سعيا لتعزيز إدماج الشباب في سوق الشغل والحفاظ على الموروث الحرفي الوطني، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني برنامج "التكوين بالتدرج المهني" الموجه إلى الحرف الفنية والإنتاجية والخدمات المرتبطة بالصناعة التقليدية. ويُعد هذا البرنامج المجاني مبادرة عملية تستهدف الشباب ابتداءً من سن 15 سنة، عبر تمكينهم من مهارات ميدانية داخل المقاولات الحرفية، بما يفتح أمامهم آفاق التشغيل أو إطلاق مشاريعهم الذاتية. يرتكز هذا النظام التكويني على مقاربة مزدوجة تجمع بين التعلم النظري والتطبيق العملي، مع إعطاء الأولوية للتكوين داخل بيئة العمل، حيث يقضي المتدرب ما لا يقل عن 80 في المائة من مدة التكوين داخل المقاولة الحرفية المستقبِلة، مقابل استكمال الجانب النظري داخل مراكز التكوين. ويستند هذا الورش إلى شبكة واسعة تضم 67 مؤسسة تكوينية وأكثر من 100 ملحقة، بطاقة استيعابية تناهز 30 ألف مقعد بيداغوجي، ما يعكس حجم الرهان على هذا المسار في تأهيل الرأسمال البشري. ويمنح البرنامج ثلاث مستويات من الشهادات حسب المسار الدراسي للمتدربين، تشمل شهادة التدرج المهني، ودبلوم التخصص المهني، ثم دبلوم التأهيل المهني. وتغطي هذه التكوينات طيفاً واسعاً من الحرف، من بينها مجالات الجلد والخشب والمعادن والطين والحجر والزجاج، إضافة إلى النسيج والألبسة، والحلاقة والتجميل، والمنتوجات النباتية، فضلاً عن مهن إصلاح السيارات والدراجات، وترميم التراث المعماري، وأشغال البناء، وصيانة وتركيب الأجهزة المختلفة. أما شروط الولوج، فتتدرج بدورها وفق مستويات التكوين؛ إذ يكفي توفر الحد الأدنى من مهارات القراءة والكتابة والحساب للالتحاق بالتدرج المهني، بينما يتطلب الولوج إلى دبلوم التخصص المهني مستوى السنة السادسة ابتدائي أو شهادة التدرج المهني، في حين يشترط للحصول على دبلوم التأهيل المهني بلوغ مستوى السنة الثالثة إعدادي أو التوفر على دبلوم التخصص المهني. ويتميّز هذا النظام أيضاً باعتماده مبدأ "الممرّات"، الذي يتيح للمتدرجين تطوير مسارهم المهني بشكل تصاعدي داخل نفس الحرفة، بدءاً من شهادة التدرج المهني، مروراً بدبلوم التخصص، وصولاً إلى دبلوم التأهيل، بما يعزز فرص الترقي المهني والاستقرار الاقتصادي. بهذا التوجه، لا يقتصر البرنامج على التكوين فقط، بل يشكل رافعة استراتيجية لإعادة هيكلة قطاع الصناعة التقليدية، وتأطير المقاولات الحرفية، وضمان استمرارية الحرف المهددة بالاندثار عبر نقلها إلى الأجيال الصاعدة في إطار مهني منظم ومستدام. رسمياً.. البطاقة المهنية تُنصف الصانع التقليدي وتفتح أمامه آفاقاً جديدة من الدعم والامتيازات والاعتراف
في توجه يهدف إلى إعادة الاعتبار لقطاع الصناعة التقليدية وتعزيز مكانة الحرفيين، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني البطاقة المهنية الخاصة بالصانع التقليدي، كآلية حديثة للاعتراف الرسمي بهذه الفئة وتمكينها من مزايا متعددة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. ويأتي هذا الإجراء في إطار تنزيل مقتضيات القانون رقم 50.17 المتعلق بمزاولة أنشطة الصناعة التقليدية، بما يعكس توجهاً نحو تنظيم القطاع وإدماجه في دينامية التنمية، من خلال توفير أدوات عملية تُسهم في تحسين ظروف اشتغال الصناع وتدعم مساراتهم المهنية. وقد احتضنت مدينة أكادير، يوم الجمعة 26 شتنبر 2025، الانطلاقة الرسمية لعملية توزيع هذه البطاقات، وذلك على هامش فعاليات الدورة التاسعة للجائزة الوطنية لأمهر الصناع، حيث تم أيضاً توقيع اتفاقيات شراكة مع مؤسسات عمومية وخاصة، تتيح للصناع التقليديين الاستفادة من عروض تفضيلية وخدمات موجهة. وإلى حدود اليوم، تجاوز عدد البطاقات التي دخلت مرحلة الإصدار 300 ألف بطاقة، ما يعكس الإقبال الكبير على هذا الورش الوطني. وتتميز البطاقة المهنية بكونها وثيقة رقمية وآمنة، مرتبطة بالسجل الوطني للصناعة التقليدية (RNA)، وتضم معطيات دقيقة حول الصانع، تشمل هويته ونشاطه المهني ورقم هويته الحرفية (NIA)، إلى جانب مدة صلاحيتها ورمز تحقق إلكتروني يتيح التأكد الفوري من صحة المعلومات. وبفضل هذه الخصائص، تمثل البطاقة جيلاً جديداً من الوثائق الذكية التي توظف التكنولوجيا لتبسيط الولوج إلى الخدمات وتسهيل التفاعل مع مختلف مكونات منظومة الصناعة التقليدية. ولا تقتصر أهمية هذه البطاقة على بعدها التعريفي، بل تمنح حاملها صفة رسمية ك"صانع تقليدي"، وهو ما يفتح الباب أمام الاستفادة من برامج الدعم والتكوين والمواكبة، والمشاركة في المعارض الوطنية والدولية، فضلاً عن تبسيط المساطر الإدارية والولوج إلى خدمات الحماية الاجتماعية. كما تتيح البطاقة الاستفادة من امتيازات اقتصادية مهمة، من خلال عروض تفضيلية وخدمات خاصة توفرها مؤسسات شريكة في مجالات النقل والتأمين والخدمات البنكية، إضافة إلى مزودين مختلفين. وعلى المستوى القطاعي، تُسهم هذه المبادرة في إدماج الصناع التقليديين ضمن الاقتصاد المهيكل، وتعزيز تثمين المهن الحرفية وحمايتها، بما يضمن استدامة هذا الموروث الثقافي والاقتصادي الوطني.