سلاح واستثمارات في قطاع الطاقة. ووفق بيانات Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI)، بلغت قيمة صادرات السلاح الروسي إلى فنزويلا بين 2006 و2016 ما يفوق 11 مليار دولار. غير أن هذا الزخم تراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. السبب الرئيسي هو أن الأولوية الروسية تغيرت. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا سنة 2022، باتت موسكو تُركّز مواردها العسكرية والدبلوماسية على جبهتها الأوروبية، وتتعامل مع الملفات الأخرى—ومنها فنزويلا—بمنطق إدارة المخاطر لا التصعيد. هذا ما يفسر غياب الصوت الروسي في لحظات مفصلية كما هو الحال بسوريا سنة 2024 وقبلها بليبيا سنة 2011، وظهور حديث عن "مقايضة ما" قد تكون ضمن " توافق سري" ظل مكتوما لحد الآن سيكشف مع الزمن. هذه المقايضة لا تعني التخلي عن فنزويلا، بل تعني إدراجها في حسابات أوسع. فروسيا تدرك أن مواجهة مباشرة مع الولاياتالمتحدة في أمريكا اللاتينية لن تخدمها استراتيجيا، خاصة في ظل استنزافها في أوكرانيا، وحاجتها إلى الحفاظ على قنوات تواصل غير معلنة مع واشنطن. أما الصين، فتعاملها مع فنزويلا أكثر براغماتية وهدوء. فمنذ مطلع الألفية، استثمرت بكين بكثافة في قطاع النفط الفنزويلي، وقدمت قروضا تجاوزت 60 مليار دولار، وفق تقديرات Inter-American Dialogue ، لكن هذا الدعم لم يكن سياسيا بقدر ما كان اقتصاديا مرتبطا بضمان إمدادات الطاقة. والعدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي-الصهيوني على فنزويلا من بين ما ركز عبليه هو الاستحواذ على ناقلات النفط الموجهة للصين بهدف جرها للحرب لتجد الولاياتالمتحدة عذرا وفرصة لخلق نزاع بالتايوان. غير أن العقل الاستراتيجي الصيني الذي يستمد من مبادئ المفكر الخبير العسكري الاستراتيجي الفيلسوف الصيني " سون تزو Sun Tzu (حوالي 544 – 496 قبل الميلاد) الواردة في مؤلفه " فن الحرب (The Art of War) " وهو أشهر كتاب في تاريخ الاستراتيجيات العسكرية، عقل طويل الأمد، يأبى ويمتنع عن العجلة، تلك الثقافة الاستراتيجية الصينية، كما عبر أحد الباحثين الأمريكيين عن ذلك حين قال " أن روسيا عنيفة مثل الإعصار أما الصين فذات حركة هادئة وعميقة فهي مثل التغير المناخي". فن الحرب، أو فن تحقيق الغايات دون مصادمات. ف "سون تزو" يقول " البراعة ليست في أن تنتصر في مئة معركة وإنما أن تنتصر دون أن تخوض القتال"، ذلك ما ورد بالتحليل الشافي والكافي في الفصل الأول من المحور الأول لأرضية "اليسار الجديد المتجدد" من داخل الحزب الاشتراكي الموحد ( 2025)، حيث أدركت الصين اللعبة واتجهت عوض ذلك مباشرة لفرض حصار تام وكامل على التايوان حاضنتها الثقافية الأقرب، تاركة أمريكا تخسر استراتيجيا وأخلاقيا وسط وحل قطران فينزويلا. بخلاف الخطاب الأمريكي، لا ترى الصين في فنزويلا " حليفا أيديولوجيا"، بل شريكا تجاريا عالي المخاطر. لذلك، حين اشتد الحصار الأمريكي، لم تلقِ بكين بثقلها في مجلس الأمن، واكتفت بتصريحات تدعو إلى احترام السيادة والقانون الدولي، كما ورد في الموقف الصيني الرافض لاحتجاز السفن الفنزويلية. هذا البرود الصيني يعكس فلسفة أوسع في السياسة الخارجية لبكين: تجنب المواجهات المباشرة، وعدم تحويل أي ملف إقليمي إلى صدام شامل مع الولاياتالمتحدة، ما لم يكن ذلك مرتبطا مباشرة بمصالح حيوية كتايوان أو بحر الصين الجنوبي. فنزويلا، في هذا السياق، ملف ثانوي، مهما كانت رمزيته. وتكشف الأرقام حدود هذا الدعم الصيني. فرغم الحديث عن "اليوان" و"نهاية البترو-دولا"، لا يزال أكثر من 85 إلى 90 % من تجارة النفط العالمية يتم تسعيرها بالدولار، بحسب بيانات Bank for International Settlements. ، أما الصفقات النفطية الفنزويلية باليوان، فهي محدودة الحجم والتأثير، ولا ترقى إلى مستوى كسر النظام المالي القائم. في المقابل، تدرك واشنطن هذا الواقع جيدا. ولذلك، ورغم التصعيد الخطابي، تتجنب الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لأنها تعلم أن روسياوالصين لن تتدخلا عسكريا دفاعا عن فنزويلا. هذا ما يفسر استمرار سياسة "الضغط دون الانفجار"، بحيث اكتفت أمريكا بقطر رأس الدولة لكن النظام الفينزويلي لا زال قائما يمسك السلطة. من جهة أخرى، تستفيد موسكووبكين من هذا الوضع الرمادي. فبقاء فنزويلا تحت الضغط يربك واشنطن، ويستنزف جزءا من طاقتها الدبلوماسية، ورصيدها الاستراتيجي والأخلاقي أمام الرأي العام الدولي وحتى وسط الرأي العام الداخلي حيث الانقسام حاصل وسط قاعدة ماجا الداعمة لترامب. وكما يلاحظ الباحث الأمريكي ستيفن وولت، فإن " أفضل استراتيجية للقوى الصاعدة ليست المواجهة المباشرة، بل ترك الخصم يخطئ ويستنزف نفسه" ذلك ما ستقع فيه إدارة ترامب. خلاصة القول، لا تعيش فنزويلا عزلة مطلقة، لكنها أيضا لا تحظى بحماية صلبة، لقد وجدت نفسها ورقة تفاوض في لعبة أكبر، يستخدمها اللاعبون الكبار دون أن تحرق، ويلوح بها دون الدفاع بشكل مباشرعنها حتى النهاية. وهذا ما يجعل وضعها هشا لكن يمنع تحولها، من طرف الصينوروسيا، إلى ساحة حرب كبرى، لقد تم قطع رأس الدولة لكن النظام باق حكومة وحزبا وجيشا، وستضطر الولاياتالمتحدة في الخطة "ألف" إلى التعامل مع الحكومة ومحاولة التأثير في الانتخابات الرئاسية المرتقبة ولجنتها ولو مؤقتا، غير أنها قد تمر إلى الخطة "باء" أقصد تدبير انقلاب عسكري لاستعادة فينزويلا إلى عباءة أمريكا والاستمرار في نهب نفطها وذهبها وتعميق فقر شعبها البوليفاري العظيم. ( يتبع).