يقدم مشروع قانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة تصوراً متكاملاً لإعادة هيكلة المهنة بالمغرب، من خلال مقاربة تجمع بين تعزيز الاستقلالية وتحديث شروط الولوج والتكوين، وتوسيع مجالات التدخل، مقابل تشديد الضوابط الأخلاقية والمهنية، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها منظومة العدالة وطنياً ودولياً. ويؤكد المشروع الذي خلق جدلاً واسعاً، بين المحاميين ووزير العدل عبد اللطيف وهبي، قبل أن يتدخل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لإطفاء احتقان شلّ محاكم المملكة لأزيد من شهرين كاملين، (يؤكد) في مقتضياته العامة أن المحاماة تظل مهنة حرة ومستقلة، تضطلع بدور أساسي في تحقيق المحاكمة العادلة والدفاع عن الحقوق والحريات، مع اعتبار المحامي جزءاً من أسرة القضاء، وهو ما يكرس مكانته داخل المنظومة القضائية ويعزز مسؤوليته في حماية القانون وضمان حسن تطبيقه. كما ينص على أن ممارسة المهنة تبقى محصورة في المحامين المسجلين بإحدى هيئات المحامين أو المتمرنين المقيدين بلوائحها، بما يضع حداً لأي ممارسة غير قانونية. وفي ما يخص شروط الولوج، جاء المشروع بتشديد ملحوظ، حيث حدد سناً أدنى للترشح في 21 سنة وسناً أقصى في 40 سنة عند اجتياز مباراة الولوج، مع اشتراط التوفر على شهادة الماستر في العلوم القانونية أو ما يعادلها، كما أقر مساراً تكوينياً إلزامياً يمر عبر اجتياز مباراة معهد تكوين المحامين، ثم الخضوع لتكوين نظري لمدة سنة، يعقبه تمرين ميداني لمدة 24 شهراً تحت إشراف هيئة المحامين، يتوزع بين العمل داخل مكتب محام والتدريب داخل مؤسسات عمومية أو ذات صلة بالمهنة، قبل إمكانية التسجيل النهائي في الجدول. ويشدد المشروع كذلك على شروط النزاهة والسلوك، إذ يمنع ولوج المهنة على كل من صدر في حقه حكم قضائي يمس بالشرف أو الأمانة، أو تعرض لعقوبات تأديبية سابقة مرتبطة بسوء السلوك المهني، كما يشترط التمتع بالحقوق الوطنية والقدرة الصحية على ممارسة المهنة. وفي مقابل ذلك، يحدد المشروع حالات إعفاء دقيقة من التكوين والتمرين، تشمل القضاة السابقين وبعض الفئات القانونية، مع إخضاع بعض المحامين الأجانب لاختبارات تقييمية في القانون المغربي، في إطار مبدأ المعاملة بالمثل. أما على مستوى الممارسة، فيكرس المشروع مبدأ الاستقلالية عبر منع الجمع بين مهنة المحاماة وأي نشاط تجاري أو وظيفة إدارية أو مهنة حرة أخرى، باستثناء حالات محدودة، كما يمنع الانخراط في تسيير الشركات أو اكتساب صفة شريك متضامن في بعض أنواع الشركات، إضافة إلى منع العمل كأجير، وهو ما يهدف إلى تحصين المحامي من تضارب المصالح وضمان حياده. ويمنح المشروع للمحامي اختصاصات واسعة، تشمل الترافع والنيابة أمام مختلف المحاكم، والقيام بالإجراءات لدى كتابة الضبط والنيابة العامة، وتمثيل الأطراف أمام الإدارات والمؤسسات العمومية والهيئات المهنية، إضافة إلى تحرير العقود، خاصة المتعلقة بإنشاء الشركات، وتقديم الاستشارات القانونية، والمشاركة في عمليات التحكيم والوساطة والوسائل البديلة لحل النزاعات، كما يلزمه بعدم تمثيل أطراف متعارضة في نفس النزاع، حفاظاً على أخلاقيات المهنة. ومن حيث تنظيم المهنة، يتيح المشروع للمحامين ممارسة نشاطهم بشكل فردي أو في إطار شراكات أو شركات مدنية مهنية، أو عبر عقود تعاون مع محامين أجانب، مع فرض قيود على فتح أكثر من مكتب داخل التراب الوطني، إلا في حالات محددة، كما يلزم المحامي بالتصريح السنوي بوضعه المهني، والتوفر على تأمين للمسؤولية المدنية، وأداء واجبات الانخراط. ويولي المشروع أهمية كبيرة لتنظيم العلاقة مع المحامين الأجانب، حيث يسمح لهم بالممارسة داخل المغرب وفق اتفاقيات ثنائية أو تراخيص استثنائية مرتبطة بمشاريع استثمارية، مع إلزامهم بالاشتغال عبر محام مغربي وتقييد نشاطهم في نطاق محدد، في خطوة توازن بين الانفتاح وحماية السيادة القانونية. كما ينظم المشروع بدقة مساطر التسجيل في هيئات المحامين، من خلال تحديد آجال للبت في الطلبات، وإقرار مبدأ الرفض الضمني في حالة عدم الرد، مع إلزامية تعليل قرارات الرفض وإتاحة حق الاستماع للمعنيين، إضافة إلى تنظيم نقل التسجيل بين الهيئات وضبط نشر الجداول المهنية سنوياً. وفي ما يتعلق بالترافع أمام محكمة النقض، يشترط المشروع أقدمية لا تقل عن 12 سنة بالنسبة للمحامين، مع إخضاعهم لتكوين خاص، أو فتح المجال لبعض الفئات القانونية ذات الخبرة، وهو ما يعكس توجهاً نحو رفع مستوى الكفاءة أمام أعلى هيئة قضائية. ويكرس النص إلزامية التكوين المستمر كآلية لتطوير الكفاءة المهنية، حيث يفرض على المحامين، خاصة المقبولين أمام محكمة النقض، متابعة دورات تكوينية سنوية بحد أدنى محدد، مع اعتبار الإخلال بذلك مخالفة مهنية تستوجب المساءلة. كما يعزز المشروع من آليات الرقابة والتأديب، من خلال التأكيد على احترام السر المهني، والتقيد بقواعد النزاهة والاستقلال والوقار، وربط كل إخلال بهذه المبادئ بعقوبات تأديبية، في إطار تخليق المهنة وتعزيز ثقة المتقاضين.